2019-11-08 07:46:04

قصة سقوط التسوية الرئاسية / خاص الشراع

قصة سقوط التسوية الرئاسية / خاص الشراع

قصة سقوط التسوية الرئاسية / خاص الشراع

قصة سقوط التسوية الرئاسية / خاص الشراع

مجلة الشراع 8 تشرين الثاني 2019 العدد 2019

 

*أسباب عديدة وراء سقوط التسوية الرئاسية أهمها العجز عن معالجة مشكلات اللبنانيين

*البحث عن رئيس حكومة جديد سبق نشوب الأزمة الناتجة عن الاحتجاجات

*واشنطن تدعم عدم انزلاق لبنان الى الفوضى لكنها لا تؤيد التسوية الرئاسية ومعادلاتها

*تأخير الاستشارات النيابية الملزمة تحت عنوان التأليف قبل التكليف مخالف للدستور

*خطاب عون في ذكرى انتخابه نوعي لكن المشكلة في عدم الثقة السائدة لبنانياً ازاء المسؤولين

*الكباش الحالي يدور حول إمكان إبدال توازنات الحكومة المستقيلة بشكل جديد

*الانتخابات الرئاسية مرهونة بكلمة السر المعهودة التي لا تصدر إلا عشية الانتخاب

 

خاص - ((الشراع))

ليس جديداً القول بأن استقالة الرئيس سعد الحريري لم تكن وليدة لحظة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد منذ السابع عشر من شهر تشرين الاول / اكتوبر الماضي.

فثمة تراكمات كثيرة في العلاقة بين الرئاسات الثلاث في لبنان وليس فقط في العلاقات بين السلطتين الأولى والثالثة جاءت الاحتجاجات لتفجيرها, ووضعها بوجه الحريري وأهل السلطة ككل, وان كانت الاستقالة تخص أساساً رئيس الحكومة الذي كان دفع ثمناً كبيراً للعودة اليها من خلال القبول بميشال عون رئيساً للبلاد مقابل ذلك, في ما عرف يومها بالتسوية الرئاسية.

وليس جديداً القول بأن الرئيس ميشال عون كان يبحث في الآونة الأخيرة عن بديل للحريري بعد ان ساءت علاقتهما بشكل انعكس على كل بند يبحث او ملف يحتاج الى حل, ووصل الأمر الى نشر غسيل الخلافات بين الطرفين على أسطح الخارج, وما تسرب من اجتماع كل من عون والحريري مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي كان يطالبهما بعمل سريع في مسار الاصلاحات من أجل اطلاق آليات ما تقرر في مؤتمر ((سيدر)), يكفي وحده للاشارة الى ما ((أفسده الدهر)) بينهما, سواء عندما حمل الحريري فريق عون بتعطيل السير بالاصلاحات او عندما رد عون على ذلك بالحديث عن ((كسل)) رئيس حكومته.

هذا قبل الاستقالة, وهو أقل بكثير مما قيل بعدها من غدر قام به الحريري في علاقته مع عون ومن عدم قدرة على تحمل تجاوزه كما نقل عن الحريري إزاء تعاطي الوزير جبران باسيل معه, الا انه كان اشارة بالغة الدلالات الى حجم التباعد الحاصل بين الطرفين, ودخول التسوية الرئاسية مرحلة الاحتضار.

وقبل استقالة رئيس الحكومة وأزمة الاحتجاجات,لم تتردد دوائر القصر الجمهوري في البحث عن شخصية يمكن ان تشكل الحكومة بعد الحريري, وفي سياق هذه المعلومات كان التوجه يركز على شخصية نيابية من بيروت جرى البحث معها في تفاصيل هذا الموضوع, الذي طوي بعد معرفة حزب الله بالأمر وتدخله من أجل الحؤول دون السير به في ظل هذه الظروف الدقيقة التي تمر بها المنطقة وكذلك لبنان من خلال الصعوبات المعيشية والاقتصادية التي يمر بها.

 الفوضى التي حذرت ((الشراع)) منها

وللتذكير فإن ((الشراع)) كانت أول من اشار الى التحذير من تدحرج الأوضاع باتجاهات خطيرة, عندما عنونت في عددها 1920الصادر بتاريخ 11 تشرين الاول / اكتوبر الماضي: ((الفوضى او مجلس رئاسي)), وذلك تعبيراً عما كان يحصل عشية بدء الاحتجاجات في السابع عشر من الشهر الماضي.

والواقع ان سبب كل ما كان يحصل يعود الى تعثر التسوية الرئاسية, والى وجود حاجة من أجل فرملة الاندفاع نحو التصعيد, الذي تحول الى عنوان بارز لكل ما كان يحصل من نقاشات بين الاطراف الأساسية في السلطة ولا سيما من خلال المواقف والمواقف المضادة التي سجلت بإسم جبران باسيل كماركة مسجلة خاصة به, وان كان الأمر يتعداه ليشمل بالاضافة اليه غيره من القوى ومن دون استثناء.

وكان يرافق ذلك على الدوام تحريض من بيئة كل فريق في السلطة, من ضمنها التحذير من المس باتفاق الطائف والمس بصلاحيات رئيس الحكومة ومن ضمنها التفرد بالتطبيع مع النظام السوري وعدم التنسيق مع باقي القوى من أجل اعادة النازحين السوريين الخ.

ومن ضمن هذا الكلام ايضاً الحديث عن وجود سعي دؤوب من قبل تحالف الميليشيات الذي نشأ بعد انتهاء الحرب من أجل ((تجويف المناصفة)) وتتالي محاولات الالتفاف على اتفاق الطائف من خلال استهداف حقوق المسيحيين وما نص عليه بهذا الشأن.

هذا فضلاً عن فتح الملف الانتخابي الرئاسي قبل ثلاث سنوات من انتهاء ولاية عون الرئاسية والكلام عن طموح جبران باسيل الجامح لخلافة عمه في الرئاسة, رغم ان لا مبررات واقعية لكل هذا الكلام, طالما ان القاعدة المتبعة في عملية اختيار رئيس الجمهورية في لبنان خاضعة لكلمة سر، لا يمكن معرفة كنهها الا عشية الانتخابات الرئاسية, والأمثلة على ذلك كثيرة في الدورات الانتخابية السابقة.

المقصود بكل ذلك هو ان لبنان كان دخل عشية الاحتجاجات مرحلة تعثر التسوية الرئاسية ولا نقول سقوطها بانتظار ما سيؤول اليه مشهد الاستشارات النيابية الملزمة وما سينتج عنها لجهة نجاح الرئيس المكلف بتشكيل هذه الحكومة او عدمه. وجاءت الاحتجاجات الشعبية العابرة لكل الفئويات لتطيح بها.

 تسميات عديدة والفشل والعجز واحد

ولا بد من القول في هذا المجال انه عند تشكيل ((حكومة الى العمل)) كما سماها الرئيس سعد الحريري، كان هناك تفسيران لطبيعة المرحلة السياسية التي ستعبر عنها هذه الحكومة. التفسير الأول اعتبر انها حكومة العهد الأولى، أي حكومة الرئيس الماروني القوي، ذلك ان عون كان قال لمنتقدي الربع الأول من عهده بأن حكومة عهده لم تبدأ بعد، وان حكومة العهد الأولى ستبدأ مع تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات النيابية التي جرت العام الماضي. 

التفسير الثاني قال انها حكومة التسوية الرئاسية الثانية، على اعتبار انها حكومة ستكون امتداداً لحكومة الحريري الأولى التي تشكلت بعد انتخاب عون رئيساً وذلك وفق صيغة التسوية الرئاسية. وأطلق أصحاب هذا التفسير على هذه الحكومة تسمية حكومة التسوية الرئاسية الثانية، وقالوا ان باريس ستكون عرابة حكومة التسوية الرئاسية الثانية دولياً، ولذلك قادت قطار مؤتمر ((سيدر)) العربي والدولي وبخاصة الأوروبي من أجل انقاذ الاقتصاد اللبناني. 

وهناك اشكالية واجهت عشية الاحتجاجات كل مراقب أراد رسم خطوط الفرق بين حكومة العهد الأولى وحكومة التسوية الرئاسية الثانية.. فلا الرئيس عون حدد برنامج حكومة عهده الاولى بشكل واضح، ولا الرئيس الحريري حدد بوضوح أين تختلف حكومة التسوية الرئاسية الثانية عن حكومة العهد الاولى. بكلام اوضح، فإن المواطن لم يعرف ما اذا كان يعيش تحت مظلة حكومة العهد الاولى أم حكومة التسوية الرئاسية الثانية.

وبشيء من التفصيل، يمكن القول ان حكومة التسوية الرئاسية  ((المستقيلة)) تميزت بالدور الفرنسي في رعايتها اقتصادياً، وذلك  على المستوى الدولي وبخاصة الاوروبي، والاصطلاح الحركي لهذا المعنى هو مؤتمر ((سيدر)). ولكن مرّ نحو عام من عمر((حكومة الى العمل))، وبقي مؤتمر ((سيدر)) متعثراً على مستوى إطلاقه. اما حكومة العهد الاولى، فكان يجب ان تتميز بدور نوعي لرئيس الجمهورية على مستوى معالجة الملفات المتسببة بالأزمات وهو ما عبر عنه ولو متأخراً وربما بعد فوات الأوان في خطابه ((النوعي)) في الذكرى الثالثة لانتخابه.. ولكن المواطن لم يشعر بأن دور رئيس الجمهورية في الحكومة الثانية من عهده يختلف عن دوره في الحكومة الاولى من عهده .وخلال تشكيل الحكومة الحريرية الثانية في عهد عون، كان الأخير يقول انه يريد حكومة منسجمة مع خططه التي ستنطلق مع حكومة العهد الاولى اي حكومة الحريري الثانية، ولذلك حاول حجب حقائب وزارية عن القوات اللبنانية وعن وليد جنبلاط، الخ.. ولكن أحداً لم يشاهد حكومة منسجمة ولها رؤية واحدة لكيفية حل ملفات الكهرباء والفساد والنفايات، الخ.. وهذا الأمر عاد وأكده في خطابه الأخير الا ان أصداءه لم تكن بالحجم المناسب بسبب أزمة الثقة التي تحدث عنها أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله بين الشعب وحكامه.

والواقع ان ما تقدم يؤشر الى ان البلد  عملياً لم يكن لا في حكومة العهد الاولى ولا في حكومة التسوية الرئاسية الثانية، بل كان في حكومة تعبر عن أزمة هذين المصطلحين!!.

معطيات متراكمة

وهناك مصادر مطلعة ومهتمة بمراقبة الظروف السياسية الداخلية والخارجية التي مرت بها الحكومة، ترى ان التسوية الرئاسية لم تعد تحظى بالغطاء الدولي والاقليمي الذي حظيت به، ولو بدرجات مختلفة، حينما تشكلت فور انتخاب رئيس الجمهورية. وتورد هذه المصادر في هذا السياق المعطيات التالية: 

اولاً-  وفق المعلومات فإن دول الخليج العربي لم تمحض بالأساس التسوية الرئاسية تأييدها، بل منحتها وعداً بعدم معارضتها وذلك بانتظار الحكم عليها بحسب ما ستقوم به من أفعال. واليوم ترى هذه الدول ان التسوية الرئاسية لن تلبي وعد لبنان بمبدأ النأي بالنفس عن الصراعات الاقليمية، بل ان حزب الله الذي ضمن الجانب العوني ان يكون ضمن التسوية الرئاسية وبالتالي ضمن مبدأ النأي بالنفس، عاد وتفلت من عقال انضباطه بمبدأ النأي بالنفس كما يتهم  في الاوساط الخليجية ، وأصبح هذا التفلت معلناً بعد احتدام الصراع الايراني - الاميركي اثر خروج واشنطن دونالد ترامب من الاتفاق النووي.

وبهذا المعنى لم يبق هناك مفعول اقليمي للتسوية الرئاسية، ومن ثم فإن موقف دول الخليج بالاكتفاء بعدم تأييد التسوية الرئاسية من دون معارضتها، ربما يكون قد  تغير اليوم، وأصبح الموقف انتقاد هذه التسوية، وفي ذلك مؤشرات عن امكانية معارضتها  لاحقاً في حال جرى العمل على تعويمها. 

ثانياً - منذ الأساس ولدت التسوية الرئاسية التي أنتجت عون رئيساً للجمهورية والحريري رئيساً لمجلس الوزراء ومشاركة حزب الله في هذه التسوية ، على سرير اميركي ودولي ملتبس. فهذه التسوية كانت مدعومة من مناخ اميركي كان يعتقد ان رئاسة اميركا ستذهب لهيلاري كلينتون التي كانت تشكل امتداداً لعهد باراك اوباما الذي وضع في ايامه الاتفاق النووي مع ايران، ولكن من فاز في انتخابات الرئاسة هو دونالد ترامب والحزب الجمهوري الذي ليس له صلة تأييد بالصفقة الرئاسية في لبنان. ومعروف ان الحزب الديموقراطي كان سيكمل بالاتفاق النووي الايراني، بينما ترامب الجمهوري ينقلب عليه. وبالمحصلة فإن كلينتون كانت مع تسوية رئاسية في لبنان تضمن استمرارالمصالحة الاميركية - الايرانية وذلك على حساب نفوذ الدول الأخرى في لبنان، اما ترامب فهو مع تسوية سورية ( بعد تأهيلها)-  سعودية في لبنان على حساب ايران، وهذا يعني ان معادلة التسوية الرئاسية ليست هي المعادلة التي يرغب بها او يريدها التوجه الجمهوري الاميركي. 

ثالثاً - هناك توصيف جديد لموقع التسوية الرئاسية في لبنان ضمن التوجه الدولي الحالي لدعم بلد الارز. ويقول هذا التوصيف ان واشنطن تدعم بالتحديد مبدأي الحد الأدنى من الاستقرار المالي والامني في لبنان، اما دعمها السياسي للبنان فهو لا يشمل التسوية الرئاسية بدليل ان واشنطن تدخلت مباشرة لمصلحة وليد جنبلاط الذي هو خارج التسوية الرئاسية في لبنان وذلك ضد الطرف الأبرز في هذه التسوية، أي رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر. كما ان الدعم الاميركي للبنان لم يكن يشمل ((حكومة الى العمل))، بل يتجه لدعم الجيش اللبناني ودعم صمود تعبيرات الدولة بوجه ما يطلق عليه  ((دويلة حزب الله)). ومشكلة التسوية الرئاسية و((حكومة الى العمل)) مع واشنطن في هذه الفترة وحتى مع البيئات العربية الرسمية ، تكمن في عدم وضع  خط فاصل بين الدولة وبين حزب الله، اي انهما بنظر هذه الدول لا يدافعان عن حضور الدولة تجاه الملفات الاساسية بوجه حضور حزب الله.

رابعاً - ومن وجهة نظر اصحاب هذا الرأي فإن التسوية الرئاسية سقطت بفعل ثلاثة مستجدات: 

المستجد الأول انها لم تستطع ان تجذب اليها تأييد القاعدة الاجتماعية السنية لا في لبنان ولا في المحيط العربي. بل هناك حالة نفور بين القطب الاول في هذه التسوية ((رئيس الجمهورية وباسيل)) وبين السنة في لبنان. ولم يبق من هذه التسوية الا علاقة ثنائية وغير شعبية بين العهد وشخص الرئيس سعد الحريري، وكان رفض اطر تيار المستقبل مؤخراً ((قبل بدء الاحتجاجات)) اجراء حوار مع باسيل رغم توصية الحريري بذلك هو أكبر دليل على ان التسوية الرئاسية لم تكن تستند الى حاضن شعبي. 

المستجد الثاني تمثل بظهور ان حزب الله هو المستفيد الأول سياسياً واستراتيجياً من هذه التسوية. وهذا الانطباع عنها، أفقدها اي التسوية الرئاسية رصيدها العربي الرسمي والدولي. 

المستجد الثالث على صلة بأن التسوية الرئاسية سبقتها تطورات المنطقة والعالم والصراعات الناشبة ذات الانعكاسات على لبنان.. وهي لم تعد قادرة على تلبية شروط النأي بالنفس ولا على تلبية ظروف اقليمية معقدة، وبالتالي اصبحت بمثابة تسوية امر واقع داخلية تعاني من الفشل بإمكانية تحقيق اية إنجازات داخلية او إنجاز من نوع تطبيع عميق مع المجالين الدولي والاقليمي. 

هل يصار الى تكليف الحريري من جديد برئاسة الحكومة بعد تلبية شروطه, ام سيصار الى ابعاده مقابل إبعاد جبران باسيل كما يصر الحريري نفسه. وهل يمكن للبلاد ان تتحمل ابعاد شخصيتين بوزن الحريري وباسيل, رغم ان الأخير يعتبر الخاسر الأكبر مما جرى حتى الآن رغم مسيرة الاحد الماضي على طريق قصر بعبدا كمحاولة لرد اعتباره أمام الشارع اللبناني؟

نعم باسيل هو الخاسر الأكبر ليس كمرشح طامح للرئاسة, بل بصفته رئيس أحد أكبر التيارات والكتل في المجلس النيابي, سواء بسبب سياساته السابقة او بسبب تجمع معظم أطياف الطبقة السياسية ضده.

ومع تأخير تحديد موعد الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس الحكومة الجديد, تحت عنوان التشكيل قبل التكليف, وهو ما اعتبره وليد جنبلاط تجاوزاً للدستور, فإن البعد المتعلق بتوازنات المرحلة الجديدة هو اليوم في خضم الصراع الدائر, خصوصاً بعد سقوط توازنات حكومة ((الى العمل)) وذلك بصرف النظر عما اذا كان الأمر ينطلق من اعتبارات داخلية بحتة او يتصل باعتبارات خارجية تتصل بما يدور حالياً حول مستقبل سورية والعلاقة الايرانية - الروسية, فضلاً عن انتخابات الرئاسة المقبلة في لبنان وكذلك مآل الصراع الايراني الاميركي المحتدم.

 وبموجب كل ما ورد, ما هي انعكاسات هذه المقاربة على الواقع الداخلي بعد استقالة الحكومة.. وهل ما زال بالامكان ترميم التسوية الرئاسية ولو بعمليات تجميل لن تطال في أحسن الأحوال الا الشكل بعيداً عن الجوهر، خصوصاً بعد لقاء ((الضرورة)) كما وصف الذي دام أربع ساعات الاثنين الماضي بين الحريري وباسيل؟

هذا هو السؤال المطروح اليوم.