2019-10-17 12:34:46

لا تغرنَّكم المظاهر/ بقلم الشيخ أسامة السيد

لا تغرنَّكم المظاهر/ بقلم الشيخ أسامة السيد

لا تغرنَّكم المظاهر/ بقلم الشيخ أسامة السيد

لا تغرنَّكم المظاهر/ بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 18 تشرين أول 2019 العدد 1921

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تَعْدُ عيناك عنهم)) الآية سورة الكهف.

إن العبرة عند الله تعالى بالتقوى فقد يكون المرء حسن الصورة حسن المظهر ولا يُساوي عند الله جناح بعوضة، وقد يكون خاملاً لا يُعرف لا مال له ولا شهرة ولا منصب ولكنه عند الله من أكابر الصالحين، ولذلك ينبغي لمن أراد أن يقترن بأحدٍ أن يَعْرضَ سيرته على الشرع فيرى هل يسير في طريق الصالحين ليكون مرضيًا عند الله، أم أن حاله تحسين الظاهر فقط لينظُر إليه الناس بعين التَّبجيل وما هو في حقيقة الأمر إلا كسرابٍ يحسبه الظمآن ماءً فإذا اقترب منه تبيَّن أنه كان واهمًا خلاف الصواب ولذلك قيل:
لا تأخذنَّ من الأمور بظاهرٍ                              إنَّ الظَّواهر تخدع الرَّائينا

فالعاقل لا يحكم على الناس بالفضل الكبير ولا بالقَدر الجليل لمجرد منصبٍ متقدِّمٍ أو صيتٍ ذائعٍ أو مالٍ كثيرٍ أو لكونه من القبيلة الفلانية أو عشيرة كذا أو ما شابه ذلك مما يراه البعض كافيًا للحكم على صاحبه بالتعظيم مع صرف النظر عن موافقة أفعاله ما يُرضي الله أم لا.

 

أكرمُ الناس أتقاهم

 

 إن معيار الفضل والكرامة عند الله تعالى إنما هو بالتقوى، ومن كان لله أتقى كان عند الله أكرم في أي بلدٍ كان ومن أي قوميةٍ كان كما دلَّ على ذلك القرآن الكريم، قال تعالى في سورة الحجرات: ((يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شُعوبًا وقبآئل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) وهذه حقيقة لا يغفُل عنها إلا الجاهل أو المكابر، وقد وقع في الآية أعلاه الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعليمًا للأمة بأن يربط الإنسان نفسه ويُثبِّتها مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي أي في جميع أوقاتهم آناء الليل وأطراف النهار. وقيل: ((المراد طرفا النهار فيدعون ربهم بالغداة أي أول النهار لطلب التوفيق والتيسير وبالعشي أي آخر النهار لطلب العفو والمغفرة)). وقوله تعالى: ((يريدون وجهه)) معناه رضا الله وطاعته. وقوله ((ولا تعدُ عيناك عنهم)) أي لا يجاوزهم نظرك إلى غيرهم والمراد النهي عن الازدراء بفقراء المؤمنين والإعراض عنهم لرثاثة زيِّهم والإقبال إلى الأغنياء لمجرد غناهم.

فكم من فقيرٍ أَجَلُّ عند الله تعالى من كثيرٍ من أصحاب الأموال والملك فعن أبي العبَّاس سهل بن سعدٍ الساعدي قال: ((مرَّ رجلٌ على النبي صلى الله عليه وسلم فقال (أي النبي صلى الله عليه وسلم) لرجلٍ جالسٍ: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجلٌ من أشراف الناس ((أي باعتبار ظاهره)) هذا والله حريٌ (جديرٌ) إن خَطَب أن يُنكح وإن شَفَع ((أي في أمرٍ)) أن يُشَفَّع (يُقبل منه لحسبه وظهور شأنه)). فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مرَّ رجلٌ آخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله هذا رجلٌ من فقراء المسلمين هذا حريٌ إن خَطَب أن لا يُنكح ((أي لفقره)) وإن شَفَع أن لا يُشَفَّع وإن قال أن لا يُسمع لقوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خيرٌ من ملءِ الأرض مثل هذا)) متفقٌ عليه. معناه هذا الذي احتقرتموه لفقره خيرٌ عند الله تعالى مما يَملأ الأرض من مثل هذا الذي فضَّلتموه عليه.

وحيث عُلم هذا دلَّ على أن الشأن ليس بمجرد المظاهر فإنك قد ترى الرجل يلبَس زيَّ أهل العلم ويتكلَّم في الناس بلسانٍ طلقٍ وهو بين العوامِّ معظَّمٌ ومفَخَّمٌ ولكن لا شأن له عند الله، وترى فقيرًا لا يؤبه له وهو عند الله من الأولياء المقربين. وبالتالي لا ينبغي الاغترار بالمظاهر فكم من شيخٍ ليس له من المشيخة إلا الاسم، وكم من أناسٍ يظهرون بمظهر العلماء وما هم من العلماء. فعلى مريد السلامة أن يعرض ما يسمعه أو يراه في الكتب على الكتاب والسنَّة، فإن وافق القرآن والحديث كان على الرأس والعين وإن خالف ذلك فهو مردودٌ على قائله سواءٌ كان شيخًا أم قاضيًا أم عاميًّا.

 

العبرة بحُسن الحال

 

إن العبرة بحسن الحال قبل حُسن الجسم والزيّ فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جنَاح بعوضة اقرءوا فلا نُقيم لهم يوم القيامة وزنا)). متفقٌ عليه. والمراد بالعظيم أي قدرًا في الدنيا، وهو مع ذلك لا يعدِلُ في المنزلة يوم القيامة جنَاح بعوضةٍ أي لا قدرَ له بالمرة إذ ليس له عملٌ صالح تثقُل به موازينه، ومصداق هذا في كتاب الله قوله تعالى: ((فلا نُقيم لهم يوم القيامة وزنا)) سورة الكهف. قال الطبري في ((تفسيره)): ((وإنما عنى بذلك أنهم لا تثقُلُ بهم موازينهم ((أي لعدم إيمانهم)) لأن الموازين إنما تثقُل بالأعمال الصالحة وليس لهؤلاء شيءٌ من الأعمال الصالحة فتثقل به موازينهم)). وعن أبي هريرة أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رُبَّ أشعث (ملبَّد الشعر)) أغبر ((غير مدهون بطيب ولا معتنٍ بشعَره)) مدفوعٍ بالأبواب ((أي لا قدر له عند الناس فهم يطردونه عن أبوابهم احتقارًا له)) لو أقسم على الله لأبرَّه)) ((أي لو حلف يمينًا بحصول أمرٍ طمعًا في كرم الله لأبرَّه بأن حقق الله له ذلك لعظيم منزلته عند رب العالمين وإن كان حقيرًا عند أكثر الناس))) رواه مسلم.

وبالجمع بين هذا الحديث والذي قبله نرى أن معيار المفاضلة عند الله تعالى بعيدٌ كل البعد عن المظاهر الخارجية للناس، فمن فهم هذه الحقيقة فليُقبل على ما يُرضي الله ثم لا يُبالي بعد ذلك بالقيل والقال فلقد قيل:

إعمل لنفسك صالحًا لا تحتفل               بظهور قيلٍ في الأنام وقالِ

فالخلقُ لا يُرجى اجتماعُ قُلوبهم              لا بد من مُثنٍ عليك وقالِ

ومعنى ((قالِ)) في البيت الثاني مُبغض.   

والحمد لله أولاً وآخراً.