2018-07-06 00:21:11

تبرئة نبي الله أيوب عليه السلام بقلم: الشيخ أسامة السيد

< >

تبرئة نبي الله أيوب عليه السلام بقلم: الشيخ أسامة السيد

تبرئة نبي الله أيوب عليه السلام

بقلم: الشيخ أسامة السيد

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى: ((وأيوب إذ نادى ربه أني مسنيَ الضُّر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا  ما به من ضُرٍ وءاتيناه أهله ومثلهم معهم رحمةً من عندنا وذكرى للعابدين)) سورة الأنبياء.

ليُعلم أن الله تعالى قد عصم الأنبياء الكرام من الكفر والكبائر وصغائر الخسة أما الصغائر التي لا خسة فيها ولا دناءة فيمكن وقوعها منهم ولكن ينبّهون فورًا للتوبة، وعصمهم الله كذلك من الأمراض المنفّرة أي التي تنفر منها طِباعُ الناس كالبرص والجنون والجُذام وخروج الدود من البدن إذ ليس من الحكمة إرسال من ابتُلي بمثل هذه الآفات المنفرة، وقد أرسلهم الله لدعوة الناس وليُقبل عليهم الناس فنزّههم عما يُنافي ذلك وجمَّلهم بأحسن الصفات. وقد سبق وتكلمنا عن عصمة الأنبياء وعما يجب اعتقاده في حقهم في مقالاتٍ سابقةٍ فلينظرها من شاء، ولكن أحببت في هذا المقال أن أتكلم في تبرئة نبي الله أيوب عليه السلام مما يُنسب إليه ولا يليق بمقامه الشريف مما هو موجودٌ في بطون بعض الكتب وعقول بعض الناس فأقول وبالله التوفيق:

 

محاولات التضليل

لقد حاول أعداء الأمة المحمدية جاهدين إطفاء نور الحق الذي بزغ ببعثة سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم وتنوعت في ذلك أساليبهم وألاعيبهم فكانت الحملات العسكرية للقضاء على هذه الأمة تارةً، والحملات الهادفة إلى تشويش الأفكار بدسِّ الأباطيل في نفوس السُذَّج وإدخالها في بعض المصنفات أو تزييف كتبٍ ونسبتها إلى علماء مشهورين كما نُسب الكتاب المسمَّى ((معراج ابن عباس)) لإبن عباس والكتاب المسمى ((مولد العروس)) لإبن الجوزي وهما من ذلك براء، ولذلك كان الجدير بنا توخي الحذر الشديد تجنُبًا لأكل السم في الدسم وذلك أن السبيل الصحيح لتحصيل العلم هو التلقي من أفواه العلماء الثقات، فقد روى الطبراني في ((المعجم الكبير)) عن معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يا أيها الناس إنما العلم بالتَّعلم والفقه بالتفقه)) الحديث. وذلك أن العالم الثقة يعرف الحق من الباطل فيُنبه الطالب ويُرشده إلى سلوك المحجة البيضاء ويوضح له زيف ما في بعض الكتب مما دُسَّ فيها. وقد ابتُليت أمتنا قديمًا وحديثًا بأناسٍ يُلفّقون أقاصيص ويزخرفون الكذب وينسبونه إلى من تُعظمهم الأمةُ من علماء مبجلين نُبرؤهم مما يُنسب إليهم ونرى ذلك من دسائس اليهود وأشباههم، بل قد رأينا في بعض الكتب التي طُبعت بإشرافٍ من أدعياء السلفية تزويرًا ففي المخطوط الأصلي شيءٌ وفي المطبوع شيءٌ آخر، ولذلك ينبغي الحرص فإن الدين غالٍ ولا يكفي الاعتماد على النظر في الكتب فحسب.

وقد رأينا في هذا المقال  التحذير من بعض ما في هذه الكتب فقد ذُكر في بعض المؤلفات والعياذ بالله أن أيوب عليه السلام مرض مرضًا خبيثًا فأنتن وخرجت منه روائح كريهة فرماه الناس على المزابل وجرت الديدان في جسمه، وزعم بعضهم أنه كان كلما سقطت منه دودةٌ ردها إلى جسمه، وهذا خلاف ما أجمعت عليه الأمة من عصمة الأنبياء من الأمراض المنفرة، وقد دلّت الأحاديث على أن الدود لا يقرب الأنبياء في قبورهم فبالأولى أن لا يقربهم في الحياة الدنيا، فقد جاء في مسند البزار عن أنسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الأنبياء أحياءٌ في قبورهم يصلون)) وروى النسائي وأحمد وغيرهما عن أوس بن أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله عزَّ وجل قد حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)).

 

الحقيقة الناصعة

وحيثُ عُلم هذا فنقول: خلاصة الكلام أن أيوب عليه السلام نبي كريم أرسله الله بالإسلام كسائر الأنبياء وأنعم عليه بنعمٍ كثيرة، قال الطبري في ((جامع البيان)): ((وكان الله قد اصطفاه ونبّأه.. وبسط عليه من الدنيا فوسَّع عليه في الرزق، وكانت له البَثَنِيَّةُ من أرض الشام أعلاها وأسفلها وسهلها وجبلها وكان له فيها من أصناف المال كله)) ثم قال: ((وكان برًّا تقيًا رحيمًا بالمساكين يُطعم المساكين ويحمل الأرامل ويكفل الأيتام ويكرم الضيف)). والبَثَنيَّة من نواحي دمشق ذكرها ياقوت في ((معجمه)) وقال: ((قريةٌ بين دمشق وأذرعات وكان أيوب النبي عليه السلام منها)).

وبعد أن عاش أيوب عليه السلام مدةً في تلك النعم الوفيرة ابتلاه الله ببلاء شديدٍ فذهب ماله ومات أولاده، قال القرطبي في ((تفسيره)) قال ابن مسعود: ))مات أولاده وهم سبعةٌ من الذكور وسبعةٌ من الإناث(( ومرض فطال مرضه جدًا ولكنه لم يكن مرضًا مُنفِّرًا كما يظن البعض، قال الرازي في ))تفسيره((: ))لأن الأمراض المنفِّرة من القَبول غير جائزة على الأنبياء عليهم السلام((. وقال الشيخ محمد ميَّارة المالكي في ))الدر الثمين(( عند ذكر ما يجب للأنبياء عليهم السلام: ))والسلامة من كل ما يُنفِّر مما يوجب ثلمًا (نقصًا) في النفس والخَلق والخُلُق كالفظاظة والعيوب المنفِّرة كالبرص والجذام والأُدرة (مرضٌ تنتفخ منه الخصيتان) لأنهم على غاية الكمال في خَلْقِهم وخُلُقهم)).

وقد كان أيوب عليه السلام صابرًا محتسبًا ابتغاء وجه الله حتى فرَّج الله عنه وعافاه. قال تعالى: ((وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضُّر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضُرّ وءاتيناه أهله ومثلهم معهم رحمةً من عندنا وذكرى للعابدين)) سورة الأنبياء. وقد قيل في سبب دعائه برفع البلاء عنه أن ناسًا مرُّوا به فشمتوا به فانكسر خاطره فدعا الله فعافاه. قاله ابن جُزي في ((التسهيل)):

وقيل: ((مرَّ به رجلان وهو في مرضه وما على ظهر الأرض يومئذٍ أكرم على الله من أيوب فقال أحد الرجلين: لو كان لله في هذا حاجة ما بلغ به هذا فاشتد ذلك عليه فدعا الله. قاله الطبري في ((جامعه)). وجاء في ((معاني القرآن)) للزجَّاج في تفسير قوله تعالى: ((اركض برجلك هذا مُغتسلٌ بارد وشراب)) سورة ص: ((أن الله أوحى إليه أن يضرب الأرض برجله فضرب فأنبع الله عينًا فاغتسل منها فتعافى ظاهره، ثم ضرب الأرض ضربةً أخرى فأنبع الله عينًا أخرى فشرب منها فتعافى باطنه)). وأذهب الله عنه ما كان يجد من السقم وأبدله العافية ورزقه مالاً كثيرًا وولدًا فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادًا من ذهب)) الحديث رواه الطبراني في ((الأوسط)). ورزقه الله ثمانيةً وعشرين ولدًا قال الطبري في ((جامعه)): ((لما دعا أيوب استجاب الله له وأبدله بكل شيء ذهب له ضعفين)).

وقد جعل الله تعالى نبيه الكريم أيوب عليه السلام قدوةً للناس ومدحه وأثنى عليه فقال:((إنَّا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب)) سورة ص. وهكذا صار الناس على مر الأزمان إذا ذكروا بلاء أيوب عليه السلام وصبره على مرِّ السنين مع كونه أفضل أهل زمانه عوَّدوا أنفسهم الصبر على الشدائد والتسليم لله تعالى. فقد روى الترمذي عن سعدٍ قال: قلتُ يا رسول الله أيّ الناس أشد بلاءً. قال: ((الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يُبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة)).

 

تنبيهٌ مهم

وأما ما يروى والعياذ بالله من أن الشيطان تسلَّط على أيوب عليه السلام وأنه أتاه وهو ساجد فنفخ في منخره فنبتت به ثآليل مثل أليات الغنم ووقعت الحَكَّة في جسده فحكَّ حتى سقطت أظفاره وسقط لحمه، فهذا ضلالٌ وفسادٌ مبين. فإنه لا سلطان للشيطان على الأنبياء كما دلَّ على ذلك قوله تعالى في سورة الحجر:((إن عبادي ليس لك عليهم سلطانٌ إلا من اتبعك من الغاوين)).

وإذا ما قال قائل: إذًا ما معنى قول الله تعالى:((واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسَّني الشيطان بنُصبٍ وعذاب)) سورة ص، فإننا نُحيلهُ إلى ما جاء في كتاب ((الشفا)) للقاضي عياض حيث قال ما نصه عند شرحه على هذه الآية: ((وقال أبو محمدٍ مكي في قصة أيوب: وقوله  ((أني مسني الشيطان بنُصب وعذاب)) إنه لا يجوز لأحدٍ أن يتأول أن الشيطان هو الذي أمرضه وألقى الضُّر في بدنه.

فالحذر الحذر مما في كثيرٍ من الكتب وما يجري على ألسنة العوام فلقد قيل:

ما كلُّ من مسك اليراع بكاتبٍ                 ولا كلُّ من هزَّ الحسام بضارب

والحمد لله ألاً وآخراً.