2019-10-24 15:02:19

انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 وجه لبنان الذي يتغير / كتب المحرر السياسي لـ((الشراع))

انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 وجه لبنان الذي يتغير / كتب المحرر السياسي لـ((الشراع))

انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 وجه لبنان الذي يتغير / كتب المحرر السياسي لـ((الشراع))

انتفاضة 17 تشرين الأول 2019: وجه لبنان الذي يتغير

كتب المحرر السياسي لـ((الشراع))

مجلة الشراع 25 تشرين أول 2019 العدد 1922

 

وجه لبنان يتغير.

هذا العنوان هو الأبرز لما يشهده الشارع اللبناني منذ السابع عشر من الشهر الجاري وحتى الآن.

 التغير فرضته الانتفاضة الشعبية الواسعة العابرة للفئويات والاصطفافات والانقسامات المعروفة طائفياً ومذهبياً ومناطقياً وحزبياً. وهي الأولى في تاريخه بصفتها الجامعة والمجسدة لوطنية جامعة بزخم استثنائي يتوخى الوصول الى ما يضمن بناء شبكة امان وطني قاعدتها الامن الاجتماعي.

وبصرف النظر عما ستؤول اليه هذه الانتفاضة, سواء تحولت الى ثورة بكل ما تعنيه الكلمة تطيح بالنظام ككل, وهو امر مستبعد لأسباب كثيرة, او الى فوضى كاسحة تحرق الأخضر واليابس في بلاد الأرز وهو أمر وارد, او تحولت الى محطة يستطيع معها الطاقم السياسي اللبناني الرسمي وغير الرسمي وقف المد الجارف لهذه الانتفاضة وهو الأمر المرجح حتى الآن, فإن وجه لبنان الجديد سيتجسد في الفترة القريبة المقبلة بعدم اختصار الحياة العامة من الآن وصاعداً بعدد من الزعامات لا يتجاوز عدد أصابع اليدين, تستقيم الأمور عندما تتفق وتتدهور الاوضاع اذا اختلفوا على قضية او ملف في سياق من المنطق السائد القائم على المحاصصة وما شابهها من بدع لنهب الاموال العامة وهدرها.

الوضع الجديد لا يعني انفراط هذه الزعامات او اقفال بيوتات سياسية قديمة ومستجدة, إلا أنه يشير الى ان حسابات هذه الزعامات والبيوتات ستعنى من الآن وصاعداً بما قد ينتج من ردات فعل على أدائها, في ظل حالة انعدام الثقة القائمة بينها وعلى اختلاف تلاوينها وبين مجموع الشعب اللبناني الذي صار لوطنيته ما يشد عضدها من خلال لقمة العيش ورغيف الخبز والليرة اللبنانية, بعيداً عن الشعارات الحزبية او الطائفية او المذهبية.

ولذلك فإن الوضع الجديد يتجاوز كل ما قيل ويقال عن الخاسرين مما يجري, من عهد او حكومة  او مجلس نيابي او زعامة في هذه المنطقة او تلك او في هذه الطائفة  او تلك, بل يطال كل المستفيدين من مرحلة ما بعد انتهاء الحرب في لبنان والتي استمرت بعد العام 2005 وما رافقها من اصطفافات بين ما سمي قوى الثامن والرابع عشر من آذار/ مارس بأشكال مستحدثة, لتبدأ مرحلة جديدة بكل ما للكلمة من معنى تفرضها التحولات الاجتماعية والثقافية الحاصلة في مواجهة طبقة سياسية لا تدرك الكنه الحقيقي  للمتغيرات في عالم اليوم والاجيال الصاعدة ووسائل التواصل. ولعله لم يكن من المصادفة في هذا المجال ان يكون السعي لفرض رسم على خدمة ((الواتس آب)) الشرارة التي اطلقت التحركات الشعبية من كل المناطق والاعمار والانتماءات وحتى من كل التيارات السياسية التي كان الاعتقاد السائد بأنها خارج الهزات.

التحركات الشعبية عبرت أساساً وفي الأصل عن الصرخة العارمة من الأوضاع المعيشية التي باتت تقارب المستحيل على أكثر من مستوى وفي غير مجال وجاءت تعبيراً عن تراكم الوجع من تزايد حالة الفقر ومن صعوبة تأمين أبسط الحقوق والمتطلبات من تعليم وطبابة ومن تزايد البطالة بنسب مخيفة وتحول الجامعات الى مراكز لتخريج العاطلين عن العمل, وكل ذلك وسط الارتفاع غير المسبوق في نسبة العجز وزيادة الهدر وسرقة المال العام وسيادة منطق المحسوبيات وفي الوقت نفسه في ظل انعدام حصول المواطن على أبسط التقديمات الواجب على الدولة تأمينها من مياه وكهرباء ومعالجة مشاكل النفايات وما الى ذلك من أبسط ما ينبغي على دولة تقديمه لمواطنيها.

وبالطبع فإن خلفيات الحراك الشعبي ليس لها صلة بأي طابع تآمري من جهة سفارة او دولة او جهاز استخباراتي أجنبي - وان كان جميع هؤلاء يهتمون حالياً بما يدور للبناء عليه-, ولم يستطع أحد من الطبقة السياسية السائدة ان يوجه اتهاماً موثقاً بهذا الصدد على هذا الصعيد للمتظاهرين كما كان يجري في مرات سابقة, علماً ان ما كان يسمى هيئات المجتمع المدني لم يكن لها دور في ما حصل ويحصل نتيجة أدائها واخفاقها السابقين وارتسام علامات استفهام عريضة حول خلفياتها. وكان لافتاً تصدي المتظاهرين والمحتجين لكل محاولات الدخول على موجة الاحتجاجات لتحصيل مكسب او لركوب الموجة, وما حصل مع النائب السابق مصباح الأحدب في طرابلس مثال على ذلك.

من ضمن ما تشير اليه الاحتجاجات في خلفياتها ان الشرائح الاجتماعية والشبابية على وجه الخصوص لم تعد أسيرة ما هو معهود سابقاً وانها بفعل تطور وسائل التواصل الاجتماعي التي صارت خبز اليوم بالنسبة للمواطن لا سيما للاجيال الصاعدة والشابة استخدمت هذه الوسيلة للاحتجاج والتجمع وتنظيم ما تقوم به.

ويمكن القول نتيجة ما حصل ان ما من رابح مما يجري من تظاهرات وتجمعات واحتجاجات شعبية  متدحرجة متصاعدة منذ السابع عشر من الشهر الجاري وحتى الآن سوى المواطن اللبناني, أقله على مستوى ما حصل عليه من التزامات من أركان السلطة والاحزاب السياسية بأن لا ضرائب جديدة ستفرض على الفقراء وذوي الدخل المحدود. وعلى مستوى الورقة الاصلاحية المعلنة التي يبقى أمرها مرهوناً بالتنفيذ لضمان الوصول الى واقع او وضع جديد أقل سوءاً من الوضع الحالي ولضمان ان لا يفضي حراك اليوم الى أوضاع قد يتم الترحم فيها على ما كنا نشهده لا سيما على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي.

وثمة الكثير مما يقال اليوم عن خلفيات الحراك المستمر, وعن انه جرى التحضير لما يجري من خلال افتعال سلسلة أزمات متسلسلة خلقت مناخات للاحتجاجات أولها تراكم العجز عن حل أزمة النفايات والاستمرار في أزمة الكهرباء والمياه وثانيها ما استجد مؤخراً عن أزمة انقطاع البنزين واضراب أصحاب المحطات ومن ثم اصحاب الأفران نتيجة شح الدولار في الأسواق ووجود سعرين له وصولاً الى ما ظهر من عجز وشلل  في اطفاء حرائق من المرجح ان تكون مفتعلة, قبل ان تصل الأمور الى نقطة الذروة التي فجرت الاحتجاجات من خلال ما كان مطروحاً من ضرائب يراد فرضها على الفقراء وذوي الدخل المحدود. وهو مسلسل ازمات لا يمكن  توجيه اللوم ازاءه الا الى اركان السلطة السياسية التي بات واضحاً انها كانت تعيش حالة انكار مرضية لما يدور في الواقع, وعدم تقدير العواقب التي يمكن ان تنجم عن أدائها القاصر عن تأمين الحد الأدنى من حقوق الناس ومتطلباتهم.

وثمة رهان على ان تبدأ الطبقة السياسية اليوم بالخروج من حالة الانكار المرضية والاقلاع عن كل ما طبع ممارساتها خلال الفترة السابقة من كلام استهلاكي عن لبنان القوي والجمهورية القوية وما شابه ذلك من شعارات لم تعد قابلة للصرف, والتخلي عن ادعاء الاصلاح و المزايدة في مواضيع مكافحة الفساد ووقف الهدر واستعادة الاموال المنهوبة.

 واقرار الورقة الاصلاحية في مجلس الوزراء قد يكون أول المؤشرات على الخروج من حالة الانكار المرضية, وهي حالة من الانصاف القول انها لا تشمل كل أركان الطبقة السياسية، خصوصاً وان بعضهم كان أطلق الصرخة تلو الصرخة من أجل احتواء ما يجري وإعلان حالة طوارئ اقتصادية الا ان المماحكات والصراعات المعروفة أدت الى التأخر في اقرار ما لم يقر الا بعد تحرك الشارع. ولذلك قد يكون من الظلم التعامل مع الكل بالوتيرة نفسها من التشهير والشتم والسباب, رغم ان لا مبررات في أي تحرك حضاري وسلمي لأي شكل من أشكال السباب والشتائم.

هل يمكن القول ان قطار الاصلاحات انطلق وان صفحة الاحتجاجات ستطوى؟ أم ان الأمور يمكن ان تتصاعد في اتجاهات سلبية غير مأمونة العواقب في حال استخدام ما يحصل في اطار صراعات الخارج؟

من المبكر الاجابة على هذه الاسئلة, الا ان المؤكد هو ان وجه لبنان يتغير وان ما كان معمولاً به قبل السابع عشر من الشهر الجاري لن يكون مقبولاًَ بعده, وان هذا التاريخ أي السابع عشر من تشرين الأول/  اكتوبر تحول الى محطة بارزة في تاريخ لبنان سواء أفضت الى الاصلاح المنشود او دفعت باتجاه  أوضاع سيئة غير مسبوقة تلوح في الأفق في حال استمر الخلط بين الاحتجاجات المبررة والمطلوبة وبين قطع الطرقات غير المبرر وتعطيل حياة الناس ومصالحهم مع ما يرافق ذلك من محاولات البعض للدخول على خط الأحداث لتنفيذ ((أجندات)) أقل ما يقال فيها انها وصفات جاهزة للتدهور والفوضى.