2019-10-09 18:56:40

انتفاضة العراق الثالثة: ثورة سياسية ناضجة / بقلم محمد خليفة

انتفاضة العراق الثالثة: ثورة سياسية ناضجة / بقلم محمد خليفة

انتفاضة العراق الثالثة: ثورة سياسية ناضجة / بقلم محمد خليفة

انتفاضة العراق الثالثة: ثورة سياسية ناضجة / بقلم محمد خليفة

مجاة الشراع 11تشرين اول 2019 العدد 1920

 

*شعارات ومطالب المحتجين تطال النظام وايران

*معلومات عن انشقاق الجيش, وانسحاب نواب من البرلمان, وعشائر تلتحق بالانتفاضة

 *عبدالمهدي يلوح بالاستقالة خوفاً من محاكمته

*غالبية المحتجين ((شيعة)) ضد الأحزاب والمراجع الدينية!

 

بقلم: محمد خليفة

 

مرة ثالثة منذ 2017 ينتفض الشعب العراقي في وجه نظامه, فضلاً عن مرات كثيرة لبى فيها دعوات بعض زعمائه السياسيين والدينيين للتظاهر في ساحات بغداد احتجاجاً على سوء أوضاعه المعيشية الاجتماعية والخدمية والادارية والاقتصادية والسياسية. ولكن انتفاضة تشرين الأول/ اكتوبر 2019 المستمرة حتى الآن مختلفة جذرياً عما سبقها, فهي:

-ثورة شعبية عارمة منظمة من قبل تنسيقيات ولجان لم تعلن عن نفسها حتى الآن, تفادياً للملاحقة والقتل, ولتتمكن من مواصلة قيادة التظاهرات التي اتسع نطاقها وامتدت الى عشرات المدن من بغداد, وحتى البصرة والقادسية وذي قار والنجف وواسط وميسان.. إلخ .

-ومن يدقق الصور والافلام التي بثتها كبريات القنوات العالمية ((بي بي سي)), و((سي إن إن)), وفرنسا 24 وغيرها)) سيلاحظ مستوى الغضب والتحدي في وجوه المحتجين, واستعدادهم للمواجهة والقتال إذا لزم الأمر ضد القوى الأمنية التي تعترضهم. ونقل الصحافي البريطاني باتريك كوبرن في تقرير كتبه من بغداد , ونشرته صحيفة ((أي)) يوم الجمعة 4 ت1/ أكتوبر بعنوان ((ارتفاع عدد القتلى مع تحدي المتظاهرين حظر التجول)). جاء فيه إن العراق على شفا انتفاضة حاشدة تسعى الحكومة لإخمادها بحظر صارم للتجول, وقطع للإنترنت والتعتيم على الأحداث. ويلاحظ الكاتب أن الانتفاضة هزت بغداد وامتدت فوراً للمدن الجنوبية. ويصف رد فعل السلطة منذ اليوم الأول بالرد الشرس. ويقول إن المحتجين في مدينة الصدر ذات الأغلبية الشيعية هاجموا الإدارة البلدية وأضرموا النار في مقر حزب الدعوة، ويقول الأطباء إن نحو 600 شخص أصيبوا في يوم واحد بالرصاص الحي الذي أُطلق على الرقبة والصدر. وتجاوزت الحصيلة في يومها السادس المائة قتيل والستة آلاف جريح, وهو رقم كبير جداً يوضح حجم الغضب وحدة المجابهة .

-ويسجل المراسل إن معظم المحتجين تقل أعمارهم عن العشرين, لم يعيشوا عهد صدام حسين. ويقول إن التظاهرات بلا قيادة معلنة ولا برنامج محدد, ولكنها تلقى تأييداً كبيراً من كل أطياف المجتمع من المناطق الشيعية الفقيرة, إلى الشرائح الغنية, كالأطباء والمهندسين الذين يرسلون رسائل دعم وتأييد. وصدرت بيانات عديدة لتنظيمات غير معروفة سابقاً تقول إنها تشارك في تنظيم الاحتجاجات, مثل (المتظاهرون الأحرار )) و((ثوار الكرامة)).

-وينقل ناشطون سياسيون أن التشكيلات الأمنية كافة تتصدى للمتظاهرين من الشرطة والاستخبارات والجيش, الى الحشد والفصائل العسكرية.  ويقول ناشطون عراقيون إن آلاف العناصر من الحشد الشعبي نشروا على أسطح المباني لقنص المحتجين, وهؤلاء لا يرتدون زياً رسمياً, وملثمون, ويقومون بمطاردة أشخاص معينين لقتلهم. ويشيرون الى أن مدير استخبارات الحشد الشعبي المدعو أبو إيمان البهادلي قاد شخصياً الهجوم على محطتي ((العربية)) و((الحدث)) في بغداد, وأشعل النيران بهما. ولكن ناشطين آخرين قالوا إن الجيش العراقي أظهر تعاطفاً واضحاً مع المتظاهرين, وإن أعداداً من الجنود شاركوا المدنيين انتفاضتهم, وقاموا بحمايتهم من بقية التشكيلات. وذكرت بعض المصادر أن الجيش انقسم بين مؤيد ومعارض للاحتجاجات.

ونشرت صحيفة ((نيويورك تايمز)) تقريراً للكاتبة أليس جي روبن قالت فيه إن قوات السلطة العراقية كانت مجهزة ومدربة مسبقاً, للتعامل مع المتظاهرين بأقصى درجات العنف والوحشية كما إن اجهزة الحكومة المدنية غير مستعدة لتلبية مطالب شعبها. ووصفت الانتفاضة بأنها تعبير عن يأس تام بالطبقة السياسية الحاكمة.

-ورغم تواطؤ الحكومة والأحزاب المشاركة في السلطة منذ 2003, ووسائل اعلامها الرسمية على اظهار الانتفاضة باعتبارها حركة احتجاج ذات طابع اجتماعي ومعيشي فقط, فإن الطابع السياسي ظهر بقوة, كما  يدل على ذلك شعار ((ايران برا برا بغداد حرة حرة)) الذي تردد بقوة من المواطنين الشيعة قبل المواطنين السنة, وشعار ((الشعب يريد اسقاط النظام)) الذي يعد اللازمة الثابتة لجميع انتفاضات وثورات الربيع العربي بموجتيها الأولى والثانية منذ 2011, مما يضع هذه الانتفاضة في سياق الموجة الثانية للربيع العربي. ويؤكد هذا الطابع الوطني تعمد المحتجين مهاجمة مقار المنظمات السياسية والأمنية والدينية، بما فيها مقار تابعة لمقتدى الصدر وعمار الحكيم اللذين يحرصان على الظهور كمستقلين. وذكرت مصادر غير رسمية أن بعض المحتجين قد حاولوا استعمال القوة والسلاح ضد القوات العسكرية التي هاجمتهم لكن المنظمين منعوهم, محذرين من جنوح الانتفاضة للعنف المسلح من الطرفين إذا استمرت قوات السلطة في قمع المحتجين, لا سيما أن عشائر ومكونات اجتماعية أعلنت تأييدها للانتفاضة وانضمامها لها واستعدادها لحماية أبنائهم أو الثأر لهم من قتلتهم أياً كانوا.

النظام كله هدف المحتجين

           

محصلة ما سبق أن انتفاضة تشرين الأول الجديدة تنطوي على ثورة سياسية ضد النظام الذي نشأ بعد الاحتلال المزدوج الأميركي - الايراني للعراق بكل مؤسساته, فهي ثورة:

1 - ضد الحكومة لأنها فاسدة وعاجزة وحكومة محاصصة.

2 - وضد البرلمان الذي أثبت فشله بعجزه عن الاجتماع يوم السبت لمناقشة الأوضاع وتلبية مطالب الشارع, ثم أعلن بعض قادة الكتل البرلمانية تعليق عضويتهم فيه, ودعوا لانتخابات مبكرة, تهرباً من المسؤولية.

3 - وضد الأحزاب والقوى الطائفية والعسكرية المشاركة في أجنداته بالكامل.

4 – وضد المرجعيات الدينية وعلى رأسها مرجعية السيد علي السيستاني بسبب تأخرها في اعلان معارضتها الشرعية لقتل المحتجين وسكوتها عن استمرار الفساد في البلاد وعدم معالجة الأزمات التي ثار العراقيون عليها في السنين الأخيرة.

لقد ظهر هذا النظام هدفاً حقيقياً لغضب الشارع واحتجاجاته المتصاعدة منذ 2017. ولا يختلف اليوم عاقلان على أن الشعب العراقي بات أكثر حسماً ووضوحاً ورفضاً لكل ما انتجه الاحتلال الاميركي -الايراني طوال ستة عشر عاماً, وخصوصاً نظام المحاصصة الطائفية, والتبعية لايران, وسيطرة الأحزاب الدينية والطائفية وعصابات الحشد الطائفية التي تحمي اللصوص والفاسدين. ولذلك هاجم المتظاهرون مكاتب الأحزاب الطائفية الفاسدة, ولا سيما حزب الدعوة, وفصائل الحشد ورجال الدين فيها. ورفع المتظاهرون شعار ((لا نريد واحد ملتحي.. نريد واحد يستحي))!

ومن الواضح أن العراقيين باتوا على وعي تام بأن أسباب معاناتهم مرتبطة بهذا النظام الذي يسخر ثروات العراق لصالح إيران التي عملت بدورها وما زالت تعمل بكل قواها لوضع بلدهم تحت سيطرتها, تنهب ثرواته وخيراته, وتصرف فيه سلعها, وتستخدمه كساحة من ساحات الصراع الاقليمية مع أميركا واسرائيل, وتخطط الآن للزج به في صراعها الاقليمي مع الدولتين ومع العرب لتعميق عزلته وتبعيته لها.    

ولعل الأهم من كل هذه الحقائق المخيفة التي لا تخفى على أحد هو أن هذا النظام ظهر معادياً للعراقيين وعلى استعداد لقتلهم بكل الأسلحة وبوحشية إذا تمردوا عليه وعلى ايران التي اتسم رد فعلها على انتفاضة العراقيين بالخشية البالغة من تأثيراتها على الداخل الايراني وامكان تحريكها للشارع الايراني الذي يعاني جراء العقوبات الأميركية وإصرار النظام على مواجهة العالم كله! .

ويسجل في هذا الصدد أن إمام مسجد طهران اتهم في خطبة الجمعة 4 ت1/ اكتوبر انتفاضة العراقيين بأنها مؤامرة تحركها الولايات المتحدة واسرائيل ضد الجمهورية ((الاسلامية))!, وسرعان ما كرر ببغاوات العراق الاتهامات نفسها قائلين إن الانتفاضة يقودها عملاء وأعضاء من حزب البعث القديم, وأن مندسين تسللوا لصفوفها وحرفوها عن أهدافها المطلبية المشروعة. وحذروا أنهم ((على استعداد للقتال ضد ((المؤامرة)) بالسلاح دفاعاً عن ايران وعن نظامهم في بغداد. ما يعني أن قادة النظام لم يفهموا الدرس المتكرر منذ 2017 , وكرروا التحدي ودفن الرؤوس بالرمال والاستهانة بالشارع الذي أنهكته حالات الجوع وتفشي البطالة وشح الخدمات الاساسية, وخصوصاً الكهرباء والماء النظيف. وحتى نهاية الاسبوع الأول من الانتفاضة لم يفعل النظام سوى التضحية بمحافظ بغداد وتحميله المسؤولية عن ثورة بهذا الحجم وهذا العنف, ومواصلة الكلام عن مكافحة الفساد والتعهد بالاصلاح والاستعداد للاستماع لمطالب المحتجين. وسربت مصادر عديدة أن رئيس الحكومة عادل عبد المهدي أبدى استعداده لتقديم استقالته واستقالة حكومته, لكن جهات مسؤولة في النظام ضغطت عليه للبقاء لأن الظروف لا تسمح بخطوة كهذه قد تدفع البلاد لمزيد من الضعف والتفكك. إلا أن مراقبين لاحظوا أن عبد المهدي محاصر بالمتطرفين من حوله, وأنه رجل ضعيف فشل في تحقيق أي شيء من برنامجه الحكومي وهو مهدد بالسقوط الآن واللحاق بنوري المالكي الذي ارتبط اسمه بالمسؤولية عن ظهور داعش عام 2014, ولا يستبعد هؤلاء محاكمة عبد المهدي على قتل وجرح آلاف المتظاهرين خلال اسبوع واحد فقط!