2019-10-09 20:47:37

الكرد: مائة عام من الأوهام! بقلم محمد خليفة

الكرد: مائة عام من الأوهام! بقلم محمد خليفة

الكرد: مائة عام من الأوهام! بقلم محمد خليفة

الكرد: مائة عام من الأوهام! بقلم محمد خليفة

مجلة الشراع 11 تشرين اول 2019 العدد 1920

 

 

علاقات واشنطن بكل من تركيا والكرد تشبه علاقات الرجل بكل من زوجه وعشيقته. فهو يحب عشيقته ولكن مصلحته الثابتة مع الأخرى. قد يغازل الخليلة ويرسل لها هدايا ثمينة أكثر مما يهدي زوجه , ولكنه في لحظة الفصل سيفضل شريكة عمره ويتخلى عن نزوته العابرة مع صاحبته.

كل من يعرف كيف تفكر الأمبراطورية العظمى وتتخذ قراراتها يعلم أن مصلحتها الاستراتيجية مع تركيا, أما الكرد فهم بالنسبة لها مجرد حلفاء عابرين, حتى لا نقول مرتزقة استعملتهم لقتال ((داعش)) وإزعاج ايران ونظام الأسد وزكزكة انقرة. أمام هذه الحقيقة الساطعة يبدو الكرد سذجاً جداً وهم يبدون استغرابهم من قرار واشنطن الانسحاب من شمال سورية, وقولهم إنها طعنتهم في ظهورهم.

 هذا القول سخيف ومردود على الكرد لأنهم ارتضوا بملء ارادتهم وكامل وعيهم دور الغبي في صراعات الشرق الاوسط, وكرروا هذا الدور مرة بعد أخرى منذ مائة سنة على الأقل, ولذلك عليهم ألا يلوموا سوى أنفسهم.

في مطلع القرن العشرين تنكر البريطانيون والفرنسيون لوعودهم للكرد وللعرب معاً , فلم يسمحوا للعرب بالوحدة, وحرموا الكرد من أي دولة حتى ولو صغيرة في شرق الأناضول. وكانت التجربة كافية ليتعلموا الدرس كما تعلمه العرب, ويدركوا أن الغرب ليس فارس أحلامهم, ولن يكون.

 إلا أن الكرد كرروا خطأهم عام 1946 حين أسسوا جمهورية مهاباد الأفلاطونية في شمال غرب ايران, ولكن الولايات المتحدة سرعان ما خانتهم وسمحت لعميلها محمد رضا بهلوي القضاء على الدويلة وإعدام رئيسها قاضي محمد, فهرب شريكه مصطفى البارزاني للعراق. وبعد عشرين سنة كرر هذا الخطيئة ذاتها, رغم انه عاش وعاصر التجربتين المريرتين السابقتين, فتحالف مع الشاه ومن خلفه أميركا واسرائيل ضد حكومة العراق, ولكن حلفاءه الثلاثة باعوه بثمن بخس عام 1975 مقابل اتفاقية شط العرب بين الرئيس صدام حسين والشاه, واضطر الملا أن يلجأ الى اسرائيل ويقضي أواخر أيامه فيها ويموت كمداً وحسرة.

وقبل عامين فقط, اعتقد مسعود ابن الملا مصطفى أن الكلام المعسول الذي يسمعه من سفراء الغرب يكفي لاتخاذ قرار الانفصال عن العراق, وإعلان الدولة القومية الكردية الأولى في التاريخ بمباركة العالم, وعندما خطا خطوته الفعلية الأولى بهذا الاتجاه وقف الغرب صفاً واحداً ضده.

 وفي الوقت نفسه تهيأ لكرد سورية بقيادة صالح مسلم أن خدماتهم لأميركا منذ عام 2013 ستجعلها تتعاطف معهم وتدعمهم ضد عرب سورية وضد حليفتها الأولى في الشرق الأوسط تركيا, ودرة تاج حلف الناتو على مدى سبعين عاماً, فخان الكرد أخوانهم ومواطنيهم العرب السوريين, وقتلوا الآلاف منهم متخيلين أنهم أذكى من بارزاني وقاضي محمد, ولكن الرئيس المقاول دونالد ترامب قطع عليهم تهيؤاتهم الجميلة وأيقظهم من سباتهم على واقع لا يقبل أضغاث الأحلام والأوهام التي تمثلت لفرسان المشروع القومي الكردي في شمال سورية, خصوصاً إذا جمح خيالهم وتصوروا أن ترامب سيقبل أن يعمل حارسا لهم ولمشروعهم , ويبقى جيش الامبراطورية الكبرى لتحميهم وتقاتل تركيا وروسيا وايران والعرب دفعة واحدة كرمى لعيونهم!!.    

اتخذ ترامب قرار سحب قواته من شمال سورية يوم الاثنين الماضي تاركاً الكرد يلاقون مصيرهم بين تركيا وروسيا, مكررين مشروعهم ((السيزيفي)) للمرة الخامسة في غضون مائة عام فقط.

ترامب سلم الملف السوري لروسيا وباع العرب بالجملة, فلماذا لا يبيع حفنة من الكرد أيضاً..؟!

على هؤلاء أن يفيقوا من سكرتهم ويعودوا الى حجمهم الطبيعي ويصححوا علاقاتهم التي خربوها مع الشعب السوري منذ بداية ثورة 2011 وخربوا العلاقات التاريخية بين الكرد والعرب في عموم المنطقة, برفضهم أن يكونوا جزءاً من ثورة السوريين ضد الأسد والغزاة الروس والفرس, وفضلوا المناورات القصيرة الأجل بين الشعب السوري الثائر والنظام المتوحش تارة, وبين اسرائيل والعرب تارة ثانية, وبين الاميركيين والروس تارة ثالثة, وبين ايران والعرب تارة رابعة, وبين العرب وتركيا تارة خامسة, حتى خسروا كل شيء, وانتهوا منبوذين من الجميع.

ترى هل تكفي تلك التجارب التراجيدية ليستوعب الكرد دروس التاريخ والجغرافيا, أم تراهم سيكررون في المستقبل الأخطاء ذاتها على طريقة سيزيف الأغريقي ويكبدوا شعبهم الأكلاف الباهظة لمغامراتهم غير المدروسة ومقامراتهم الخاسرة..؟؟