2019-10-26 12:09:09

على وقع انتفاضة الشعب اللبناني دروس واقتراحات السيد صادق الموسوي

على وقع انتفاضة الشعب اللبناني دروس واقتراحات السيد صادق الموسوي

على وقع انتفاضة الشعب اللبناني دروس واقتراحات السيد صادق الموسوي

على وقع انتفاضة الشعب اللبناني دروس واقتراحات

السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 26 تشرين اول 2019

 

اننا  نرى الناس بعفويتهم يخرجون اليوم هاتفين، ويتظاهرون صارخين، تصدح حناجرهم بشعارات غير طائفية، ويطالبون بحقوقهم الأولية، ويريدون أن يكونوا مواطنين لبنانيين بالسوية، لا يمتاز قوم على قوم ولا تحتكر فئة السيادة ليكون الآخرون رعايا، ولا ينهب الزعماء الأموال وبراكموا الديون على المواطنين، ولا يتنعم السياسيون ويجوع الشعب المسكين، ولا يُرتهن الوطن للأجنبي وهم متواطئون.

إن هذه الفرصة الذهبية قد لا تتكرر إذا ضيّعها المتظاهرون، والصمود في الساحات والثبات على المواقف الوطنية غير الطائفية ضمانة للنصر، ومنع الطارئين والمنافقين من الإندساس بين الصفوف ضروري جداً لاستمرار الحراك، وطرد الشياطين الذين يوسوسون في صدور الناس شرط أكيد للسير في الصراط المستقيم، وعدم الإنسياق وراء الغوغاء رافعي الشعارات غير المنطقية يحول دون انحراف المسيرة، والحذر الشديد من محاولات حماة الناهبين والسارقين تمييع المطالب المحقة بحرف الأنظار عنهم إلى أمور وهمية وأعداء إفتراضيين، ومحاولة تركيب من هم في الغرف المغلقة قادة للمتظاهرين يرفعون أصواتهم أكثر من غيرهم عند التظاهرات لكنهم ينهزمون عند أول مواجهة حقيقية، ويبيعون مطالب المتظاهرين بثمن بخس دراهم معدودة تدخل جيوبهم، ورشوة يقدمها المتشبثون بالكراسي لهم إزاء تفريق صفوفكم وتشتيت توجهاتكم وتثبيط هممكم.

إن الذين قالوا بالشعب العظيم بالأمس في الساحة التي أنتم فيها في بيروت يقولون اليوم بأن التغيير لا يكون في الساحات، وإن الذين استندوا لحشودكم المليونية في السابق وأسقطوا الحكومة القائمة يقولون اليوم بضرورة سلوك الطرق القانونية بعيداً عن ضغط الشارع، وقد انتفت الحاجة عند دعاة التغيير بالأمس التفوه بالكلمة اليوم بعدما بلغوا أهدافهم واحتلوا مناصبهم، وتبخرت كل شعارات الإصلاح عند هولاء بعد تربع كبيرهم على كرسي الرئاسة وتوزعت الوزارات والإدارات على الأصهار والأقارب والمحاسيب، وأصبح هو الرئيس القوي بعنتريات الحاشية وتفرعن المتزلفين وتجاوز الدستور والقوانين واستضعاف النواب والوزراء الآخرين والتصرف خارج صلاحياته حسب الطائف والتمرد على قرارات المجلس النيابي، والعمل كرئيس فعلي لمجلس الوزراء يملي إرادته على الحاضرين وهو حسب الدستور يترأس المجلس شكلياً ولا يحق له التصويت أو التأثير على الوزراء بأي حال.

إن الفساد الذي يريد الناس مواجهته والفاسدين الذين تريد الجموع الحاشدة في العاصمة والمناطق محاسبتهم ليسوا في كوكب آخر، إنهم في لبنان ويتربعون على الكراسي، ويتحكمون بالرقاب ويمصّون الدماء، وينهبون الثروات، ويراكمون الديون على الأجيال المقبلة، ويرهنون مستقبل ومصير البلاد للدول الدائنة؛ فانتهزوا أيها المحتشدون هذه الفرصة لتكونوا مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، لا تحتكر طائفة السلطة ولا تستولي فئة بعينها على مصير البلاد والعباد سياسة واقتصاداً وقضاءً وجيشاً وغيرها.

إن التاريخ يشهد أن الأمم المتحضرة لم تنل تقدمها بمائدة تنزل من السماء، بل إنها اقتنصت الفرصة ولم تتهاون في استغلالها لحظة ولم تسمح بضياعها أبداً، وأنتم أيها الحشود المتظاهرة أيضاً أمام فرصة فريدة يريد مغتصبو حقوقكم سرقتها من بين أيديكم، فيخدعونكم بالوعود الكاذبة ويمنّونكم بالأحلام الزائفة، ويبدون أنهم الحريصون على مصالحكم أكثر منكم، فحذار من أبالسة الإنس والجن الذين يقسمون أنهم لكم لمن الناصحين ليصدّوكم عن الصراط المستقيم الذي انتم فيه اليوم، فتارة يُدخلون على صفوفكم من يشوّه نصاعة تحرككم بحركات شائنة أمام المسجد ليؤثروا على النفوس التي تأبى تدنيس بيت الله، وتارة يستقدمون أناساً يرفعون شعارات استفزازية ضد الرموز الدينية ليثيروا الغرائز والعصبيات في شريحة تكن احتراماً لها، ومرة يزايد ذوي السوابق السوداء في العمالة للعدو وممارسة الأعمال الإرهابية على الشرفاء ممن قدموا فلذات أكبادهم لدحر الصهاينة عن تراب الوطن ليغطّوا على تاريخهم الأسود.

إن التعامل بسلبية مع الجماهير الغاضبة المتعددة الطوائف والإنتماءات ومن مختلف المناطق المطالبة بلقمة العيش ومواجهة الفاسدين وناهبي ثروات الشعب لا يفيد أحداً بل يزيد الشرخ بين أبناء الوطن الواحد وهذا ما يريده أعداء المقاومة ولبنان، ويدفع بقسم من الناس إلى أحضان المتآمرين من حيث لا يريد المخلصون وإذا تأخر التنبّه للمخاطر الحقيقية المحيطة بالأمة والمقاومة فقد تفوت الفرصة ولا ينفع حينئذ الندم.