2019-11-28 11:40:25

من هنا نبدأ / استرجاع المال المنهوب يغني لبنان عن ((سيدر))/ بقلم حسن صبرا

من هنا نبدأ / استرجاع المال المنهوب يغني لبنان عن ((سيدر))/ بقلم حسن صبرا

من هنا نبدأ / استرجاع المال المنهوب يغني لبنان عن ((سيدر))/ بقلم حسن صبرا

من هنا نبدأ / استرجاع المال المنهوب يغني لبنان عن ((سيدر)) / بقلم حسن صبرا

مجلة الشراع 29 تشرين الثاني 2019 العدد1927

 

تحضر المساعدات المفترضة للبنان، خصوصاً في مقررات مؤتمر ((سيدر))، كما تحضر ثرواته النفطية والغازية في أعماق بحره كمحركات نقاش في الصراع الدائر حالياً بين أركان السلطة حصراً، في تجاهل كامل ومتعمد لحاجات الناس كما لمطالبها المشروعة من هؤلاء.

وكما في كل أمر في لبنان، يتقاتل المتصارعون اللبنانيون على بيع جلد الدب قبل صيده، كما على اقتسام السمك قبل دخوله الشباك، وقد أوصى أحد لصوص المال على المحارق استناداً الى أموال ((سيدر))، وأسس آخر شركة للنفط والغاز ستعمل من الباطن، وتوزع اللصوص بلوكات النفط بالتوازي الجغرافي بين الشمال والجنوب، بين المسيحيين والمسلمين. ووضع اللصوص اتفاقيات لسرقات الكهرباء والاتصالات والمجالس والطرقات والسدود والجمارك والمؤسسات الرسمية، كل وفق شهيته وشهوته وشبقه كما وفقاً لفجوره والقوة التي تدعمه، وجوعه العتيق، وكله ولـ 15 سنة أولى كان يسرق تحت اشراف ومشاركة المايسترو حافظ وبعده ابنه بشار الاسد.

مضت 30 سنة على هذه الحالة، وفي نصفها الثاني كان لبنان ينجز للمرة الثانية استقلالاً غير ناجز، غابت وجوه وجرى تصنيع أخرى، وما تبدلت الا أسماء وصفات، وعاد اللصوص الى ثقافتهم ونشروا وباء الفساد من أفواههم، واصطنعوا نواباً أركبوهم في حافلاتهم ووزراء سلموهم وزارات ليسرقوا لهم ولأزواجهم وأصهرتهم ومرافقيهم.. وركبوا على الوطن 100 مليار دولار، ونهبوا من الناتج الوطني خلال 30 سنة أكثر من 800 مليار دولار، وبات ابو شحاطة يملك اسطول سيارات، والأجير عند مخبر سوري يبني قصراً، و((ابو مخطة)) لا يرتدي ملابس الا من معارض باريس للأزياء.. وبات الحربوق يملك ملايين الدولارات، بعد ان كان يعجز عن شراء دواء لوالده المريض، وأصبح استاذ المدرسة يملك مئة مليون دولار بواسطة قلمه، والمخبر المرافق صاحب ملايين.. وشروط ذلك بسيطة.. يكفي ان تجيد الكلام، وان تحمل الحقيبة وأن تطيع الست، او ان تتزوج البنت، او ان تعجب التانت، او ان ترسل زوجك او اختك الى هذا الضابط الأمني السوري، فتصبح نائباً ثم وزيراً او منفذاً لمشاريع ينطبق عليك تعهدها..

الانتفاضة الوطنية ضد الحرامية، قامت ضد هؤلاء، هم فجروها بما ارتكبوا، وهم برروها بما فجروا، هم وحدوا ناسها بالتجويع، وعهر الصفقات وتبديد المدخرات، وهي وحدتهم اول الأمر تحت عنوان ((كلن يعني كلن)) وما اخطأت في وضعهم في سلة واحدة، هم ونوابهم ووزراؤهم ومديروهم وأزواجهم وأولادهم وأصهرتهم ومرافقوهم وكلاب حراستهم.. ثم عادت وفرقتهم بالتقسيط فأسقطت حكومتهم ورئيسها وعطلت مجلس النواب ورئيسه وحاصرت رئيس الجمهورية مع عشيرته.

انها حالة كان يجب ان تقوم منذ عشرات السنين، لكن أن تأتي متأخراً أفضل من ألا تأتي أبداً.

الآن يتراكض المستهدفون من الانتفاضة لحصر الخسائر، وأولها في استعادة الحكومة عبر محاولة تجميلها، نصف مستقلة لاختصاصيين كل في مجال فهمه، ونصف حزبية، كي يتسنى الاستمرار في السرقة ونهب الأموال واخضاع المؤسسات والوزارات والادارات لزبانيتهم ومن معهم.

يغرون سعد الحريري ان يعود رئيساً.. انهم لا يجرؤون على تجاهله، لأنهم بهذا يعيدونه على حصان أبيض، كان جمهوره أنزله عنه حين قرر الانتحار السياسي وانتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية، هروب الحريري من المسؤولية وظهوره كأنه في مواجهة صهر عون الصغير أعاد اليه بعض عطف من جمهور عفوي بسيط.. وها ان بعضهم يضغط عليه في الشارع.. فقد كان سعد أول المستسلمين في مواجهة الانتفاضة فلماذا لا يكون ايضاً اول المستسلمين في العودة؟

أغلب الذين يريدون الحريري وعدوا أنفسهم بأمرين اثنين متلازمين:

الأمر الأول: هو وصول مساعدات وقروض ((سيدر)) البالغة 11 مليار دولار عن طريقه، ومن دونه لا أمل بسنت واحد.

الأمر الثاني: هو بدء حفر آبار التنقيب عن النفط والغاز تمهيداً لاستخراج كميات تجارية منها توفر للبلد مليارات الدولارات سنوياً.. وشركات النفط تأتمر بأوامر سياسيي بلدها وهؤلاء ايضاً يعطفون على الحريري هذا فضلاً عن الدعم الدولي سياسياً، والبعض يرى في هذا الدعم الدولي خطراً على حضوره السياسي الفعال..

الحريري لن يعود الا بشروطه وأهمها حكومة ثقة متجانسة لا تمثل أحزاباً وليس بين أعضائها نواب او سياسيون. هكذا تعود الثقة الى العلاقة بين الانتفاضة ضد الحرامية وبين حكومة جديدة لبلادهم. حاولوا ابتزاز الحريري بإيجاد بديل عنه..لم يرضخ للابتزاز حاولوا اغراءه بتسمية من يمثله وهو لو زحط بهذا الاغراء لحملوه مسؤولية الفشل الحتمي الداهم. الآن يبتزون الحريري بحكومة من اتجاه واحد.. وهم لو يفهمون سيجعلونه بطلاً عند اللبنانيين.. وهو يمكن ان يكون بطلاً فعلاً اذا طرد لصوص الهيكل من داره.. ولن يحتاج الى أي اصطناع لبطولة من آخرين او صمد أمام استدراجه الى الشارع، او في اظهاره متخلياً عنه.. هو أحرجهم باستقالته والآن هو مستهدف لاسترجاعه او حرقه.

كل المشاريع المطروحة والمخفية وزعرنات الشوارع وتهديدات الانهيار.. لن تغير المشهد الحالي: ناس في الشوارع وحكام في القصور.

بلى يمكن تغيير المشهد اذا كان هناك تصميم على استرجاع الأموال المنهوبة وهذا لن يتم بحكومة سياسيين كما هي الحال منذ احتلال آل الاسد للبنان لأن الفساد معقود في سنابك خيل كل من في السلطة.. كان الفساد ثقافة.. أصبح الفساد داء ولا بد من دواء.. وهذه السلطة لا تملك الدواء لأنها هي الداء ولا بد من مواجهتها بمشروع حتمي لاسترجاع المال.

ولو يفهم أولو الأمر هذه المعادلة لطبقوها وتجاوزوا كل قطوع: استرجاع المال يلغي الحاجة الى ((سيدر)).

استرجاع المال يعطي الفرصة لمراجعة كل ما له علاقة باتفاقيات التنقيب ثم الحفر ثم استخراج النفط والغاز ثم التصدير.. لأن ما جرى حتى الآن هو جرائم كاملة كما وصفها النائب السابق محمد قباني وكما صرح بها الخبير النفطي نقولا سركيس.

استرجاع المال الآن يلغي كل حديث عن رضوخ لأي مشروع، خصوصاً اذا كان اميركياً او خليجياً عربياً.

استرجاع الأموال الآن هو فرصة حقيقية لحزب الله الذي يبدو مصمماً على مكافحة الفساد كي يبني جسور ثقة بينه وبين الانتفاضة الوطنية ضد الحرامية.. وليس صحيحاً ان الناس في الشارع تسقط على حزب المقاومة صفة الفاسد.. وهو مطالب بأن يجاهد في مجال استرجاع المال.. فهو كفيل الحكام وهو درعهم وهو قوتهم.. وكلهم مدينون له بالجلوس على كراسيهم، وعلى حساب رصيده الوطني الضخم بتحرير الأرض والتصدي لكل عدوان صهيوني، وقد آن الأوان لأن يظهر العين الحمراء للصوص فيتوقفوا عن النهب.. ثم ليرفع عليهم العصا كي يعيدوا ما سرقوه..

وليبادر هو الى اعتماد تشكيل حكومة اختصاصيين ولن يعود مهماً اذا كانت برئاسة الحريري (غير المختص) او غيره المختص.

فالناس لن ترضى بعد الآن بحكومة فيها سياسيون يمثلون من انتفضوا ضدهم واصفينهم باللصوصية، اللص لا يعترف بلصوصيته، ولن يعترف بالتالي بما سرق، ولن تسترجع الناس حقوقها منهم.

فقط اختصاصيون يعيدون الاعتبار لسلطة قضائية تعين قضاة للتحقيق مع اللصوص.. وفقط اختصاصيون يجيدون وضع آلية لاسترجاع المال المنهوب، فإن عجزوا فإلى مجلس الأمن لتشكيل هيئة خاصة لاسترجاع مال اللبنانيين من الذين سرقوهم سوريين ولبنانيين.

وفقط اختصاصيون مستقلون فاهمون ولا يوالون الا الوطن، ولا يدين أي منهم لأي صاحب سلطة، المجتمع اللبناني زاخر بالمختصين، والمنتفضون هم من كل فئات هذا المجتمع من فقرائه الى نخبه في الداخل والخارج..

فقط حزب الله يملك تحقيق هذا الأمر.. ويملك فرصة استرجاع المال والاستغناء عن الدعم الدولي، والتحايل الاميركي..

يبقى أمر جوهري.. بديهي وهو انشاء جسر ثقة بين حزب الله وبين كل ساعٍ لمكافحة الفساد.. نابذاً شعاره الأثير وهو بحث سلاح حزب الله.. فليس في الوارد لا الآن ولا بعد عقود جعل سلاح الحزب فزاعة لا في يده.. ولا في سياسة خصومه، السلاح هو امر جوهري في ظل عدوان اسرائيلي مستمر، وتنظيم استخدامه يتم ضمن استراتيجية دفاعية.. الأمر الآخر ان سلاح حزب الله هو جزء من ترتيبات اقليمية مفترضة لا قدرة للبنانيين على التأثير فيها.. انها في طهران وعلاقتها المتفجرة مع الادارة الاميركية الحالية، وهل يملك من يريد مناقشة سلاح حزب الله تأثيراً في اميركا؟.. فليتوجه اليها.. وهل يملك تأثيراً في ايران فليحاورها.. وإلا فلينزع هذا الشعار وليغمد سيف المناورة السياسية - الشعبية موفراً على لبنان بعض ما يجري في الشارع وليتلاحم القادرون المتضررون من الفساد وليبحثوا عن دواء له.. ليرسلوا الفاسدين الى الجحيم انما بعد ان يضعوا خطة لاسترجاع المال المنهوب.. تلك هي القضية.

حسن صبرا