2019-11-27 15:27:43

حراك في لبنان وآخر في ايران.. هناك فرق / بقلم السيد صادق الموسوي

حراك في لبنان وآخر في ايران.. هناك فرق / بقلم السيد صادق الموسوي

حراك في لبنان وآخر في ايران.. هناك فرق / بقلم السيد صادق الموسوي

حراك في لبنان وآخر في ايران.. هناك فرق

بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 29 تشرين الثاني 2019 العدد 1927

 

منذ لحظة اعلان الرئيس الاميركي دونالد ترامب خروجه من الإتفاق النووي مع إيران كان يتصور أن خروجه سيخنق الجمهورية الإسلامية ويقطع عنها سبل الإستمرار في الحياة، لكن مدته الرئاسية أوشكت على الإنتهاء ولم يحدث ما كان يتوقعه من انهيار الإقتصاد وسقوط النظام أو اضطراره للرضوخ أمام الولايات المتحدة الأميركية، بل على العكس من ذلك حيث اضطر الرئيس الأميركي المتعجرف إلى التنازل عن عنجهيته وكبريائه وتوسيط جميع من يعتقدهم قريبين من القيادات الإيرانية مرات ومرات وبمناسبات مختلفة لعل رئيس الجمهورية الشيخ حسن روحاني يقبل باللقاء معه وآخرها المحاولات الحثيثة التي بذلها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون أثناء انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام لكنه لم ينل مراده، وقنع الرئيس الأميركي باللقاء مع وزير الخارجية محمد جواد ظريف لأخذ صورة تذكارية معه، على الأقل، وأرسل لذلك موفداً خاصاً من أعضاء الكونغرس الجمهوريين، وهو الذي وصفه ترامب بأنه ليس صاحب القرار في النظام الإيراني، لكن الوزير الإيراني لم يوافق على اللقاء به.

ورغم ممارسة الولايات المتحدة أقسى الضغوط وأشد التهديدات لدول العالم وعلى الشركات في حال استمرت في التعامل مع طهران، وذلك بهدف شلّ حياة المواطنين الإيرانيين فيؤدي ذلك إلى ((إنقلابهم على النظام))، لكن الحياة العادية تسير في ربوع المدن الإيرانية كلها، والناس اعتادت على الضغوط الأميركية وغيرها التي بدأت منذ اليوم الأول لانتصار الثورة الإسلامية قبل 41 عاماً، وهي أثبتت مرات ومرات أنها لا تستبدل بحريتها واستقلالها شيئاً أبداً، وقد جربت أجهزة الاستخبارات الاميركية والصهيونية وأذنابهما مراراً استغلال أية مناسبة اجتماعية أو إقتصادية أو سياسية لتحويرها إلى حركة ضد نظام الجمهورية الإسلامية، لكن سرعان ما يتم الفصل بين المتظاهرين المطالبين بالحقوق والمتغلغلين بين الصفوف من المشاغبين والذين يحاولون الإصطياد في المياه العكرة فتتم محاصرتهم واعتقالهم في أسرع وقت وإفشال مؤامراتهم وإعادة الهدوء إلى الساحة الإيرانية.

ومن حماقة أعداء الثورة الإسلامية أنهم يُظهرون ابتهاجهم مستعجلين ويوهمون أنصارهم أنهم صاروا قاب قوسين أو أدنى من النصر، وقد دعوهم مرات إلى الاستعداد للعودة إلى إيران منتصرين، لكن بعد خذلانهم وفشل مؤامراتهم يوجهون السباب وأنواع الشتائم للشعب الذي لم يتماشَ معهم في خططهم ومؤامراتهم، ويرجعون منتظرين فرصة أخرى لعلها تحقق أحلامهم، وهذا الابتهاج قد ظهر جلياً من خلال تغريدات الرئيس الأميركي وتصريحات نائبه ووزير خارجيته وكذلك في مواقف رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو ووزير خارجيته ومن خلال التظاهرات في الكيان الغاصب تضامناً مع المشاغبين في إيران، وأي مواطن إيراني يحب وطنه عندما يرى الصهاينة المجرمين وأعداء الإنسانية يعلنون مساندة أية جماعة وتأييد أية خطوة فإنه حتماً يعلن البراءة من أولئك، ولما يرى أركان الإدارة الأميركية يتسابقون في إظهار الدعم والمساندة لما يجري في بعض المدن الإيرانية ويتضامنون مع الذين يوجهون سلاحهم إلى صدور المواطنين العزّل، وهم الذين يمنعون حتى الدواء عن الأطفال والمرضى ويتفاخرون بأنهم يضيقون الخناق يوماً بعد يوم على الشعب الإيراني ويصرحون كل صباح ومساء بأنهم سيستمرون في تشديد العقوبات على أنواعها ليفرضوا على الشعب والدولة الإيرانيين الإستسلام والخضوع لإرادتهم الإستكبارية، عندئذٍ لا يتردد أي شريف في رفض الذلّ والركوع أمام أعداء الإنسانية قتلة الأطفال في فلسطين والرضا بالعودة إلى عصر الإمبريالية الأميركية والذي سقط من أجل التحرر منها مئات آلاف القتلى قبل انتصار الثورة الإسلامية وأثناءها وبعدها وطوال 8 سنوات من الحرب المفروضة.

اما في لبنان

إن الحراك الذي يجري في لبنان منذ أكثر من شهر لا يمكن تشبيهه أبداً بالأحداث التي جرت مؤخراً في إيران كما يحاول البعض تصويرها، لأن الحراك الشعبي المستمر في المدن والساحات اللبنانية كان وما يزال سلمياً، ولم يتمّ المساس أبداً بالممتلكات الخاصة والعامة، ولم يقم أحد بحرق أية مؤسسة عامة أو خاصة، بل يصرّ المتظاهرون والمعتصمون على الحفاظ على سلمية وحضارية تحركهم ويتحملون جميع الهجمات عليهم من مرتزقة الطبقة الفاسدة والطغمة الحاكمة، ويستقبلون بأجسادهم الهراوات والعصي من المتزلفين لرموز النظام الظالم، وهم يصرخون بأعلى الصوت ((سلمية سلمية))، ورأس السلطة التي تقف في وجه الحراك لا يستمد شرعيته من الشعب مباشرة ليشعر بالمسؤولية تجاههم، بل هو يأتي نتيجة توافقات خارجية وتفاهمات مشبوهة وتحالفات لا تلحظ مصالح المواطنين بأي حال، بل يتمّ انتخابه على أساس تقاسم المغانم والتفاهم على الحصص والمشاركة في نهب ثروات الشعب والإستدانة من الدول والمصارف الأجنبية بفوائد عالية باسم الشعب اللبناني وإيداع تلك الأموال في الحسابات الشخصية في المصارف الداخلية والخارجية وإجبار الجيل الحالي والأجيال المقبلة على سداد ما تمّ نهبه من قبل السارقين والفاسدين، وتأتي المشاركة في الحراك من قبل كل الجائعين من الطوائف كافة وجميع الفقراء من كل المناطق، وذوي العقول المنفتحة من مختلف الأحزاب والتنظيمات.

لقد نجح الحراك الشعبي بأسلوبه السلمي والحضاري في الحصول على ثلاثة انتصارات هامة خلال شهر واحد أولها إجبار الحكومة على الإستقالة، والثاني تفويت الفرصة على السلطة بالتحايل على الحراك والإتيان برئيس حكومة من الطبقة الفاسدة نفسها، والثالث منع انعقاد المجلس النيابي وإفهام أعضائه بأنهم يسيرون على خلاف توجهات موكّليهم ويتصرفون خارج حدود الوكالة التي أعطاه لهم الشعب اللبناني، وبقيت مرحلة واحدة فقط يجب التركيز عليها بصوت واحد وهي ما تبقى من السلطة التنفيذية والذي يدعو من لا يعجبه العيش تحت حكم الطبقة الفاسدة إلى الهجرة من الوطن والبحث عن لقمة العيش الكريم في أقاصي الأرض.

إن الأطباء يقولون بأن ترك المريض للدواء قبل إكمال مراحله واكتمال مفعوله يجعل البكتيريا أو الميكروب او الفيروس يكسب المناعة ويقاوم الدواء في المرحلة المقبلة ولا يتأثر مستقبلاً بالدواء السابق، وهذا الأمر ينطبق أيضاً على الحراك الشعبي في لبنان، فإن الجموع إذا رضيت بأنصاف الحلول واجتزاء المعالجات والتوقف عن المطالبة بالتخلص من الفساد في السلطة من القمة حتى القاعدة فإن الفاسدين سيعودون إلى امتصاص دم الشعب بشراهة أكثر ويستعملون وسائل أحدث لنهب ثروات الفقراء مستفيدين من التجربة الحالية فيسدّون الثغرات التي منها نفذ الناس هذه المرة للثورة عليهم فتكون أية خطوة مستقبلية للوقوف في وجه الناهبين والفاسدين أصعب، واستعداد السلطة الغاشمة لصدّ الجماهير أكثر شراسة وخبثاً، وتكلفة مناهضة مصاصي دماء البائسين أكبر بكثير، فلا تضيعوا هذه الفرصة ولا تتوانوا في توكيد المطالب كل المطالب حتى تُمسكوا بمقاليد الأمور وتزيلوا عن كراسيهم الذين ادّعوا كذباً تمثيلكم في التشريع والتنفيذ وأركان الحكم وتنتخبوا رئيساً مخلصاً أميناً باختياركم الحرّ من دون التقيد بلونه الطائفي والمذهبي وبعيداً عن التأثيرات الخارجية والإملاءات الإقليمية والدولية، وتوكلوا في مسيرتكم هذه على الله ناصر المستضعفين ومعين المظلومين فإنه صادق الوعد ولا يخلف الميعاد وإنه على كل شيء قدير.

السيد صادق الموسوي