2019-11-14 18:06:35

سنة العراق لم يشاركوا في الثورة حرصاً عليها /بقلم: محمد خليفة

سنة العراق لم يشاركوا في الثورة حرصاً عليها /بقلم: محمد خليفة

سنة العراق لم يشاركوا في الثورة حرصاً عليها /بقلم: محمد خليفة

سنة العراق لم يشاركوا في الثورة حرصاً عليها

بقلم : محمد خليفة

مجلة الشراع 15 تشرين الثاني 2019 العدد 1925

 

منذ بدء ثورة الشعب العراقي مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي, والمراقبون يزدادون يقيناً أنها ((ثورة شيعية)), لأن الاحتجاجات اقتصرت على المحافظات والمناطق ذات الكثافة الشيعية. وعلى الرغم من تصاعدها لم تمتد الى المدن السنية العربية, أو الكردية, مع أن معاناة ((السنة العرب)) لا تقل عن معاناة مواطنيهم الشيعة, إن لم تزد عليها, خلال السنوات التي أعقبت إنهيار نظام صدام حسين المصنف سنياً!

بالطبع تنطوي هذه الحالة على مفارقة محيرة, أو ما يشبه اللغز, دفعت المراقبين الأجانب للتساؤل عن سبب غياب المكونات الأخرى, وخصوصاً العرب السنة والكرد عن الثورة.

 والسؤال يجر أسئلة أخرى مثل: لماذا هي شيعية فقط؟ وهل أهدافها طائفية, أم وطنية؟   

مبدئياً نشير الى أن المراقبين أدرجوا هذه الحالة ضمن خصوصيات وتعقيدات التركيبة العراقية التي يتعذر فهمها على غير العراقيين, والمطلعين على شؤون العراق الداخلية.

مكونات المكون السني

 ينبغي أولاً لفت النظر الى أن مصطلح ((السنة)) لا ينطبق على جسم واحد , وإنما ينقسم الى عنصرين قوميين مختلفين , هما العرب والكرد. يمثل الأول 20% من سكان العراق ((تقريباً)) والثاني 20 - 25 % مقابل 50 - 55 %. وبينما يمتاز العنصر الكردي بالتضامن القومي الموحد, لا الطائفي, يفتقر العنصر العربي لهذه الميزة المهمة التي تحد من قوته. فضلاً عن أن الكرد تحالفوا لأسباب سياسية مع المكون الشيعي, وما زالوا يتمسكون به حتى اليوم , ويتجدد بعد كل انتخابات على صعيد البرلمانات والحكومات المتعاقبة مما يؤكد رسوخه.  

أما المكون الشيعي فيتسم بالتنظيم والوحدة على المستويات كافة, المرجعية الدينية والأحزاب السياسية حفاظاً على هيمنته على السلطة, بعد أن طهروها من بقايا النظام السابق, وأنشأوا مؤسسات عميقة أمنية وعسكرية، وتحكموا بموارد الدولة, وتنافسوا على نهبها واقتسامها بينهم.

أما المكون السني فمأزوم ومنقسم بين عنصرين تركماني وعربي, ويفتقر لمرجعية دينية أو سياسية, أو دعم خارجي, وتعرض لعنف قاس من الأميركيين ثم الدواعش ((المحسوبين على السنة))! كما تعرض لإقصاء عن السلطة, وتعرضت مدنهم للتدمير ونهبت ثرواتهم. وأصبحوا بلا قيادة سياسية وازنة, وأبرز قادتهم حالياً رئيس البرلمان محمد الحلبوس, وهو شاب يفتقر للكاريزما والخبرة, والنائب أسامة النجيفي, وهو رجل أعمال وشخصية باهتة. وكان طارق الهاشمي زعيم الحزب الاسلامي شخصية فاعلة, ولكن نوري المالكي لفق له تهمة دعم الإرعاب ودفعه للفرار من البلاد في سنوات حكمه المطلق.

وإضافة لكل هذه الأعراض انقسم المكون السني العربي بين تيارين سياسيين , ديني بقيادة الحزب الاسلامي ((الاخواني)) وليبرالي علماني تحالف مع نظيره الشيعي بقيادة اياد العلاوي وحقق تفوقاً نسبياً في انتخابات 2010, إلا أن التحالف السري بين ايران والولايات المتحدة في العراق حال من دون تكليفه بتشكيل الحكومة ومنحها للمالكي ليواصل سياسته الطائفية وتعميق الإنقسام الطائفي والعرقي والسياسي.

أما الكارثة الكبرى التي حطمت المكون السني العربي فتمثلت بظهور منظمات التطرف والارعاب ((القاعدة وداعش وغيرهما)). إذ أن التحالف الشيعي حمل المسؤولية عنه للمكون السني كله, وعاقبه عقاباً جماعياً تضمن ارتكاب جرائم إبادة واسعة, وتدمير المدن, وتهجير سكانها.

أما  بعد القضاء على ((داعش)) عام 2017 فبدأت حرب الدولة على المكون السني تطبيقاً لسياسة العقاب الجماعي, وكأن كل سني عربي مقاتل من ((داعش)) , طفلاً أو شيخاًَ, رجلاًَ أو إمرأة. ما أدى لتدمير الموصل والرمادي ونينوى والفلوجة ومدن أخرى, وما زال مئات آلاف المدنيين يعيشون في مخيمات في الصحراء تفتقر للحد الأدنى من ضرورات العيش. وقتلت ميليشيات الحشد مئات آلاف أخرى خارج القانون, ومن كتبت لهم النجاة اقتيدوا لمعتقلات سرية, بتهمة الإنتماء لـ((داعش)). ويجدر الذكر أن عشرات الآلاف سبق أن اتهمتهم السلطات بموالاة نظام البعث السابق وطردتهم من وظائفهم, وسلبتهم ممتلكاتهم. وهكذا أصبحت لهم تهمتان جاهزتان لا ثالث لهما, البعثية أو الداعشية, وعقوبتهما القتل أو الاعتقال لمدد مفتوحة.

 

شيعية ولكنها ليست طائفية

 

يكشف مصدر عراقي من الناشطين الفاعلين في الثورة أن انتفاضة تشرين الاول/ اكتوبر لم تكن عفوية أبداً, بل جرى التخطيط لها من مجموعات شبابية على مدى شهور التقوا في مناطق صحراوية نائية لوضع خطط مناسبة تستفيد من خبرة الانتفاضات خلال السنوات السابقة. وأن ((عفوية الثورة)) قول غير صحيح بالمطلق. كما يؤكد أن اشتعال الثورة في أوساط الشيعة كان أمراً حتمياً, لأن اشتعالها مستحيل من أي مكان آخر, وقد أجبر ذلك السلطة على التعامل معها بلطف. بينما لو انطلقت في أوساط السنة العرب لجرت دعشنتها أو بعثنتها, وربطها بدول أجنبية ((السعودية, تركيا, اسرائيل, أميركا)) وسحقها بقوة مفرطة.

 ويضيف: إن السنة متفاعلون جداً مع الثورة, وشاركوا في بغداد والبصرة, ولكن مشاركتهم في المحافظات الغربية غير ممكن بسبب الخوف من الإبادة, خصوصاً وأن مدنهم ما زالت تحت ((احتلال)) الجيش والفصائل.

 ويشير لتظاهرات 2013 في المدن السنية التي حركتها رياح الربيع العربي, وقبل ولادة ((داعش)), فاعتبرها نوري المالكي مؤامرة دولية, واتهمتها بالطائفية, وقال للمتظاهرين مراراً: أنتم أحفاد يزيد ونحن أحفاد الحسين وبيننا وبينكم السيف! مع أن التظاهرات حافظت على سلميتها عاماً كاملاً.

ويقول محللون عراقيون إن الفرز الطائفي الحاصل في جغرافيا الحراك الثوري لا يعني أن الثورة شيعية طائفية, والحقيقة أن المكون السني تجنب المشاركة فيه ليس خوفاً على الذات فقط, بل حرصاً عليها.