2019-11-01 14:38:32

هل ينتهك رئيس الدولة الدستور إذا صلى الجمعة في المسجد مع الناس؟! بقلم: محمد خليفة

هل ينتهك رئيس الدولة الدستور إذا صلى الجمعة في المسجد مع الناس؟! بقلم: محمد خليفة

هل ينتهك رئيس الدولة الدستور إذا صلى الجمعة في المسجد مع الناس؟! بقلم: محمد خليفة

هل ينتهك رئيس الدولة الدستور إذا صلى الجمعة في المسجد مع الناس؟! بقلم: محمد خليفة

مجلة الشراع 1 تشرين ثاني 2019 العدد 1923

 

*صلاة الرئيس التونسي قيس سعيد تثير عاصفة قوية في أول أيام عهده

*الرئيس الجديد نموذج شاذ بين الرؤساء العرب, فهل يقبلونه بينهم؟

 

بقلم: محمد خليفة

 

بينما كان المصلون في مسجد أنس بن مالك في حي قرطاج في العاصمة التونسية يستمعون لخطبة الإمام يوم الجمعة الفائت 25 تشرين الأول/ اكتوبر دخل رئيس الجمهورية قيس سعيد وجلس بين المصلين, وعندما انتهت الصلاة توجه الى الإمام ليصافحه, تاركاً المصلين في حالة ذهول, إذ لم يسبق أن صلى رئيس جمهورية منذ استقلال تونس في مسجد, بل إن جميعهم لم يعرف عنهم الصلاة, لا في المساجد, ولا في المنازل! وعندما أفاق المصلون من ذهولهم توجهوا اليه, ليحيّوه ويلتقطوا الصور معه بينما كان حراسه في حالة ارتباك خوفاً عليه!

لم يكن قد مر على انتقال الرئيس الى القصر الرئاسي في قرطاج سوى ثلاثة أيام, وقبله بيوم شوهد الرئيس الذي لم يعتد على قواعد البروتوكول ولم يتكيف مع تقاليد السلوك الرئاسي يدخل المقهى الذي يقع في الحي الذي كان يسكن فيه منذ أعوام طويلة, ويطلب فنجاناً من القهوة كعادته دائماً, ويتبادل التحيات مع رواد المقهى وعماله!

وفي يوم آخر شوهد الرئيس يذهب ماشياً الى حلاق الحي ليحلق ذقنه قبل أن ينتقل بسرعة الى مكتبه في قصر قرطاج لعقد اجتماع مع بعض قادة الاحزاب ورؤساء الكتل النيابية للتشاور معهم في تشكيل أول حكومة جديدة, بعد انتخابه , وانتخاب المجلس النيابي.

بهذه الطريقة عاش قيس سعيد الاسبوع الأول من عهده رئيساً للدولة. كما نقل عنه أنه يفكر ببقاء محل سكناه في منزله الشخصي, بدلاً من الانتقال الى قصر قرطاج الفخم. كما قيل إنه طلب من زوجه السيدة اشراف شبيل التي تعمل قاضية أن تأخذ إجازة بلا راتب خلال أعوام رئاسته الخمس القادمة, تجنباً لأي شبهة أو قيل وقال عنها!

رجل من عامة الشعب, عاش أغلب سنواته استاذاً جامعياً مستقيماً, وصلت اليه الرئاسة بالصدفة, واختاره الناس من بين 26 مرشحاً, جميعهم أسماء معروفة, ولها أقدام راسخة في عالم السياسة والاعلام والأعمال باستثنائه هو, فاختاره الناس بإصرار شديد في دورتين متتاليتين رئيساً لهم, فاختار هو البقاء معهم, وقريباً منهم, زاهداً في حياة القصور, وتقاليد البروتوكول!

المفارقة الغريبة هنا أن هذا السلوك البسيط لم يرض كل المراقبين من المثقفين والسياسيين, فتعرض لانتقادات لاذعة من عدد غير قليل منهم, لأنهم رأوا في أدائه صلاة الجمعة في المسجد سلوكاً  ((شعبوياً)) غير مقبول في دولة مدنية - علمانية ومخالفاً للصورة النمطية للرؤساء. وقالوا إنه يشي برغبة لأسلمة الدولة والبلاد ((وكأن تونس ليست بلداً اسلامياً))!, وعملية نشر للدعوة, وخرق لمدنيّة الدولة. وطالبوا الرئيس بأن يؤدّي صلاة الجمعة سرّاً في منزله أو في القصر, حفاظاً على فصل الدين عن الدولة. وكان بعض المصلين قد صوروه وهو يصلي في الصفوف الخلفية بين المصلين, ووزعوا الفيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي. واتهمه البعض بتعمد ذلك, مشككين في صدق مقصده, بينما أكد جيرانه في الحي مواظبته على صلاة الجماعة في المسجد القريب من مسكنه طوال أعوام. وكتب القيادي في حزب ((تحيا تونس)) الفرانكوفوني  سمير عبدالله داعياً الرئيس لـ ((احترام الدستور))!. ودافع آخرون عن تصرف الرئيس, ورأوا فيه حقا من حقوقه الشخصية كمواطن وشخص عادي, ورأوا في الحملة عليه محاولة مغرضة ومبكرة لتصيد أي ثغرة في سلوكه لتوظيفها ضده, خصوصاً وأن منتقديه هم من السياسيين والحزبيين الذين هزمهم سعيد مجتمعين في الانتخابات, وليسوا من المواطنين العاديين.

وكان الرئيس السابق الدكتور المنصف المرزوقي 2011 - 2014 قد كسر بروتوكول الرئاسة التقليدي في مناسبات كثيرة, وكان يستقبل مواطنين من عامة الشعب في قصر الرئاسة, وكان يقابل ضيوفه من كل الطبقات من دون ربطة عنق, ويتجول احياناً في الشوارع, ولكنه لم يصل الى ما بدأ به الرئيس الحالي عهده, لأن المرزوقي كان مناضلاً شيوعياً!!

قد تكون هذه الحادثة ناشزة عن تقاليد الرؤساء السابقين في تونس من الحبيب بورقيبة الى الباجي قايد السبسي, وناشزة جداً عن تقاليد الحكام والقادة في العالم العربي باستثناء حالات قليلة ونادرة هنا أو هناك, ولكنها ليست الأولى من نوعها في تاريخ الرؤساء في العالم, فالرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال تعرض لحملة أقسى من الحملة على قيس سعيد بسبب أدائه فريضة الحج عام 1990, للمرة الأولى, واعتبرت انتهاكاً لعلمانية الدولة التركية.

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر, فقد سمعت من المؤرخ التونسي الكبير عبد الجليل التميمي قوله في جلسة خاصة بيننا ((إن تونس هي أكثر الدول في العالم اقتداء بالتجربة الكمالية الاتاتوركية في العالم, ولا سيما في محاربة المظاهر الاسلامية في الدولة))!

بعض التوانسة تندر على الحادثة قائلاً: أتوقع أن يقاطع الحكام العرب الرئيس قيس سعيد, وأن يتجنبوا زيارته أو لقاءه!!