2019-11-01 13:54:47

حراك بساحات كثيرة: هل يستمر قوة ضغط ام يصبح قوة تحكم؟؟ كتب المحرر السياسي لـ((الشراع))

حراك بساحات كثيرة: هل يستمر قوة ضغط ام يصبح قوة تحكم؟؟ كتب المحرر السياسي لـ((الشراع))

حراك بساحات كثيرة: هل يستمر قوة ضغط ام يصبح قوة تحكم؟؟ كتب المحرر السياسي لـ((الشراع))

حراك بساحات كثيرة: هل يستمر قوة ضغط ام يصبح قوة تحكم؟؟
كتب المحرر السياسي لـ((الشراع))

مجلة الشراع 1 تشرين ثاني 2019 العدد 1923

 

ثورة 17 تشرين الاول / اكتوبر غير مسبوقة بتاريخ لبنان المعاصر، وذلك من زوايا عدة: أولاً لأنها تجاوزت المناطقية والطائفية والحزبية، وثانياً لأنها اتسمت بسلمية كاملة، وثالثاً كونها أسقطت لأول مرة في لبنان المقدسات السياسية ((الرموز)) والثقافية ((الشعارات التي اعتبرت مقدسة)) والاجتماعية ((حواجز الطائفية))، واستبدلت كل هذه الرموز ببديل وشعار واحد هو المواطنية والعلم اللبناني. 

كل هذا الانقلاب الاجتماعي والسياسي والثقافي حدث خلال اسبوع، وتدحرجت كرة ثلج الانقلاب الشعبي بسرعة لافتة وبشكل هز أركان الطبقات السياسية الحاكمة كلها والأحزاب السياسية التي تتقاسم النفوذ على الشارع والدولة منذ نحو ثلاثة عقود. 

السؤال الذي يطرح نفسه، هو ما الذي حدث؟؟

هل ما حصل هو ربيع عربي ضرب لبنان بمفعول رجعي.. واستدراكاً هل هو الموجة الثانية من ثورات الربيع العربي الناجحة كمثال تونس والجزائر والسودان والتي استفادت من تجارب وإخفاقات الجولة الاولى الفاشلة من الربيع العربي كسورية وليبيا ومصر، الخ..؟؟. 

حتى كتابة هذه السطور، فإن ما يشهده لبنان منذ نهايات السابع عشر من تشرين الأول/ اكتوبر  الماضي، هو ثورة  تنتمي لجيل ثورات الربيع العربي التي ضربت المنطقة منذ العام 2011.وهناك من المنظرين السياسيين من يطلق عليها الجيل الثاني من ثورات الربيع العربي التي دشنها السودانيون خلال هذا العام وانتقلت الى الجزائر وتموضعت في تونس. 

وهناك ملاحظة اساسية في هذا السياق تستوجب التوقف عندها، وهي ان الجيل الثاني من ثورات الربيع العربي تعلم ان أبرز اسلحتها هما سلاحان اثنان: الأول هو السلمية والحرص على ممارستها خلال كل فعاليات الثورة، والثاني هو صداقة الجيش وتحييده وحتى إشراكه اذا اقتضى الأمر في العملية السلمية لاعادة بناء النظام على أسس الحوكمة الصالحة. وهذا ما حدث في السودان وما يحدث اليوم في الجزائر. 

في لبنان ينتهج المحتجون أسلوب استخدام سلاحي السلمية وصداقة الجيش اللبناني، ويبدي وسط واسع من المحتجين رضاهم ومقبوليتهم لأن يكون للجيش دور انتقالي في قيادة العملية السلمية لنقل البلد من حكم الطبقة السياسية والحزبية الحاكمة حالياً الى حكم مدني. وحتى بعض هذا الوسط المحتج يبدي رضاه تجاه حكم عسكري - مدني مشترك يتجه خلال فترة زمنية لبناء حكم المؤسسات المدنية. 

من الصعب في هذه اللحظة المبكرة الحسم الى اي صيغة انتقالية يتجه لبنان، ولكن الأكيد ان معادلة الحكم بالطريقة السابقة قد انتهت. وحالياً تصارع القوى السياسية التي كانت وازنة قبل ظهور معادلة الشارع، والتي تحكم لبنان منذ أكثر من عقدين من الزمن تقريباً، من أجل الحفاظ على وجودها في معادلة الحكم من خلال اعلانها انها مستعدة لتغيير سلوكها وتطهير نفسها من الفساد، ولكن الشارع يعلن عدم ثقته بهذه الأحزاب كلها وبكل رموزها السياسية. وفي هذه النقطة يتجه لبنان ليحاكي ما يحدث اليوم في الجزائر حيث التظاهرات تستمر لمجرد ان المحتجين لا يقبلون بالذهاب لانتخابات رئاسية في ظل بقاء اي دور لرموز السلطة السابقة. وبمقابل هذا السلوك للثورة اللبنانية التي تحاكي نموذج ثورة الجزائر، فإن هناك شبهاً بين الحراك الشعبي اللبناني والحراك السوداني لجهة ان جزءاً من المحتجين يدعو الجيش ليس فقط لحماية التظاهرات بوجه الاحزاب المتنفذة بل دعوته ليكون شريكاً في العملية السياسية لتغيير الواقع السياسي بشكل جذري وانقلابي. وبهذا المعنى فإن الثورة اللبنانية هي ثورة في بداياتها تتأرجح بين النموذجين السوداني والجزائري ولا تحاكي بأي شكل نماذج الثورات السورية او الليبية او المصرية.علما ان هناك من يجزم بأن الحراك اللبناني لا يشبه الا نفسه وهو يمكن ان يشكل نموذجاً ضج العالم في كل الدول بالحديث عن حيوياته وفرادته، خصوصاً وان طبيعة الاوضاع في لبنان وتركيبة نظامه تختلفان عن طبيعة اي بلد وتركيبة اي نظام.

ثورة جيل العشرينيات

ومن خلال آراء خبراء الاجتماع الذين حاولوا قياس البنية الاجتماعية للحراك الشعبي الجاري في ساحات المدن والبلدات اللبنانية، فقد ظهرت المعطيات التالية : 

أولاً - نسبة عالية تفوق الستين بالمئة من المحتجين تتراوح أعمارهم بين الـ 15 والثلاثين عاماً. وهذه الفئات العمرية هي اكثر الفئات التي تضررت اجتماعياً ومعيشياً من سياسات حكومات الاحزاب اللبنانية خلال العقد الأخير، وبخاصة خلال السنوات الأخيرة، فالشباب حرموا من سياسة القروض  الإسكانية، وحرموا من اجراء تحسينات على الجامعة اللبنانية، وحرموا من التوظيف في القطاع العام بحسب قرارات ما قبل الورقة الاقتصادية التي طرحها الرئيس سعد الحريري بعد ايام  على بدء الحـراك, بعد ان حصرت عمليات التوظيف بقطاع عام منتفخ بالعاملين فيه بالمحسوبيات التي كان آخر مثال عليها ما جرى خلال الانتخابات النيابية الأخيرة حيث جرى توظيف أكثر من خمسة آلاف من الأزلام والمحسوبين والتابعين للطبقة السياسية الفاسدة بمعظمها. 

 ثانياً- لقد دلل الحراك الاحتجاجي في وسط العاصمة بيروت على مؤشر هام وهو ان الطبقة الوسطى في لبنان التي شهدت انهياراً على المستوى المعيشي خلال السنوات الأخيرة، شاركت بقوة في احتجاجات ساحتي رياض الصلح والشهداء، وغذت هذا الحراك بمادة بشرية نوعية متعلمة وذات موقف سياسي وليس فقط عاطفياً. ولذلك فإن دينامية حراك ساحتي وسط البلد شهد هذه المرة قياساً بالمرة السابقة حيوية وزخماً واستمرارية وامتاز بحملات دعائية لها تأثيرها وقادرة على الانتشار. وقد يكون لهذه الفئة من المشاركين دور في إحياء نقاش داخل هاتين الساحتين قد يقودان الى تأطير قيادات شبابية جديدة. 

ثالثاً -  ساحة النور في طرابلس امتازت بمشاركة الفئات الأكثر فقراً وهم الأغلبية في عاصمة الشمال التي تسجل نسبة حالة الفقر رقماً عالياً. وهذه الساحة امتازت بحماسة تفوق كل الحالة الحماسية التي امتازت بها ساحات الحراك الأخرى في كل لبنان. وهذه الفئات الاجتماعية المنتمية لأوضاع بؤس وفقر مدقع هي التي جعلت السمة الاجتماعية والمطلبية للحراك تطغى على سمات المدينة التقليدية المتمثّلة بالإسلام الحركي بخاصة وبمناصري عائلات الزعامة  الطرابلسية. نسبة المشاركة الأسرية في ساحة النور عالية، حيث الأسر الفقيرة استوطنت هذه الساحة ما يعكس حالة الفقر التي تعاني منها الأسر بمختلف فئاتها العمرية، من الوالد العاجز عن إعالة أسرته، الى أفراد الاسرة العاطلين عن العمل او المتسربين من المدارس الى الأم المتعطشة لمساعدة أسرتها على الخروج من بؤسها. 

رابعاً -  في مناطق الديموغرافيات المسيحية بدت المشاركة في الاحتجاجات موزعة بين عدة مستويات: هناك محازبون ضد التيار الوطني الحر نزلوا من دون اعلامهم الحزبية وهؤلاء يمثلون 20 بالمئة تقريباً. وهناك حضور كثيف لطلاب الجامعات الذين يخشون من عدم الحصول على فرص عمل بعد تخرجهم وهؤلاء نسبة مشاركتهم عالية. اضافة الى حضور لافت للمرأة، علماً ان سمة كثافة مشاركة المرأة ومبادراتها داخل الحراك بدت لافتة في كل المناطق اللبنانية . 

خامساً - الحراك في مدينة النبطية ذات الديموغرافيا الشيعية كان لافتاً ان لجهة حجم المحتجين الكبير نسبياً او لجهة استمراره بالكثافة نفسها بشكل يومي. والحراك في تلك المدينة يشمل الشباب وبينهم شباب مؤيدون لأمل ولحزب الله، ولكن هؤلاء قرروا اعلان اعتراضهم على عدم اهتمام حزبيهما بالوضع الاجتماعي والمعيشي بالشكل الوافي. ويعتبر احتجاج النبطية بمثابة استمرار لارهاصات الاحتجاج الشعبي هناك الذي برز خلال الانتخابات البلدية والنيابية الأخيرة والذي نجح حزب الله آنذاك من خلال تدخل السيد حسن نصر الله شخصياً باحتوائه.  

سادساً - احتجاجات مدينة صور لم تشهد نسبة حضور كثيف إلا بعد اليوم الخامس، حيث بدأت تظهر صور لمشاركة فئات من كل الاعمار وبلغ هؤلاء بالمئات أحياناً وببضعة آلاف أحياناً أخرى. المشاركون أوساط فردية ولكن من طبقات مختلفة، علماً ان الفئات العمرية الشابة التي هي في مرحلة التعليم الثانوي او الجامعي لديها حضور في هذه الاحتجاجات، اضافة لحضور بيئات يسارية من المدينة عادة ما تبرز خلال الانتخابات النيابية بوصفها قوى معارضة للثنائية الشيعية. 

سابعاً - الساحة الموجودة في المناطق الدرزية منقسمة بين تجمعات اعتراض حزبية تابعة للحزب التقدمي الاشتراكي وأخرى مستقلة وترفع شعار ((كلن يعني كلن)). ولكن مشاركة الدروز التي كانت قوية في الحراك السابق الذي شهده لبنان عام 2015، شكلت بحسب استطلاعات أولية حضوراً اقل في الحراك الحالي، وقد يعود ذلك للاحداث التي مرت بها الطائفة الدرزية قبل أشهر على خلفية الصدام القوي بين المختارة وجبران باسيل. 

شارع الحراك مقابل شوارع الاحزاب:

ولدت بعد يوم 17 الشهر تشرين الأول/ اكتوبر معادلة جديدة في لبنان، لم تبق أية قوة حزبية لبنانية الا واعترفت بأنها باتت تشكل أقوى حالة ضغط سياسية على المعادلة السياسبة الحزبية الحاكمة في لبنان. وحالياً هناك رهان لدى قوى حزبية سياسية كي تبقى حالة الحراك قوة ضغط على الحكم في لبنان وان لا تتحول الى قوة مشاركة في الحكم او مسيطرة عليه. وهذه القوى الحزبية تراهن على الوصول الى هذا الهدف من خلال الرهان على ان حراك الشارع قد لا يستطيع انتاج قيادة موحدة له، وبالتالي فهو سيظل حراكاً تقوده مطالبه المعيشية ولن يتحول الى قوة سياسية لها عنوان يطالب باستلام الحكم او المشاركة بنسبة عالية من النفوذ في الحكم. 

..وبهذا المعنى تجهد القوى السياسية الحزبية المتوجسة من الاحتجاجات الشعبية لارساء معادلة جديدة لا يكون فيها الحراك بديلاً عنها في قيادة الدولة. 

ويبدو ان هذا الصراع سيشكل كلما تقدم الوقت على الحراك تحدياً للأحزاب من جهة ولبيئات الحراك من جهة ثانية، وقد يؤدي ذلك الى جعل الصراع على السلطة بين الطرفين امراً محفوفاً بمخاطر الانزلاق للعنف، أقله من قبل بعض الاحزاب التي تخشى على امتيازاتها في حال تمت إزاحتها من السلطة.  

ويصبح خطر احتمال لجوء هذه الاحزاب الى العنف للحفاظ على وجودها داخل معادلة الحكم، وارداً أكثر نتيجة ان هذه الأحزاب لديها شبكة مصالح منافعية تقدر بمبالغ كبيرة ولديها سجل من الارتكابات ضد المال العام تخشى ان يتم فتح ملفاتها ان هي أقصيت من الحكم في لبنان. 

وبعد اليوم العاشر لبدء الاحتجاجات بدا بوضوح ان الأمور سائرة باتجاه المواجهة مع الشارع، خصوصاً وان كل المتضررين من الطبقة السياسية السائدة عمدت الى الدخول على خط الحراك من اجل محاولة استخدامه وتصفية حساباتها معها نتيجة عدم ابعادها عن كعكة السلطة, فضلاً عن ان قوى أخرى وبعضها في السلطة معادية للسياسات المتبعة والمعلنة ستعمل على الافادة مما يجري من أجل تعزيز اوضاعها.

والسؤال المطروح هنا: هل هناك أجندات خفية يراد للحراك الشعبي العفوي ان يكون اداة لها؟

الأمر مطروح وان كان غير محسوم الا ان الأكيد سواء كانت هذه الأجندات الخفية موجودة او غير موجودة ان القوى التي أقامت الدنيا ولم تقعدها على قاعدة ان هذه الأجندات تفعل فعلها انما تقوم بذلك من أجل حماية نفسها وإعادة تظهير واقع الاحتجاجات الصعب عليها وفق آليات تستطيع من خلالها الحفاظ على حضورها الوازن في المعادلة السياسية.

واللافت بكل تأكيد ان ثمة خلطاً واضحاً بين السياسة والمطالب الشعبية المحقة سواء من القوى النافذة او المتحكمة او القوى المعادية لها, ما يدخل البلاد في مخاض ينذر بالانزلاق في متاهات لا تحمد عقباها وما تحذير البعض من الفوضى ومخاطر عودة الحرب الأهلية سوى عينات مما يتم التهويل به وبعضه حقيقي وبعضه الآخر دعائي من أجل التأثير على الحراك وافراغه من مضمونه الثوري والعابر للمناطق والطوائف والمذاهب والاصطفافات الحزبية والسياسية.