2019-11-21 16:55:22

هوامش حول الضغط الذي يولِّد الحراك/ بقلم: فؤاد مطر

هوامش حول الضغط الذي يولِّد الحراك/ بقلم: فؤاد مطر

هوامش حول الضغط الذي يولِّد الحراك/ بقلم: فؤاد مطر

هوامش حول الضغط الذي يولِّد الحراك/ بقلم: فؤاد مطر

مجلة الشراع 22 تشرين الثاني 2019 العدد 1926

 

إستوقفتْني وأنا أتابع يوميات الحراك الشعبي في عراق التراث وعراق الحنين إلى العروبة وكذلك العراق النخوي وعزة النفس محطات عدة لا يملك المرء إلا أن يسجل وقفة من التأمل أمام بعض منها، كونها ترتبط بما يعيشه العراق من حراك على المستوى الشعبي سبقه تحرك بالغ الأهمية على صعيد وضْع نقاط على الحروف بالنسبة إلى قضايا تتصل بالولاء والهوية وتنقية المناخ السياسي والإجتماعي من شوائب. وهذا التوجه عموماً أحدث على ما يجوز الإفتراض صدمة لدى أهل الحُكْم في إيران الذين رأوا أن كل خطوة يخطوها النظام في العراق في إتجاه إستعادة مقومات شخصيته السيادية وهويته العروبية هي في واقع الحال على حساب إتساع فضاء التأثير الإيراني على مجريات القرار العراقي، وهذا سينتهي بفعل تراكُم الخطوات إلى حالة إستنهاض هي عملياً ما يعيشه العراق منذ ثلاثة أعوام.

بداية المحطات والتي هي المدخل إلى ما يعيشه العراق منزَّه عن الغرض على السعودية ودول الخليج وتتمثل في القيام بزيارات بدءاً بالخطوة الصدرية التي أرادها السيد مقتدى رسالة في أكثر من إتجاه وكان الهدف متجْلياً: حُسْن الجوار يحقق الاستقرار للعراق الذي هو في أشد الحاجة إلى إعادة صياغة أهمية مكانته كواحد من الأرقام الصعبة في محيطيْه العربي والإقليمي وهذا يكون بمسح متدرج للوجه العراقي الذي أتى ((التمكيج)) الإيراني على الكثير من قسمات ذلك الوجه. وحيث أن عبارة ((النأي بالنفس)) غدت أحد مقومات الطمأنينة والإستقرار وبناء العلاقة المتوازنة مع الآخرين بدءاً بالشقيق العربي فالجار الإيراني والآغا التركي، فإن الخطوة الصدرية كانت بمثل حجر الأساس لبناء علاقة مع الشقيق الخليجي والشقيق المصري وسائر الأشقاء من صغيرهم لبنان المبتلى بما ليس من مصلحة ديمومة صيغته وإستقرار شعبه فرْضها موقفاً عليه إعتماده وإن هو رأى ذلك غير مستحَب وليس لمصلحة صيغته التوافقية التي بلورها إتفاق الطائف المضمون سعودياً وعربياً ودولياً.

بعد الخطوة الصدرية ذات البعد المعنوي حدثت الخطوات العملية وتمت على قاعدة الود المقرون بالمصلحة المشتركة. زيارات وإتفاقيات وعلى أساس أن ((عراق بريمر)) إلى إندثار وأن عراق بحبوحة الدور الإيراني إلى وجوب إعادة نظر وأن عراق العلاقة المتجددة مع الأشقاء العرب إلى المزيد من التطوير رسمياً وشعبياً. وفي زيارات الرئيس برهم صالح ورئيس الحكومة عادل عبد المهدي ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي إلى بعض العواصم العربية، وكذلك في ما يقوله هؤلاء الرموز البعيدو النظر من كلام في  مؤتمر تستضيفه بغداد أو في تصريحات يدلون بها خلال زيارات خارجية، ما كان يبعث الطمأنينة في النفس بأن العراق في الطريق إلى أن يستعيد الرقم الصعب لا أن يبقى ساحة على نحو ما هي عليه الحال في سوريا ولبنان واليمن. وبعد الإستعادة المشار إليها لا يعود القرار العربي على الوهن الذي هو عليه ويصبح من مصلحة المتدخلين في شؤون غيرهم سواء من خلال سياسة الأمر الواقع المغلف بالسلاح، أو حتى من خلال ((الجيوش)) الميليشياوية التي لم يعد خافياً أنها بدعة وكل بدعة ضلال، الإنكفاء أو الإنصهار بصدق في المجتمع السياسي.

بالمقارنة مع حراك شعبي في كل من مصر ماضياً قبل خمس سنوات وفي السودان منتهياً على نصر وفي الجزائر حائراً مستمراً لا تبدو نهاية قريبة له كما حال الحراك الشعبي اللبناني، فإن الحراك العراقي وجد من كبار أهل السلطة تسجيل وقفة إحترام لمنطلقاته وللمشاركين فيه. فالرئيس برهم صالح خاطبهم عبْر التلفزيون خطاب المتعاطف المتفهم الباذل من النصح الموضوعي ما يهدىء بعض الشيء من روعهم. ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي جعل من السلطة التشريعية سنداً معنوياً للأطياف التي تخوض صولات الشكوى من سوء الحال والإحتجاج على تباطؤ الحُكْم في معالجة قضايا الناس الصابرين على الضيم. ومثل هذا التفهم والتعاطف لم يجده الألوف من اللبنانيين الذين ملأوا ساحات بعض المدن وأطلقوا من الإحتجاجات والشكاوى ما من واجب أهل السلطة إبداء التعاطف معهم والتفهم لمطالبهم ومخاطبتهم بتلقائية وليس من أبراج عاجية. لا الرئيس الأول فعل مختصراً الحراك الذي بات حالة ثورية بالقول للسفراء العرب: (إننا نواجه حرباً كونية تستهدف بلدنا!))، ولا الثاني فعل ما من المأمول منه فِعْله. وعندما حاول ثالث الرؤساء أن يفعل فإنه إختصر بالتنحي، فيما الحراك بات يمثِّل ثلاثة أجيال حيث كان هنالك في الساحات الجد والجدة والوالد والوالدة والأبناء والبنات والأحفاد والحفيدات رافعين فقط علَم وطنهم وتلك هي حركة الإحتجاج الأول من نوعها التي تشارك العائلة بكامل أفرادها فيها. ولولا عظات حافلة بالنصح والتحذير من تجاهل مطالب الناس سجلها رموز المرجعيات الدينية المسيحية اللبنانية وبذلك كانوا من نسيج المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني القائل أمام مبعوثة الأمم المتحدة التي قابلتْه في مكتبه بمدينة النجف يوم الإثنين11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 ((إن المحتجين السلميين لا يمكن أن يعودوا إلى بيوتهم من دون نتائج ملموسة))، لكان سيؤاخَذ رموز الطوائف تلك بمثل مؤاخذة الرئاسات اللبنانية الثلاث على موقفها الإستهاني مع ملاحظة أن مَن عليهم من مرجعيات إسلامية لبنانية إتخاذ موقف كالذي إتخذه أقرانهم المسيحيون، كانوا شبه مغيِّبين أنفسهم عما هو حاصل.

 

كادر

 

عن الاعلام ومبادراته

 

ويبقى من المحطات ما يتعلق بدور الاعلام في زمن الانتفاضات التي تتنقل من ساحة الى ساحات وفي عدة دول عربية. وما نريد قوله عدا الاهتمام النوعي من جانب الفضائيات اللبنانية في تغطية نشاط الحراك في كل الساحات اللبنانية وكان له الأثر الفعال في اذكاء حيوية المشاركين، هو كيف ان الاعلام ليس فقط من خلال الصحافة والفضائيات يؤدي مهمة التعريف بما يحدث ونقل المعلومة والصورة والتصريح للقارىء وللمشاهد، وانما ثمة الواجب الوطني الذي يساهم فيه. وكانت مبادرة من جانب الاعلامي المرموق سعد البزاز ناشر صحيفة ((الزمان)) بطبعتيها المحلية للعراق والدولية لأوروبا ودول المغرب العربي ودول عبر الأطلسي مبادرة لافتة بصرف النظر عما اذا كانت دواعيها مشاعر الزميل الموصلية – البصراوية. فهل أطلق من خلال فضائية ((الشرقية)) التي هي موضع متابعة مشاهدة لافتة لها مبادرة تستهدف اعادة ترميم المباني والبيوت التي أصابها الضرر او تلك المتهالكة في مناطق من مدينة الموصل ومناطق في البصرة بحيث يعاد التأهيل على وجه السرعة بدءاً بمساكن كبار السن والايتام راصداً لهذه المبادرة ميزانية كبيرة الأمر الذي ييسر أمر السكن الكريم لعوائل ليس لديها فرصة للسكن والعيش في مكان كريم يليق بها وبأبنائها.. هذا ما ترمي اليه المبادرة.

وبطبيعة الحال جاءت المبادرة في الوقت المناسب للزمن الصعب وجاءت تترجم إلى فعل ما ينادي به الحراك الشعبي من مطالب من بينها كرامة المسكن في مدن تَعاقب القصف والتدمير لها منذ أن جاءت ((الديموقراطية)) على جناح التدخل الأميركي محتلاً ثم قاصفاً ثم مبعثراً العامود الفقري للأمن وذلك بإقدام بريمر على حل الجيش العراقي الأمر الذي هيأ الفرصة للجار الإيراني الفاغر أفواهه للثأر مما جرى في الحرب التي إنتهت بقرار الإمام الخميني وقْفها.. إنما ليس إيماناً بذلك وتوقاً إلى السلام والتعايش وحُسْن الجوار. ولو أنه أوقفها إقتناعاً بذلك لما كانت مقولته في شأن القرار الذي يُتخذ كمَن يتجرع السم.

هذه المبادرة اللافتة من جانب الإعلامي سعد البزاز جعلتْني أستحضر من الذاكرة مثيلة لها من حيث المعنى وليس المضمون. ففي العام 1986 تأثرت قطاعات من الشعب السوداني بالمجاعة الناشئة عن الجفاف. زمنذاك كان الفريق أول عبد الرحمن سوار الذهب (رحمة الله عليه) قد تولى رئاسة السودان بعد إسقاط نظام الرئيس جعفر نميري واعداً بأن لا تتجاوز فترة حُكْمه سنة يسلِّم مع نهاية اليوم الأخير من السنة المقاليد لحكومة مدنية. ولقد وفى، لكن يا ليت بقي وبذلك يوفر على السودان إستقراراً لم يكتمل لحكومة حزبية مهدت الطريق أمام حُكْم إسلاموي مدني- عسكري بداية ثم عسكري على مدى ثلاثين عاماً إلى أن حدثت الإنتفاضة الشعبية التي أثبت خلالها السوداني إذا غضب قدرة على التغيير وضِمن تقاليد من التحمل والصبر وتَبادل مد اليدين إلى المؤسسة العسكرية التي كانت تلبية بعض جنرالاتها لمصلحة أول صيغة حُكْم تشارُكي بِقطع الطريق على غواية الإنقلابات. لكن ما نراه مدخلاً إلى الاستقرار هو عدم إدراج ظاهرة الإجتثاث بنداً في ((أجندة)) الحُكْم الوحيد.

في سنة مواجهة سودان الفريق أول سوار الذهب للمجاعة والجفاف كنت أنشر في لندن مجلة ((التضامن)) ذات الحضور اللافت في السوق السودانية ووجدْنا أن من الواجب كلفتة أخوية تجاه السودان المساهمة كمجلة أسبوعية في حملة الإغاثة هذه إطلاق حملة على صفحات المجلة بأمل أن تلقى التجاوب من قراء وشخصيات عامة في الدول التي يتم توزيع المجلة فيها.

أثمرت الحملة جمْع مبلغ أهميته في رمزيته وليس في كثرة أرقامه فنحن عمل إعلامي ولسنا مؤسسة رسمية، وأرفقْنا الشيك بقيمة المبلغ برسالة إلى سفير السودان لدى بريطانيا إبراهيم محمد علي. وبعد أيام جاءتنا عن طريق السفير رسالة من الرئيس سوار الذهب كانت موضع إعتزازنا الكبير بها. الرسالة بالنص الآتي:

((عزيزي الأخ فؤاد

تحية طيِّبة،

تلقيتُ بيد الشكر والعرفان رسالتكم المؤرخة في 4 فبراير 1986. والمُرفق معها الشيك رقمT 50-00-20 بمبلغ 3347.8 جنيهاً إسترلينياً عبارة عن حصيلة الحملة التي قادتها مجلتكم الموقرة من أجل إغاثة إخوتكم في السودان الذين تأثروا بالمجاعة والجفاف.

وأنتهز هذه الفرصة لأتقدم لكم بإسمي وأعضاء المجلس العسكري الإنتقالي وحكومة شعب السودان بأسمى آيات الشكر على الحملة التي رعيتموها، وعبْركم إلى كل الذين ساهموا أو إقتطعوا من قوتهم من أجْل أخوة لهم في العروبة والإسلام.

وسيظل ما قدمتموه لنا من عون، ديْناً في أعناقنا، نسأل الله أن يوفقنا أن نردُّه لكم.

أرجو أن تتقبل تقديري وشكري مع تمنياتي لمجلتكم الغرَّاء بالنجاح والتوفيق.

أخوكم فريق أول عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب

رئيس المجلس العسكري الإنتقالي والقائد العام لقوات الشعب المسلحة))

ونختم بالقول: ما أشد حاجة لبنان كما العراق في أيام العسر التي يعيشها الوطنان المغلوب إيرانياً عليهما إلى المزيد من حملة إغاثتهما ليس من المجاعة وإنما لحمل إخواننا في إيران على الإقتناع بأن خيرهم في وضع حد لتحرشهم وترْك الآخرين يحمدون الله ويشكرون نِعمه.