2019-11-14 15:13:40

في استمرار الحاجة أو انتفائها للمجلس الشيعي الأعلى

في استمرار الحاجة أو انتفائها للمجلس الشيعي الأعلى

في استمرار الحاجة أو انتفائها للمجلس الشيعي الأعلى

في استمرار الحاجة أو انتفائها للمجلس الشيعي الأعلى

مجلة الشراع 20 اذار 2017 العدد 1971

  ورد في قانون إنشاء المجلس الشيعي، القانون 72/67، أنه ((ينشأ للطائفة اللبنانية الشيعية في الجمهورية اللبنانية مجلس يُسمى المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى يتولى شؤون الطائفة ويدافع عن حقوقها ويحافظ على مصالحها ويسهر على مؤسساتها ويعمل على رفع مستواها)). أعود إلى وصايا الشيخ محمد مهدي شمس الدين التي يذكر فيها في باب ((تجربة اللبنانيين الشيعة)) واقتبس مباشرة من الصفحة 23: ((هذا المجلسُ وُلِدتْ فكرتُهُ انطلاقاً من جملةٍ من المعطياتِ القائمةِ في الاجتماع اللبناني. أوّلاً كونُه يمثّلُ صيغةً من الصيغِ الشّائعةِ بين الطوائفِ اللبنانيّةِ، حيث أنَّ لكلِّ طائفةٍ هيئةً تنظيميّةً تهتمُّ بشؤونها الداخليّة. هذه هي الفكرةُ التلقائيّة. الفكرةُ الثانيةُ، المعطى الثاني، هو هذا التحسُّسُ الذي كان يَعْمُرُ قلوبَ النخبةِ الشيعيّةِ والشبابِ الشيعيِّ في لبنان، وشعورُهم بالهامشيّةِ، وشعورُهم بالدونيّةِ، وشعورهُم بالحرمانِ، وعدمُ ثقتِهم بأن الأحزابَ العلمانيّةَ قادرةٌ على أن تغيّرَ شيئاً من واقِعهم. فوُلِدَتْ فكرةُ إعادةِ الاعتبارِ إلى الشيعةِ اللبنانييّنَ سياسيّاً وتنمويّاً واجتماعيّاً، عن طريقِ التأكيدِ على هُوِّيتِهم الخاصّةِ المنفتحةِ على الهُوِّياتِ الأخرى المكوِّنةِ للاجتماعِ اللبنانيِّ وليس المنعزلةِ والمتباينةِ عن الاجتماعِ اللبناني)).

هذه الفكرة هي أساس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

هل ما يزال المجلس يحمل هذه الآمال والطموحات؟ هل بقي المجلس يلبّي الشعور العارم لدى الشباب والنخب الشيعية ورغبتهم في الانطلاق والنمو سياسياً وتنموياً واجتماعياً عبر التعاون والانفتاح على الهويات الأخرى المكوِّنة للاجتماع اللبناني، أم أن الامر قد انقلب ولم يعد المجلس يقوم بهذا الدور ولا يستطيع القيام به بسبب القبض عليه والسيطرة عليه من القوى الحزبية المهيمنة داخل الطائفة الشيعية؟

الجواب، بكل آسف، هو أن المجلس أصبح عاجزاً عن أن يكون المؤسسة المركزية التي تُعنى بشؤون الشيعة اللبنانيين والدفاع عن حقوق الطائفة، والسهر على مصالحها وعلى مؤسساتها، وعلى رفع مستواها، بل يعتقد كثيرون انه يفرّط بمصالحها في بعض القضايا الخاصة فيها، ويشط فيها أحياناً، ويقصر عن اتخاذ مواقف طليعية متقدمة ورائدة في التواصل والحوار مع المكونات الأخرى ومع اللبنانيين الآخرين، لا بل يتخاذل عن اتخاذ أي موقف اطلاقاً في مراحل وأحداث مفصلية في الشأن العام اللبناني أو اللبناني الشيعي الخاص كما كان يفعل ويبادر كل من السيد موسى الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين، ويغامر أحياناً في اتخاذ مواقف خطرة وتتنافى مع الفهم والانتماء والعقيدة يعني في الفهم والانتماء الوطنيين للشيعة اللبنانيين كما حدث في الدعوة الهوجاء الى إنشاء نقابة مذهبية للمحامين الشيعة اللبنانيين منفصلة عن نقابة المحامين اللبنانيين برمتهم، وهذا الأمر لا يدرك أصحابه الذين أطلقوه تداعياته ذلك أنه كان سيؤدّي تلقائياً إلى أن المتقاضين سيكونون يحملون ايضاً هويّات مذهبية خاصة بحيث أن المتقاضين الشيعة يذهبون الى محامين شيعة.

هذه الثنائية المريضة الجديدة التي لو قدِّر لها ان تلد كانت لتطلب أن يكون التقاضي أمام قاضٍ شيعي أيضاً وليس أمام قاض آخر وهذا إمعان في التفرقة الفئوية المذهبية، وله انعكاسات سياسية واجتماعية خطيرة تتنافى مع الأطروحة الأساسية في الانتماء الوطني للبنانيين الشيعة كما أوضحها ورسمها الإمام السيد موسى الصدر، ورسخها على مدار 23 عاماً الشيخ محمد مهدي شمس الدين.

المجلس بسبب ضعف البقية الباقية من أعضائه بعد 16 عاماً عن وفاة رئيسه وعدم انتخاب رئيس جديد عالم ووقور أيضاً، ومنع الهيئة العامة من انتخاب هيئة تنفيذية وهيئة شرعية جديدتين لتجديد حيويته والمشاركة في تمكينه من القيام بدوره وتحديد الأهداف التي أُنشىء من أجلها، كلها أوصلت المجلس الى أن يكون حطاماً لا يفيد بشيء، بل أصبح عبئاً على الطائفة الشيعية بالمعنى الديني وبالمعنى المالي وبالمعنى التنظيمي وبمعنى السمعة، السمعة داخل الطائفة والسمعة أمام الطوائف اللبنانية الأخرى. هذا بالاضافة الى أنه بإدارته الحالية يتناقض تمام التناقض مع فكرة أنه ((كمؤسّسة)) يمكن له إعادة الإعتبار إلى الشيعة اللبنانيين عن طريق التأكيد على هويتهم الخاصة المنفتحة على الهويّات الأخرى المكوِّنة للاجتماع اللبناني، وليس المنعزلة والمتباينة عنها، بل أنه انغلق على ذاته (مهما كانت) بالانفصال والتباين عن الاجتماع اللبناني بشكل عام والانفصال والتمايز عن المكوّنات الأخرى للاجتماع الوطني اللبناني ومثال ذلك أنه على مدار السنوات السابقة التي مرت قلما استجاب المجلس إلى دعوات اجتماعية أو ثقافية أو دينية لدى طوائف أخرى أو حتى جهات رسمية، إذ كان دائماً يُلاحظ غياب ممثل أوممثلين عن المجلس الشيعي في مؤتمرات وندوات وافطارات واحتفالات واستقبالات وكأن هذه المؤسسة دخلت في غيبوبة وانفصال عن الواقع الخارجي ومحيطها الوطني وصارت تتلهى بنفسها وتركت حضور الطائفة وتمثيلها الاجتماعي والمعنوي للأحزاب ورجالهم وبعضهم لا يتمتع بأي وقار أو احترام لدى الآخرين، وصار كل الجسم الديني في المجلس تابعاً للزعامة السياسية ويتحرك بإيحاء ويمتنع بإيحاء، وهذا ما اجهد الشيخ شمس الدين نفسه ليحفظ وقار رجل الدين ويعصمه عن الخضوع للزعماء . وذلك اتباعاً لقول رسول الله(ص) ((أن الفقهاء هم أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدين، وهو اتباع السلطان، فإن فعلوا فاحذروهم على دينكم)). 

من ناحية سياسية إذاً، المجلس ليس له اي فاعلية اطلاقاً اطلاقاً في ظل استلحاقه وعجزه الخاص لقصور إدارته الحالية ولعدم تجديدها عبر الانتخاب الصحيح ولاستلحاقه أو التحجير عليه من قبل القوى السياسية المهيمنة داخل الطائفة. هذا في الشأن السياسي العام، ونحن نعلم هذا بالتجربة وباتصالنا باللبنانيين جميعاً في الطوائف الأخرى ذلك أننا لا نشعر منهم أي اعتبار أو أي اهتمام لتلمس أو لمعرفة رأي المجلس الشيعي أو موقفه من قضية أو قضايا متنوعة تتعلق بالشأن العام اللبناني.

أما في الشأن الحياتي للشيعة اللبنانيين، إذا تصورنا ما يلي، إذا تم إقفال المجلس تماماً، ماذا يخسر الشيعة اللبنانيون؟ على مستوى الحياة اليومي هم لا يخسرون شيئاً. لأن شؤون حياتهم وعملهم يتولونها في القطاع العام أو القطاع الخاص والتي لا علاقة للمجلس بها من قريب أو بعيد، وبالتالي هو ليس مصدر رزق أو حيوية او آلة محركة ليومياتهم أو لاقتصادهم، هذه نقطة. وأما جهة علاقتهم وحاجتهم إلى الخدمات العامة فهذه تؤمنها مؤسسات الدولة وعلاقتهم بها هي علاقة مباشرة، اللهم إلا ما صار مرضاً لبنانياً عاماً أن بعض الأمور أو العديد منها يحتاج إلى واسطات وتدخل خاص ولكن حتى على هذا المستوى، يعلم الجميع أن المجلس عاجز بشكل عام، وأن الزعامة السياسية المسيطرة هي التي تتولى وبشكل حصري شديد الصرامة بأن لا يحصل احد من الشيعة على أي خدمات من إدارات الدولة المتنوعة إلا عن طريق الجهة الحزبية، وذلك لكسب الولاء ولارتهان الناس بولائهم السياسي وأصواتهم الانتخابية. اذاً بهذا العنوان المجلس أيضاً ليست له أية شأنية او فاعلية إطلاقاً.

على المستوى الديني والشرعي، الناس في عقائدها وفي عباداتها، كما هو معلوم، وفي كثير من معاملاتها هي تتبع رأي المراجع الدينية، علماء الدين الكبار الفقهاء في المذهب الجعفري الإمامي الاثني عشري، وهم معروفون، وهم لا يحتاجون إلى مراجعة في المجلس ناهيك عن أن المجلس لا يضم بإدارته علماء يمكن اتباع رأيهم في أمور متنوعة إذا لم نقل أن الأمر يصل إلى الشك في الكفاءة العلمية وحتى المسلكية لبعضهم على ما ثبت في مرات ومناسبات وفي مواضيع متنوعة. أمّا في أمور الأحوال الشخصية والزواج والطلاق، هناك، بالاضافة إلى القضاء المدني الذي يتولى جوانب نزاعات معينة، هناك القضاء الشرعي، المحاكم الشرعية الجعفرية، وهي منفصلة ومستقلة عن المجلس الشيعي، ووجودها سابق لتأسيس المجلس الشيعي، والنَاس في مصالحها العائلية، في مواريثها في وفياتها والزواج والطلاق والخصومات العائلية ورعاية وحضانة الأولاد تتولاها المحاكم الشرعية، والمجلس ليست له أية فاعلية في هذا الشأن اطلاقاً، اللهم إلا في بعض التدخّلات الفاسدة ومحاولة حيازة نوع من سلطات خاصة في إجراءات الطلاق بشكل يتنافى أو لا يتفق تماماً مع المعايير الشرعية الحازمة في هذا الشأن، وخاصة خاصة فيما يُسمّى ((طلاق الحاكم))، وهناك انتقادات كبيرة عديدة من قبل قضاة لمسلكيات يقوم بها بعض المعمّمين او المشايخ داخل المجلس الشيعي. ونحن نعلم أن بعض القضاة المحترمين في المحكمة الشرعية لا يقبلون أبداً (أو على الأقل كانوا لا يقبلون، ولا نعلم الوضع الحالي) تسجيل معاملات ((طلاق حاكم)) تجري في المجلس الشيعي لشكهم الفعلي في صحتها الشرعية.

في أمور الحج مثلاً، تأشيرات الدخول إلى المملكة العربية السعودية تتم مباشرة بتنظيم صار معقولاً ومقبولاً عن طريق السفارة مباشرة ولا حاجة للمجلس الشيعي في هذا الأمر إلا إذا تدخل هو متطفلاً.

أما في المفتين، هناك خلل في عملهم وفي وظيفتهم وفي توزعهم او بالأحرى عدم توزعهم على المناطق اللبنانية، وفي كفاءة بعضهم أيضاً، هذا إذا مارسوا واجبهم صحيحاً في مساعدة الناس في مختلف المناطق اللبنانية وتعريفهم بعض الأحكام الشرعية وحاجاتهم الخ.. ولكن نرى أن كثيرين منهم مقيمون في بيروت ومنهم من ليس لهم منطقة افتاء، بل يحملون صفة ((مفتي في ملاك المجلس)) يعني كأنه مفتي في الهواء، في الفضاء، منصب فارغ وهو حسب التعبير القرآني من ((متاع الحياة الدنيا))، فارغ ولكن يتبعه راتب ولقب ولوحة خصوصية يُتَباهى بها على الطريقة اللبنانية أمام الآخرين وأمام الأمثال.

ماذا يبقى من أمور قد يحتاجها الناس من المجلس؟ لا شيء لا شيء إطلاقاً سوى أنه عبء مالي على متوسطي الحال وكبار رجال الأعمال من الطائفة الشيعية الذين يتم الاتصال بهم لتسديد مال لا يُعرف كيف يُنفق ولا أحد يحاسب عليه، بالاضافة إلى الحصة المالية المقررة له من الموازنة العامة للدولة اللبنانية وينبغي أن يكون هناك تدقيق مالي كبير من جهات مستقلة، من أعضاء الهيئة العامة مثلاً.

إذاً ليس للمجلس أية شأنية في الدورة الحياتية اليومية العادية وحتى الاستثنائية إذا جاز لنا ان نستعمل هذا التوصيف، فهو لا يشكل أية حاجة أو أية قيمة مضافة في حياة المسلمين الشيعة اللبنانيين اليومية، كما هو عليه حاله اليوم.

قد يخطر في بال المرء السؤال التالي إذاً لماذا الحرص عليه وتهريب وإصدار قانون يمدد ولايته، كما والحرص على عدم إجراء انتخابات فيه؟ نعتقد أن المطلوب هو أن يبقى هذا العنوان الديني، عنوان مؤسسة دينية، لأنه مماثل للتنظيمات المليّة الطائفية للطوائف اللبنانية الأخرى ليستعمل كمنصة وكمنبر تستظله أو تستعمله السلطات السياسية المسيطرة لمواجهة الطوائف الأخرى عندما تقتضي الحاجة بدون انكشاف، أو لاستعمال العنوان الديني الطائفي للتخويف أو لإرسال رسائل إلى جهات مختلفة، أو إنشاء توترات طائفية تستفيد منها الزعامة السياسية عبر استنفار الناس من أجلها وذلك بدون أي احترام و تقدير لمؤسسة الطائفة الشيعية المركزية.

وفاء حزب الله لحلفائه: الشيخ احمد قبلان نموذجاً

في التعيينات الجديدة للهيئة الشرعية في المجلس الشيعي كان المتوقع ان يكون المفتي الجعفري الممتاز الشيخ احمد قبلان أحد الاشخاص الاربعة المعينين، لكن ذلك لم يحصل، رغم إصرار والده الشيخ عبدالأمير قبلان على ذلك.

فقد وضع فيتو عليه ((حزب الله)) وحركة ((أمل))، وطبعاً ينبغي فهم رفض حركة ((امل)) لتعيينه، كونه ينسجم فكرياً مع ((حزب الله))، ويشارك معهم، ويتفاعل مع أجوائهم.. وهذا ما جعل البعض يستغرب ان ((حزب الله)) لم يسم الشيخ احمد من بين الشخصين الذين يحق له بهما!

فمنذ إطلالة الشيخ أحمد على التعاطي بالشأن العام وهو يحمل منظومة ((حزب الله)) ومقاومته وأدبياته، ولطالما تشنج في مواقفه حتى أكثر من الحزبيين أنفسهم.

فلم يكن يتوقع ان يتخلى الحزب عن الشيخ قبلان في أول محطة، وهو الذي كان يطمح لأن يدعمه الحزب لموقع أكبر..

ولعل هذا الشيء يفسر تصاعد وتيرة انتقادات المفتي الشيخ عباس زغيب لـ((حزب الله))، والتي كانت نافرة ومستهجنة.. كون المفتي زغيب من المحسوبين على المفتي قبلان.

ويرى البعض ان هذا النمط من تعاطي ((حزب الله)) مع حلفائه سيرتد سلباً بصورة واضحة عليه، فإذا كان الشيخ احمد قبلان الذي أعطى كل ما عنده للحزب، وجيّر موقعه للدفاع عنهم، ولم يقصر في الوقوف الى جانبهم.. لم يحظ بدعمهم، ولم يكونوا أوفياء معه، ولم يتبنوه كعضو ممثل لهم في الهيئة الشرعية، فمع من مِنَ العلماء سيكونون أوفياء؟!