2019-11-01 14:06:24

ثورات الربيع العربي تجدد العروبة وتستنهضها/ بقلم: محمد خليفة

ثورات الربيع العربي تجدد العروبة وتستنهضها/ بقلم: محمد خليفة

ثورات الربيع العربي تجدد العروبة وتستنهضها/ بقلم: محمد خليفة

ثورات الربيع العربي تجدد العروبة وتستنهضها/ بقلم: محمد خليفة

مجلة الشراع 1 تشرين ثاني 2019 العدد 1923

 

*ترياق الثورات الشعبية يقضي على سموم الطائفية والقطرية

*تطابق ثورتي العراق ولبنان, وتشابه بين السودان والجزائر

*العودة للعروبة: خيار الشباب من المحيط الهادر الى الخليج الثائر

 

بقلم: محمد خليفة

((من بغداد لبيروت.. ثورة واحدة لا تموت)) هذا الشعار ((القومي)) نصاً وروحاً لا يعود لستينيات القرن الماضي, ولا للحقبة الناصرية, بل هو ابتكار لبناني خاص, صدحت به حناجر المتظاهرين في ساحة الشهداء في اليوم العاشر من ثورتهم, ولم يستعيروه من أي ثورة عربية أخرى, كشعار ((الشعب يريد اسقاط النظام)) الذي أصبح لازمة ثابتة, وعلامة مسجلة لكل ثورات الربيع العربي منذ 2011 الى اليوم صدحت به حناجر الجماهير الغاضبة في ميادين القاهرة وطرابلس وتونس ودمشق وصنعاء, ثم ترددت أصداؤه في ثورات الموجة الثانية من الثورات الشعبية التي بدأت في السودان والجزائر, وها هو يتجدد في شوارع البصرة وبغداد عام 2019 ثم تردد في بيروت وطرابلس وصور.

شعار ((من بغداد لبيروت .. ثورة واحدة لا تموت)) حمال أوجه - كما يقال - فهو يشير أولاً الى انتماء عربي حاول قطاع من اللبنانيين النأي بأنفسهم عنه في وقت من الأوقات, كما حاول آخرون تجنبه أيضاً, حرصاً على إعطائها طابعاً وطنياً ومحلياً فقط, وتأكيداً لكونها ليست استنساخاً لثورات أخرى.

ويشير ثانياً الى تطابق بين الثورتين اللبنانية والعراقية بشكل خاص, يفوق أي تشابه بين بقية الثورات الشعبية العربية.

بين العراق ولبنان

والتطابق بين الثورتين العراقية واللبنانية حقيقة بيانية وعيانية لفتت انتباه كثير من المحللين والمراقبين لأسباب عديدة قبل أن يأتي الشعار ليصادق عليها:

-التزامن الراهن بين الثورتين.

-التطابق بين دوافع الثورتين ومحركاتهما الاجتماعية والوطنية.

-تشابه نظامي المحاصصة الطائفية في البلدين.

-تشابه معدلات الفساد في البلدين.

-تطابق حالة الشعبين العراقي واللبناني في ثورتهما ضد سيطرة الميلشيات.

-تطابق الثورتين في تجاوزهما للانقسامات الطائفية والقبلية والمناطقية, وإحيائهما للوحدة الوطنية.

-التعبير عن وحدة الإرادة والعزم على تحقيق هدف الثورتين, متمثلاً بالتغيير والاصلاح وإسقاط النظامين الفاسدين.

 في المحصلة يعكس الشعار المذكور وبشكل واضح درجة تماثل عالية بين حالتي الثورتين, وظروفهما الداخلية بشكل واضح, كما يعكس درجة عالية من التضامن القومي الفطري بين شعبين عربيين, تربطهما عناصر ووشائج عميقة, لا حاجة للتدليل عليها بعد عشرات القرون من الاختبارات والامتحانات المتتالية في السراء والضراء.

والواقع إن التطابق الكبير بين ظروف الثورتين العراقية واللبنانية, والتضامن القومي الفطري والتلقائي بين الشعبين لا يقتصر عليهما, بل يتكرر, وإن بدرجات أقل بين كل منهما وبقية الثورات العربية. وهي حالة تجلت في كل منهما تجاه بقية الثورات العربية, كما تجلت في مشاعر التضامن بين الشعوب العربية تجاه كل من الثورتين, بدلالة الشواهد التالية:

-انتفض الشارع العراقي بعد أسابيع من انتصار انتفاضة الشعب السوداني. وثمة إجماع بين المحللين على أن انتصار الثورة السودانية واسقاط نظام البشير بعثا برسالة تحريض قوية لكل الشعوب العربية, من العراق الى الجزائر, والمؤشرات الحسية والمادية كثيرة على ذلك, أهمها أن معادلة ((الحل الوسط)) التي توصل لها الحراك الشعبي الثوري مع الجيش في السودان عبر الحوار والتفاوض أصبحت وصفة مجربة مغرية للشعبين الجزائري واللبناني اللذين أخذا يطالبان بتسليم السلطة للعسكريين, بدلاً من الاحزاب والسياسيين.

-صمود الحراك الشعبي الجزائري المدني لثمانية شهور متصلة بعث أيضاً رسالة تحريض وتشجيع لبقية الشعوب العربية ظهرت نتائجها في العراق ولبنان.       

-استعارة اللبنانيين والعراقيين للشعارات والهتافات والرموز التي ابتكرتها جماهير مصر وتونس وسورية واليمن. مثل شعار ((الشعب يريد اسقاط النظام)) أو هتاف ((ارحل)) الذي اصبح في لبنان ((ارحلوا)) أو شعار ((هيَّة هيَّة ثورة على الحرامية)) أو شعار ((سلمية سلمية)) الذي تردد بقوة في مصر سابقاً وتتكرر في الخرطوم, وفي الجزائر, ثم تجدد أخيراً في بغداد وفي بيروت تعبيراً عن التظاهر السلمي, ورفض اللجوء للعنف, ولو في مواجهة عنف السلطة. وكذلك تبادل تقديم الزهور والورود بين المتظاهرين ورجال الأمن.

-ظهر التضامن القومي الفطري والتلقائي, بتضامن الحراك المدني السوداني مع الشعبين العراقي واللبناني, بتسيير مسيرات في الخرطوم, تأييداً لحراك الشعبين الشقيقين. وظهور شعارات وهتافات تضامن في الشارع الجزائري مع ثورات فلسطين وسورية والعراق واليمن ولبنان والسودان. وظهور مظاهر تضامن مشابهة في شوارع اليمن مع الثورات المذكورة.

العروبة تولد من جديد

أهمية هذه الرموز المعبرة لا تكمن فقط في مغزاها القومي الصريح مع بداية الموجة الثانية من ثورات الربيع العربي, وإنما تكمن في كونها تشكل رداً قوياً على بعض الاتجاهات القطرية المعادية للعروبة التي ظهرت في بعض الحراكات الشعبية, والتي دعت صراحة للتخلي عن ((العروبة)) بزعم أنها تمثل الماضي, وأن طرحها مجدداً يهدد وحدة الحراك الثوري, لأن الشعوب كفرت بها, بعد تجاربها المريرة في ظل الأنظمة القومية السابقة ((أنظمة القذافي, وصدام, والأسد, وصالح)) التي مارست الاستبداد والقمع وكبتت الحريات بإسم مشاريعها القومية دفعت الشعوب للكفر بالعروبة والمطالبة بتكريس الهويات الوطنية الحالية وحسب.

 هذه الفكرة انتعشت أكثر ما انتعشت في سورية والعراق وليبيا والسودان بسبب ما عانته في ظل الأنظمة البائدة, بيد أن هذه الفكرة الشاذة تجافي الواقع والمنطق على حد سواء, بدليل أن الموجة الأولى من الثورات حدثت في نطاق وسياق قوميين واضحين جداً, إذ جاءت كلها واحدة بعد أخرى بعد انتفاضة شعب تونس العفوية في منتصف كانون الأول/ديسمبر 2010, وتبعتها انتفاضة مصر, ثم ليبيا, ثم اليمن, ثم سورية, وحدثت انتفاضات محدودة في عدة بلدان عربية خليجية ومغربية, ولم تنتشر في أي بلد آخر غير عربي, لا في افريقيا, ولا في آسيا. إذن فإن عملية التلاقح بين كل الثورات تمت في اطار عربي صرف, ما يؤكد وحدة الظروف والعوامل وقابلية الشعوب في هذه البلدان للتأثر والتأثير المتبادل, ولم يكن صدفة أن يجمع المحللون عرباً وأجانب على تسمية تلك الثورات بإسم الربيع العربي, وهي تسمية صحيحة بلا تورية ولا مجاز, ولا تعسف.

ويتجدد الرد على محاولات انكار العروبة حالياً بقوة, ومن الشارع, ومن قلب الحراك الثوري في كل مكان من الجزائر الى العراق ومن السودان الى لبنان. الجماهير هي التي ترفع رايات العروبة وتعبر عن الانتماء القومي بشكل قوي, لا فرق بين العراق الذي كان أحد البلدان التي حكمها حزب قومي لنصف قرن, وتميز نظامه بالقسوة والقمع, ولبنان الذي شهد اقوى موجات الانعزالية وانكار العروبة في سبعينيات وثمانينيات القرن السابق.

وثمة ملاحظة أهم هي أن الهتافات ذات المحتوى القومي العربي تتردد ملء حناجر أجيال شابة جديدة, لم تتمرس في الاحزاب القومية الايديولوجية, ما يعني أن الانتماء العربي لديها يعبر عن نزوع فطري وتلقائي غير مصطنع, ولم يصدر عن اختيار ذهني متكلف.

لا معنى لكل ذلك سوى أن العروبة تتجدد وتستعيد حضورها كهوية جامعة لشعوبنا من المحيط الهادر الى الخليج الثائر!