2019-11-21 13:09:33

المذاهب والاجتهاد والتقليد/ بقلم الشيخ أسامة السيد

المذاهب والاجتهاد والتقليد/ بقلم الشيخ أسامة السيد

المذاهب والاجتهاد والتقليد/ بقلم الشيخ أسامة السيد

المذاهب والاجتهاد والتقليد/ بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 22 تشرين الثاني 2019 العدد 1926

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((فاسألوا أهل الذِّكر إن كنتم لا تعلمون)) سورة الأنبياء.

لقد أرسل الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم فأوضح للناس سبيل الرشاد وبيَّن الأحكام والعقيدة الحقة المتضمنة تنزيهَ الله عن مماثلة المخلوقين وأتمَّ قواعد الدين وترك الأمة على المحجة البيضاء، وما زال القرآن العظيم إمامًا يعود إليه كلُّ طالبٍ للحقيقة وما زالت السنة المطهَّرة نبراسًا ودليلاً إلى فهم نصوص كتاب الله، وقد قيَّض الله لدينه طائفةً من العلماء الكبار أعطاهم قوةً في الفهم والدراية فاستطاعوا استنباط الأحكام الفقهية من كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم بما امتازوا به من خصائص علمية ووهبهم ربهم من الفقه والحكمة وحُسن الحال ما جعل الأمة تقتدي بهم وترجع إلى أقوالهم وتعتمد فتاويهم منذ زمن بعيد إلى يومنا هذا.

بشرى عيسى عليه السلام

وقد روى أبو نُعيمٍ في ((الحلية)) عن الإمام مالكٍ قال: قال عيسى ابن مريم عليهما السلام: ((تأتي أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم علماء حكماء كأنهم من الفقه أنبياء))، وقال مالك: ((أراهم صدر هذه الأمة)) أي أوائلها، وهم أئمة السلف الصالح المرادون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((خيرُكُم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) رواه البخاري عن عمران بن الحُصين. والقرن مائة سنة وقد كان أهل هذه القُرون الثلاثة من حيث الإجمال أعلى رتبةً وأكبر شأنًا ممن جاء بعدهم في العلم والورع وقوة القريحة، وكان المجتهدون أي الذين يستنبطون الأحكام الشرعية من الكتاب والسُّنة في هذه القرون أكثر ممن جاء في العصور التالية، ولو أردنا استعراض أسماء الأعلام والمجتهدين في هذه القرون لكلَّت الأقلام ونفدت الصحف، ومن يُحصي عدد نجوم السماء أو من يُحصي عدد أزهار الأشجار؟ فقد مضى مجتهدون عظامٌ كالخلفاء الستة: أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي والحسن بن علي وعمر بن عبدالعزيز وكابن عمر وابن عبَّاسٍ والسيدة عائشة وجعفر الصَّادق والحسن البصري والأوزاعي وأئمة أهل البيت والأئمة الأربعة وكثيرٌ غيرهم، ولكن شاء الله تعالى أن تنتشر مذاهب الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بين أهل السنَّة والجماعة في الأرض فقيّض لهم تلاميذ اعتَنَوا بنشر مذاهبهم وتدوينها وبثِّ جواهرها بين الناس حتى بقيت إلى زماننا هذا. وكان أهل البصرة قبل أن ينتشر فيهم مذهب أبي حنيفة على مذهب الحسن البصري، وكان أهل الشام ((سورية ولبنان والأردن وفلسطين)) والأندلس وغيرهم على مذهب الأوزاعي نحو مائتي سنة، وهكذا أهل كل ناحيةٍ حتى فَني العارفون بتلك المذاهب وصار العمل على طريقة المذاهب الأربعة المعروفة اليوم لأنها حُفظت كاملةً، وبالتالي يجد المؤمن كل ما يحتاج إلى معرفته من أمور الدين مشروحًا ومضبوطًا ومقرونًا بالدليل إذا درس هذه المذاهب، بخلاف المذاهب الأخرى فإنها لم تصلنا كاملةً وإن كانت أقوال كثيرٍ من الأئمة الآخرين ما زالت محفوظةً في بطون الكتب ويجوز العمل بما صحَّ منها عنهم.    

وبمثل هؤلاء الأئمة أيَّد الله هذا الدين وبلَّغهم في العلم والفهم رُتبةً صار ينكشف لهم بها من دقائق المسائل ما لا ينتبه إليه غيرهم ممن لم تجتمع فيه أدوات الاجتهاد، ولسنا بصدد ذكر شروط المجتهد فقد سبق وذكرناها في مقالٍ متقدم بعنوان ((الاجتهاد والتقليد)) فلينظره من شاء.

المؤمنون على مرتبتين

وبهذا يُعلم أن المسلمين على مرتبتين: مجتهدٌ ومُقلِّد. فأما المجتهد أي القادر على استنباط الأحكام من الكتاب والسنة فليس له أن يُقلِّد غيره من المجتهدين بل يعمل بما أدّاه إليه اجتهاده وقاده إليه الدليل الذي ترجَّح عنده، فعن معاذ بن جبلٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا بعثه إلى اليمن قال له: كيف تقضي فيهم إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنةِ رسول الله، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله، قال: أجتهد رأيي ولا آلو ((لا أُقَصِّر))، قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يُرضي رسولَ الله" رواه الطبراني. وإنما أقر النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا على ما قال وفرح به لأن معاذًا كان في رتبة المجتهد، أما غير المجتهد فليس له أن يُفتي باجتهادٍ منه لأنه ليس من أهل هذا الشأن، ويُستفاد من الحديث أنه ليس لأحدٍ أن يقول بخلاف القرآن إذ لا اجتهاد بعد ورود النص الصريح في القرآن أو السنة الماضية أي الحديث الثابت، وهذا يقتضي أن يكون المفتي عارفًا بآيات الأحكام وأحاديث الأحكام الصحيحة وما الذي يُحتج به وما الذي لا يصح الاحتجاج به، فإن لم يكن كذلك لا يُؤمَن أن يُفتي بخلاف القرآن والحديث كما هو حال بعض المتمشيخين اليوم، وعليه عندئذٍ أن يُقلِّد عالماً مستأهلاً سواء كان هذا العالم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يُفتون ويُرجع إليهم في القضايا فيقلدهم المستفتي أم كان غير صحابي كما نقلّد نحن اليوم الأئمة الأربعة لا لأنه لا يجوز تقليد غيرهم من المستأهلين كأئمة الصحابة وأهل البيت وآخرين، بل لأن مذاهبهم قد حفظت من دون مذاهب غيرهم. وفي الحديث أيضًا ردٌ على الدعاة إلى ما يسمى ((اللا مذهبية)) حيث يقول قائلهم: ((نحن رجالٌ وهم رجالٌ)) ويريدون بذلك حث أتباعهم على الاجتهاد والخوض في تقرير المسائل بآرائهم وهم أبعد من مرتبة الاجتهاد بُعدَ المشرقِ من المغرب، بل بلغت الوقاحة بالوهابية أدعياء السلفية أن سمَّى محمد بن عبد الوهاب المذاهب الأربعة ((عين الشرك)) كما جاء ذلك في الكتاب المسمَّى ((الدرر السنية)) (2/59) وليت شعري ما يقول هؤلاء في قول الله تعالى: ((ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أُولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)) سورة النساء. ولم يقل الله لعلمه جميعهم، بل خصَّ أهلَ الاستنباط وهم المجتهدون. وماذا يقول هؤلاء بحديث أنسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((نضَّر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها ثم بلَّغها عني فرُبَّ حاملِ فقهٍ غير فقيه ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه)) رواه ابن ماجه فأفهمنا صلى الله عليه وسلم أن بعض الناس حظهم النقل فقط وبعضهم يقدر على الاستنباط.

والحمد لله أولاً وآخراً.