2019-10-21 14:19:51

لكي لا تُجهض الإنتفاضة الشعبية / مجلة الشراع 21 تشرين أول 2019 العدد 1922

لكي لا تُجهض الإنتفاضة الشعبية / مجلة الشراع 21 تشرين أول 2019 العدد 1922

لكي لا تُجهض الإنتفاضة الشعبية / مجلة الشراع 21 تشرين أول 2019 العدد 1922

لكي لا تُجهض الإنتفاضة الشعبية  

مجلة الشراع 21 تشرين أول 2019 العدد 1922

 

وأخيراً تفجر الغضب الشعبي، وتحرر الناس من القيود الطائفية والمذهبية والحزبية والعشائرية والعائلية وباقي ألوان الأغلال التي كانت تكبلهم.

وأخيراً خرج الناس استجابة للوجع العام الذي لا يعرف حداً ولا يقتصر على طبقة أو طائفة.

ما أروع هذا المشهد الكاسر للقيود التي كانت تأسر حتى اليوم الحركة المطلبية في لبنان، فإذا طالب طرف شيعي برفع الظلم تعصب السني للظالم، وإذا نادى السني بالعدل تعصب ضده الشيعي للجائر، وإذا أراد مسيحي أن يتساوى اللبنانيون في الحقوق والواجبات ولا يكون في لبنان أبناء ست وأبناء جارية قامت قيامة أصحاب الإمتيازات ضده وأخرجوه من الطائفة.

أما اليوم فلا أحد خارج الساحة، الشيعي إلى جانب السني، والمسيحي يعاضد المسلم، والساحات في كافة المناطق اللبنانية مليئة بالناس من دون أية صفة طائفية أو لون مذهبي، ولا ندري كبف يمكن لأصحاب السلطة إجهاض هذه الثورة كما أجهضوا الحراك الشعبي من قبل والذي انطلق تحت شعار " طلعت ريحتكم " وكذلك تمت السيطرة أو الإلتفاف على كافة الحركات المطلبية في لبنان منذ عقود بوسائل وطرق خبيثة لا يمكن التنبؤ بها، لذلك يجب على جميع المشاركين في الثورة الشعبية هذه المرة أن يحذروا من المؤامرات التي تُحاك ضدهم والحيل التي يمكن أن يلجأ إليها الفاسدون لإفراغ هذه الحركة الشعبية الخالصة من مضمونها أو حرفها عن مسارها أو استيعابها بدسّ رموز فاسدة في صفوفها لمصادرة شعاراتها وتطهير الأشخاص الفاسدين أنفسهم.

يقال أن سارقاً انفضح أمره بعد سرقته لأحد الأماكن ولاحقه الناس منادين: حرامي حرامي، ولما أحس بقرب إمساك الناس به بادر إلى حرف المسار وصار هو أيضاً يصرخ بصوت أعلى: حرامي حرامي، فضاعت الطاسة وصار الكل يصرخون: حرامي حرامي، دون أن يتمكن أحد من القبض على السارق لتلبس الأمر ومزايدة الحرامي الحقيقي على المطالبين بالقبض عليه، وانتهى الأمر ونجا السارق من بين الحشود.

واليوم نرى بعض الفئات والتكتلات والأحزاب المتورطة في الفساد حتى نافوخ رأسها من مختلف الطوائف ترفع الصوت بمعارضة الفساد وتقدم اقتراحات لمواجهة الفساد والقضاء على الفاسدين وهي التي نهبت ولا تزال مليارات الدولارات من مال الشعب وتتنعم هي وعائلتها وحاشيتها بتعب المواطن الفقير، ولما تفرغ الخزينة تلجأ الدولة للإستدانة والقروض بالفوائد باسم الشعب من المصارف والدول الأجنبية فتقيّد الأجيال المقبلة بالديون وفوائدها المتراكمة وتفرض على المواطنين لعقود سدادها وترهن الوطن للأجنبي الدائن، في حين يتنعم الرؤساء والوزراء والنواب وأصحاب المناصب الحاليون والسابقون في الوقت الحاضر بتلك الأموال ويشترون بها القصور واليخوت والسيارات الفارهة ويودعون ما يسرقون من الشعب بأسمائهم في البنوك، فتُطلب القروض من الدول والمصارف الأجنبية باسم الشعب اللبناني لكنها تعود إلى تلك الدول والبنوك مسجلة باسم الأشخاص النافذين بمختلف الأسماء والصفات.

لذا لا بد من البحث عن صيغة تسد الطريق على " الحرامية " وتمنعهم من مصادرة الثورة الشعبية الشريفة، وطرح بدائل تمنع المسئولين من التمادي في نهب المال العام بذرائع مختلفة، والكفّ عن طرح شعارات مطاطة يسهل الإلتفاف عليها وتمييعها والإيهام للمتظاهرين بأنهم حصلوا على مطالبهم.

إن النظام الطائفي الحاكم في لبنان قائم على الفساد من رأسه إلى أخمص قدميه؛ فالنواب الذين هم مصدر كافة السلطات يأتون من خلال نظام الكوتات الطائفية والتقسيمات المناطقية والتحالفات الحزبية والركوب في البوسطات واللحاق بالزعامات والولاء لهذه الدولة وتلك وأخيراً تحريك العصبيات  بكافة ألوانها وشراء الأصوات والتصويت عن الأموات، ورئيس الجمهورية يأتي بانتخاب هؤلاء " الشرفاء " من خلال تحالفات وصفقات وضغوط وتهديدات، ورئيس مجلس الوزراء أيضاً يختاره هؤلاء النواب ويعيّنه رئيس الجمهورية، وأعضاء مجلس الوزراء كذلك يتشكلون من النواب أنفسهم أو من أزلامهم، والمدراء العامون ييتمّ تعيينهم بالتوافق بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب، ورؤساء الصناديق بمختلف أسمائها يختارهم رئيس مجلس الوزراء بالتوافق مع رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب.

إذن المشكلة في أساس النظام السياسي والذي يأتي برأسي السلطة التنفيذية أي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء من خلال نواب يأتون هم بشراء الأصوات واستغلال حاجة وعواطف الشعب وتزوير إرادة الناس، ثم تكرّ السبحة التي ذكرناها أنفاً، وللخروج من هذا النظام الفاسد الذي طالما يردد المتظاهرون: " الشعب يريد إسقاط النظام " لابد من السير باتجاه انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب المقيم والمهاجر وبعيداً عن القيد الطائفي، ليكون إمكانية التحكم بالمسار الإنتخابي مستحيلاً تقريباً ويخرج من الصناديق من يختازه الشعب بملء إرادته، ثم يشعر الرئيس الآتي بأصوات الشعب بضرورة الوفاء بوعوده له، ويصعب السيطرة عليه من النواب لأنه لم يصل إلى الرئاسة بفضلهم، ولا يكون طائفياً لأنه قد جاء بأصوات أكثرية المواطنين من كافة الطوائف.

إن المطالبة بهذا الأمر ليس مستغرباً وليس جديداً، فقد تردد كثيراً مطلب انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب مباشرة على ألسن مختلف الأفرقاء في فترات متعددة، لكن تمّ السكوت عنه وتجاهله بعد حين لأن غالبية المنادين به لم يكونوا صادقين في رفعهم لهذا الشعار، ولفد طالب رئيس التيار الوطني الحر ميشال عون مثلاً بانتخاب الرئيس من الشعب، لكنه لما استطاع ضمان الوصول إلى المنصب بالتحالف مع النواب بالطريقة التي يعرفها الجميع لم يعُد يتفوّه بهذه الكلمة أبداً.

إن الإصرار من جانب المتظاهرين على مطلب انتخاب رئيس الجمهورية وعدم الإكتفاء بالحلول الترقيعية هو السبيل إلى الخروج من دوامة الفساد الذي غرق فيه جميع الأطراف والطوائف والأحزاب بلا استثناء، فلو قبل فرضاً المسئولون كلهم اليوم بكافة مطالب الحشود المتظاهرة في الساحات وشعر الناس بالإنتصار وتفرقوا على أمل العيش الكريم، فمن يضمن الوفاء بهذه الوعود وقد اعتاد جميع الرؤساء والوزراء والنواب دون استثناء وفي كل العهود على الكذب ؟.

إني أرى الفرصة الآن سانحة جداً للإصلاح الحقيقي في النظام السياسي في لبنان وطرح البديل الذي يقطع أيدي السارقين ويمنع الفساد ونهب الثروات، وإذا لم تُستغل هذه الفرصة لفرض التغيير الحقيقي فلا ندري متى يمكن حشد هذه الجموع مرة أخرى وكم من الظلم يجب أن يمارسه الحاكمون ليتحرك الناس من جديد ويملأوا الساحات بهذه الكثافة متجاوزين الطوائف والمذاهب والأحزاب والزعامات.

يقول الإمام علي عليه السلام: " انتهزوا فرص الخير فإنها تمرّ مرّ السحاب".

س ص م