2019-11-14 18:28:49

مع مرور شهر على انطلاقتها: العصيان المدني في مواجهة خطة السلطة لضرب انتفاضة 17 تشرين

مع مرور شهر على انطلاقتها: العصيان المدني في مواجهة خطة السلطة لضرب انتفاضة 17 تشرين

مع مرور شهر على انطلاقتها: العصيان المدني في مواجهة خطة السلطة لضرب انتفاضة 17 تشرين

مع مرور شهر على انطلاقتها: العصيان المدني في مواجهة خطة السلطة لضرب انتفاضة 17 تشرين

مجلة الشراع 15 تشرين الثاني 2019 العدد 1925

 

*أبرز عناوين الخطة فوضى الأسعار وتراجع التقديمات والتلويح بانهيارات وافلاس لبنان

*الطبقة السياسية لم تتفق حتى على تسمية واحدة للانتفاضة

*محاولات لمسخ الانتفاضة بتحويلها الى شارع مشابه لشارعي 8 و14 اذار/ مارس

*فشل عمليات استغلال البعض للشارع سياسياً مع استمرار شعار ((كلن يعني كلن))

*أبرز نقاط قوة الانتفاضة تتجسد في الجيل الجديد والمرأة والطبقة الوسطى

*لا تنازلات ستقدمها السلطة لأنها تتعامل مع الانتفاضة كحقل نار سيلتهم كل ما سيقدم لها

 

اختلفت القوى السياسية الكبرى في لبنان والتي  تشكل تحالف قوى السلطة منذ العام 2005 حتى اليوم على تسمية  حركة 17 تشرين الاول / أكتوبر الماضي.. فبعضها أسماها احتجاجات مطلبية، وبعضها أسماها ثورة، وبعضها أسماها انتفاضة تغلف بداخلها مؤامرة سفارات.. 

في حزب الله الذي يعتبر القوة رقم واحد في لبنان، والبعض يسميه الدولة العميقة في البلد، جادل وبلسان رأس القمة فيه السيد حسن نصر الله بأن حركة 17 تشرين الاول/ اكتوبر، ليست ثورة لأنه حتى يتم اطلاق مصطلح على أي ثورة فإنه يجب ان يتوفر فيها شرطان أساسيان: القيادة الواضحة والرؤية الفكرية والسياسية الجلية لها، علماً ان الحراك لا تتوفر له قيادة واضحة ولا رؤية سياسية او فكرية جلية. وهذه المواصفات الغامضة للحراك هي ما تجعل حزب الله بحسب موقفه المعلن، يبدي ريبته منها رغم تفهمه لرزمة مطالبها. 

ولم يطلق نصرالله خلال خطاباته الأخيرة التي تحدث بها عن حركة 17 تشرين الاول/ اكتوبر أي مصطلح محدد يسمي به هذا الحراك، حتى انه جادل بعدد اللبنانيين الذين خرجوا لتأييد الحراك في الشوارع، فاستبعد انهم بالملايين واعتبر هذا الرقم ضرباً من المبالغة الخيالية. 

اما حركة ((أمل)) وأيضاً بلسان رأس القمة فيها الرئيس نبيه بري، فقد خاطب حركة 17 تشرين الأول/ أكتوبر، بمصطلح الحراك، واعتبره ((طائفة جديدة)) في البلد ويجب تمثيلها على هذا الأساس. 

القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي وصفا حركة  17 تشرين بأنها ثورة كاملة الأوصاف. وهما من داخل منظومة الاحزاب المشاركة في السلطة تموضعا تكتيكياً داخل صفوفها، ومن الناحية الاستراتيجية استخدما او يحاولان استخدام حركة الاحتجاجات كعصا شعبية لتحسين شروطهما داخل معادلة الحكم الخاصة بأحزاب السلطة رغم ان ما يرد على السنة المتظاهرين والمحتجين يطالهما من ضمن ما يطال الجميع، خصوصاً مع التمسك بشعار ((كلن يعني كلن)). 

الرئيس سعد الحريري لم يجادل في قاموس مصطلحات توصيف حراك 17 تشرين، ولكن سياساته الفعلية تجاهه، توحي بأنه تعامل معه على أساس انه ((ثورة ملونة)) قادرة على إعادة خلط الأوراق لمصلحة شعار لبنان اولاً، وتعميق السياسات الليبرالية ضد القوى الداخلية ذات الطبيعة الشمولية، والمقصود هنا حزب الله والتيار الوطني الحر. 

وبهذه القراءة يتضح  ان اصطفافات احزاب السلطة تظهر انها لم تستطع التوحد في ما بينها، رغم ان الضيف الجديد ((الحراك)) لا يميز في تصنيفه السلبي لها بين حزب وآخر. وتظهر صورة انقسام هذه الأحزاب انها على مستوى علاقاتها البينية، لم تعد تستطيع انتاج تسوية في ما بينها، وبأحسن الأحوال فهي يمكنها إنشاء هدنة مؤقتة تدير من خلالها شراكتها في الحكم. ولكن هذه الشراكة التي تسمى حيناً ((الديموقراطية التوافقية)) وحيناً ((الترويكا)) وحيناً ((التسوية الرئاسية))، لن يصمد أي من اشكالها الا فترة قصيرة ثم ينفرط عقدها، ليصار من جديد الى محاولة ترميمها. 

ولقد أسقط الحراك فعلياً حكومة الرئيس الحريري التي كانت تمثل مرحلة شراكة التسوية الرئاسية بين أحزاب السلطة. ولقد تموضع كل حزب في خانة مغايرة إزاء الحراك وموقفه منه ورؤيته له. وتواجه هذه الأحزاب حالياً ثلاثة خيارات: 

الخيار الأول: هو اعادة إرساء شراكة فيما بينها يمكنها تجاوز ازمة الحراك الشعبي، وذلك من خلال احتوائه او تقديم تنازلات له لا تمس بجوهر استمرار صيغة الديموقراطية الطائفية بين أحزاب الطوائف، أي تقسيم كعكة السلطة بين هذه الاحزاب جميعها واستمرار سياسة محاصصة مغانم الدولة بينها، بغض النظر عن خلافاتها السياسية ومواقفها وثوابتها. 

الخيار الثاني: هو الذهاب لإنقسام عامودي سياسي على طريقة ما حدث عام 2005, أي 14 و8 اذار/ مارس، ولكن هذه المرة بإضافة حضور جديد هو معسكر الحراك. التفكير التقليدي لبعض احزاب السلطة يعتبر انه يمكن تجاوز ازمة الحراك وذلك من خلال إنشاء ترويكا بين شوارع البلد السياسية بدل الترويكا التي كانت موجودة بين رؤساء البلد الثلاثة.. أي ترويكا تنتج تسوية حكم بين شارع 14 اذار/ مارس وشارع 8 اذار/ مارس وشارع الحراك. وهذه الفكرة هي في الواقع ما تجعل الرئيس ميشال عون يبحث عن وفد من الحراك يحاور بعبدا،  بهذا المعنى فإن التنازل الذي يمكن ان تقدمه احزاب السلطة للحراك هو منحه حصة ليشارك في الحكم بدل قيامه بتغيير منظومة الحكم ولو بشكل جزئي. 

الخيار الثالث: هو الصدام مع الحراك، وذلك بأسلوب اضعافه عبر ممارسة الصبر الاستراتيجي معه، بمعنى تركه في الشوارع لأطول فترة ممكنة مع توجيه ضربات احباط له بين فترة وأخرى، خصوصاً مع تفاقم الوضع المعيشي وارتفاع الاسعار وتصاعد الازمات في كل القطاعات الانتاجية بما يؤدي الى زيادة الاحتجاجات الشعبية من استمرار الحراك لتحمليه مسؤولية شح الدولار وتعذر تأمين التقديمات الأساسية وتصاعد الخوف من افلاس البلاد وافقاره. والواقع ان هذا الخيار الاخير هو المرشح ان تتبعه سلطة الطبقة السياسية كخطة متكاملة  ازاء الحراك، لأن جزءاً كبيراً من هذه الاحزاب ترى ان صراعها مع الحراك الشعبي هو صراع وجودي وان خيار تقديم التنازلات له لن يؤدي الى احتوائه، كون الحراك أشبه بحقل نار وكلما قدمت له السلطة تنازلاً كلما التهمه وأصبح يطالب بتنازل جديد.. 

هناك جزء آخر من أحزاب السلطة يرى ان الحراك حالة عابرة وهذه الاحزاب تعمل على ركوب موجته حتى تحسن شروط مشاركتها في المحاصصة داخل كعكة سلطة الاحزاب في لبنان. وهذا الجزء من الاحزاب يرى ان الحراك الشعبي في لبنان محكوم في نهاية المطاف بأن يصطدم بقوة النظام الطائفي اللبناني الذي يشكل أهم حماية للاحزاب الطائفية الممسكة بمقاليد السلطة. وبعض هذه الأحزاب يرى ان النظام الطائفي اللبناني هو أقوى نظام في المنطقة، فهو صمد طوال 15 عاماً خلال الحرب الأهلية وهو اجتاز بنجاح ومن دون ان يهتز الربيع العربي المستمر منذ العام 2011, وترى هذه الاحزاب انه يمكن احتواء ربيع لبنان العربي من خلال ركوب موجته والمطالبة ببعض الاصلاحات التجميلية، ومن ثم يتم استثمار هذا الحراك في تحسين شروطها داخل لعبة محاصصة كعكة السلطة.

وثمة رهان بين نخب لبنانية معنية بالشأن العام ان الطبقة السياسية المتسلطة على السلطة منذ أكثر من عقدين وذلك بواسطة تمثيلها في معادلة الاحتراب البارد المذهبي والطائفي، تخطئ هذه المرة في تشخيصها لجدية قدرات الحراك ولحقيقة انه ليس غيمة عابرة بل يعبر عن تحول عميق داخل الاجتماع اللبناني. وهناك الكثير من الدلائل التي تثبت ذلك:

 أولها النسبة العالية من الشباب الجامعي الذين ينشطون في هذا الحراك ويشاركون فيه .

 ثانياً: دور المرأة فيه، وخصوصاً المرأة الام والمرأة الطالبة. ويعني ذلك ان نسبة ليست قليلة من المشاركين في الاحتجاجات هم عائلات، وان حركتهم هي من نوع جديد ويصح وصفها بأنها احتجاجات أسرية, كما ان كثافة مشاركة المرأة الشابة في الحراك يشير بوضوح الى ان دور المرأة وهي نصف المجتمع بات أساسياً ومحورياً.

 ثالثاً: يوجد داخل الحراك سمة هامة وهي ان الطبقة الوسطى المهددة بالانقراض تقوم بآخر جولة دفاع عن نفسها، ومعروف ان الطبقة الوسطى عادة ما تقوم حركات التغيير في اطارها.

 رابعاً: يبدو الحراك قد نال الكثير من النضج السياسي والاجتماعي والصبر على الاستمرار، ومرد ذلك يعود لأمرين اثنين: الأول ان كل فئات الشعب المتضررة من الطبقة السياسية وهي واسعة، لديها يقين انه ان لم يحدث التغيير اليوم فلن يحدث حتى بعد ثلاثين سنة. ولهذا السبب فان خيار العصيان المدني الشامل والواسع  وفق معلومات خاصة،  هو من أبرز الخيارات المطروحة على صعيد هذا الحراك من أجل مواجهة خطة السلطة  في المراهنة على تعب الحراك وتراجعه بعد تيئيسه واحباطه وتشتيت قواه.

 الثاني ان هذا الحراك هو استمرار لحراك عام 2015 الذي تم قمعه ما جعل الطبقة السياسية تنام على وسادة الفكرة الجميلة بالنسبة لها والقائلة ان النظام الطائفي في لبنان ومعادلة تقسيم الشارع الى مذاهب دينية غرائزية هما الأقوى ولا يمكن هزهما. 

والواقع ان كل المؤشرات التي رسمها الحراك خلال الأسابيع الأربعة الماضية تظهر ان لبنان دخل نادي دول الربيع العربي، لكن النظام المستهدف من قبل الشعب اللبناني ، ليس رمزية الرئيس الشخص، بل منظومة الفساد وذهنية معادلة المحاصصة بين احزاب الطوائف.