2019-10-17 13:12:15

رسالةُ كردية إلى المراهنين على أمريكا / بقلم السيد صادق الموسوي

رسالةُ كردية إلى المراهنين على أمريكا / بقلم السيد صادق الموسوي

رسالةُ كردية إلى المراهنين على أمريكا / بقلم السيد صادق الموسوي

رسالةُ كردية إلى المراهنين على أمريكا / بقلم السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 18 تشرين أول 2019 العدد 1921

 

نقلت وسائل التواصل الإجتماعي فيلماً قصيراً عن تقديم فتاة كردية لحم كلب لوزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو قائلة له:كل من لحم الكلب لعله يجعلك وفياً كالكلاب.

يمكن أن يُنظر عابراً إلى هذا التصرف من هذه الفتاة ولا يُستخرج منه معنى عميقاً، لكننا إذا دققنا النظر إليه نجد فيه صاعقة على رؤوس قادة أمتنا العربية والإسلامية الذين يراهنون على الوعود والضمانات والحمايات الأمريكية فيرتبون قيامهم وقعودهم ورضاهم وسخطهم وفقاً للتوجه الأمريكي فلا يتخذون صديقاً إلاّ بعد كسب الإذن من سيد البيت الأبيض، ولا يأخذون موقفاً سياسياً من قضية مهما كانت صغيرة إلا بعد الإتصال بالسفير الأمريكي لدى دولهم وأخذ موافقته، لكن ما جرى بين الأكراد والولايات المتحدة من إرتمائهم والرهان على الدعم والمساندة من الولايات المتحدة من قبلهم وتخلي أمريكا في ساعة العسرة عمن وثق بهم وتركهم مكشوفين بين نارين، نار الدولة السورية ونار الدولة التركية، وبالنتيجة الغدر بمن اطمأنوا للوعود الأمريكية وبنوا أحلاماً بالنسبة لمستقبل المجتمع الكردي اعتماداً على الغطاء الأمريكي، وإذا بهذه الغطاء يُرفع من خلال تغريدة بسيطة على تيوتر لا أكثر، وكانت تلك التغريدة بمثابة الضوء الأخضر ليخلو الساحة ويعلن اردوغان بدء حملته العسكرية على المناطق الخاضعة للأكراد في الأراضي السورية المحاذية والقريبة من الحدود التركية.

أمام هذا السلوك الأمريكي مع طرف وضع مصير شعب بكامله في يد الولايات المتحدة وربط كيانه بالسياسة الأمريكية وفتح ذراعه للجنود الأمريكيين يصولون ويجولون حيثما يشاؤون في مناطق وجوده، هل من العقل بعد ذلك الثقة من جانب أية دولة عربية وإسلامية بهذه الدولة، وهل يُعقل أن يسير زعيم عربي وإسلامي وراء هذه الدولة ويتبع سياساتها ويرهن مصيره الشخصي ومصير شعبه بإرادة هذه الإدارة؟

إن التجربة الكردية مع الولايات المتحدة والغدر بهم ليستا الأولى، ففي لبنان أيضاً جاءت الأساطيل الأمريكية وحتى الأوروبية لتساند الإحتلال الصهيوني العام ١٩٨٢ ووثق كثيرون من القيادات اللبنانية يومئذ بالسياسة الأمريكية وراهنوا على دعمها لهم وبأمر من الولايات المتحدة تحالفوا مع الكيان الصهيوني وعقدوا اتفاق صلح ذليل معه وفتحوا له مركز قيادة في عمق الأراضي اللبنانية، لكن تلك الأساطيل انسحبت بضربة مجاهد، والصهيوني اضطر للإنسحاب الذليل بضربة مجاهد آخر،  والمراهنون عليهما خابت آمالهم وفشلت رهاناتهم وشمت بهم أعداؤهم وسخر منهم خصومهم؛ لكن الغباء من جانب بعض الزعماء في بلاد العرب والمسلمين يجعلهم وبعد هاتين التجربتين المُرّتين يرمون أنفسهم من جديد في الحضن الأمريكي ويربطون مصير بلادهم وشعوبهم بهذه الدولة الغادرة من خلال الإرتهان لسياسات الولايات المتحدة ويفتحون بلادهم أمام جحافل الجنود الأمريكيين بدعوى مواجهة خطر الجمهورية الإسلامية الإيرانية والتصدي للمدّ " الشيعي " المزعوم، مع أنهم يسمعون الرئيس الأمريكي يصرح كل صباح وكل مساء وبالفم الملآن بأنه يبحث عن المفاوضات مع إيران، ويتجنب الصدام معها ويرفض خوض الحرب معها، ولم يكتفِ بذلك بل يرسل الوسطاء واحداً تلو الآخر لكي توافق طهران ولو على مجرد لقاء بروتوكولي مع الرئيس الإيراني على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة فلم يقبل الطرف الإيراني، ويرضى أخيراً بأن يجيب الرئيس روحاني على إتصاله الهاتفي فلم يوافق، وقبل ذلك كان أوفد عضو الكونغرس لدعوة وزير الخارجية الإيراني إلى البيت الأبيض والإلتقاء به لكنه ووجه بالرفض، وهاهو يوفد في الأيام الماضية رئيس وزراء الباكستان ليستغل صداقته مع الجمهورية الإسلامية لعله يقدر على تليين الموقف الإيراني، ومن قبل كان توسيط رئيس وزراء العراق ليحاول تخفيف التوتر بين الجانبين، ومن قبل كان توسيط رئيس وزراء اليابان حاملاً الضمانات برفع كامل العقوبات في حال حصول اللقاء؛ لكن قادة الجمهورية الإسلامية لا يُلدغون من الجحر الأمريكي مرتين استناداً للحديث الشريف " لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين " فهم وقّعوا مع الدولة الأمريكية ومعها فرنسا وبريطانيا وروسيا والصين وألمانيا إتفاقاً ووافق عليه مجلس الأمن الدولي بالإجماع وأصدر فيه قراراً، لكن يأتي رئيس أمريكي معتوه فاقد للتوازن العقلي بتأكيد عشرات المسئولين الأمريكيين فيمزق الإتفاق وينكث بالعهد ويسخر من القرار الأممي ولا يحترم حتى حلفاءه في حلف " الناتو ".

إن التصرف الأمريكي هذا والتعامل الإيراني معه يحملان دلالات ينبغي للقادة العرب خصوصاً الإستفادة منها:

١ـ إن القادة الأمريكيين لا يحترمون آية اتفاقيات ومعاهدات ثنائية أو إقليمية أو دولية، بل تُعقد الإتفاقيات بناء على مزاج رئيس ويأتي رئيس آخر له مزاج مغاير فيلغي ما عقده سلفه من إتفاق من دون أي عائق أخلاقي.

٢ـ إن الولايات المتحدة لا تحترم أي زعيم أو رئيس أو ملك يبدي التقرب منها، بل هي تحترم من يخاصمها ويتبرأ منها، والنموذجان أمامنا هما كوريا الشمالية والجمهورية الإسلامية الإيرانية حيث ذهب الرئيس الأمريكي للقاء زعيم كوريا الشمالية كيم جون أون مرتين ولم ينل منه شيئاً وهو لا يزال ينتظر رسالة فيها عبارات ودّ فارغة ليبديها للشعب الأمريكي مفتخراً بها، وفي الجانب الإيراني فهو منذ اليوم الأول لتبؤ رئاسة الولايات المتحدة يمنّي نفسه بلقاء مع مسئول إيراني على أي مستوى كان لكنه لم يتوفق لذلك، وهو لا يزال يقول إن الإيرانيين يريدون اللقاء معه والإيرانيون على اختلاف تكتلاتهم يؤكدون كل يوم أن لا أمل أبداً باللقاء مع الرئيس الأمريكي الحالي على الأقل.

أما المتحالفون مع الولايات المتحدة فإنها تحتقرهم وتستعلي عليهم وتستغلهم وتبتزّهم في المال وتفرض عليهم اللحاق بها في جميع مواقفها من دون نقاش أو تردد، وترسل إليهم بجحافل الجنود والمستشارين وتفرض عليهم دفع الفاتورة المقدمة من قبلها من دون نقاش أو تأخير؛ ولما يحلو للرئيس الأمريكي يقرر الإنسحاب بتغريدة مختصرة وترك الساحة خالية ومصير قادة تلك الدول في مهب الريح ولا تأذن لقادة تلك الدول حتى بالوصول إلى الأراضي الأمريكية والعيش فيها بأموالهم التي سرقوها من شعوبهم وأودعوها في المصارف الأمريكية، والنماذج كثيرة لا يسع هذا المقال لذكرها.

فليفهم المراهنون على التعهدات الأمريكية جيداً معنى رسالة المواطنة الكردية إلى وزير الخارجية الأمريكي، وليعلموا أن القادة الأمريكيين يقتنون أجود وأغلى الكلاب ويُطعمونها أفضل أنواع الغذاء ويعتنون بها خير اعتناء، ولكنهم لا يتعلمون منها أدنى مراتب الوفاء.

السيد صادق الموسوي