2019-10-09 18:31:51

عَظَمةُ اللهِ أنه لا يشبه شيئًا / بقلم الشيخ أسامة السيد

عَظَمةُ اللهِ أنه لا يشبه شيئًا / بقلم الشيخ أسامة السيد

عَظَمةُ اللهِ أنه لا يشبه شيئًا / بقلم الشيخ أسامة السيد

عَظَمةُ اللهِ أنه لا يشبه شيئًا / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 11 تشرين اول 2019 العدد 1920

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى: ((ليس كمثله شيء)) الآية سورة الشورى.

قرأت منذ مدةٍ عبارةً كتبها أحدهم على بعض صفَحات التواصل الاجتماعي نصُّها ((عظمة الله أنه لا يُشبه شيئًا)) فأعجبتني جدًا وأعدت النظر فيها مرةً بعد مرةٍ ثم تفكَّرت في مضمونها فوجدتها جديرةً بأن يكتب الكاتب في معناها كلامًا كثيرًا، كيف لا وقد أفادت هذه الكليمات فائدةً جمَّةً ومن تأمل ما انطوت عليه عَرَف مدى بلاغتها وأدرك مدلولها العظيم، فإن الحق الذي لا ريب فيه أن الله تعالى منزهٌ عن مماثلة المخلوقين فلا يُشبه ربنا شيئاً ولا يُشبهه شيءٌ وهذا أصلٌ من أصول التوحيد يشهد لصحته العقل والنقل، إذ العقل يقضي بأن شبيهَ الشيء لا يُوجِدُ مثلَه فلو أشبه الله شيئًا لما استطاع أن يخلُقه، وفي هذا المعنى قال بعضهم:

قل للمشبهة الذين تجاوزوا                              حُجج العقول بكل قولٍ منكر

يا ويحكم قِسْتمُ صفات مَليككم                       بصفاتكم هذا قياس الأخسر

أيُقاس صانع صنعةٍ بصنيعه                             أيُقاس كاتب أسطرٍ بالأسطر

من قال إن الله يُشبه خلقه                              كانت مقالته مقالة مفتري

 

حقيقة التنزيه

ومن المعلوم عند ذوي الألباب أن المتماثلات يجوز عليها ما يجوز على بعضها فالجسم المتحرك يجوز عليه السكون، والجسم الساكن تجوز عليه الحركة، والجسم الكبير يجوز عليه أن يصغُر، والجسم الصغير يجوز عليه أن يكبُر وهكذا. وكل جسمٍ محدودٌ بحدٍ كبيرٍ أو صغيرٍ أو متوسطٍ وذلك من أمارات الحدوث بلا شك، إذ يستحيل في العقل أن يحُدَّ الشيءُ نفسه لأن معنى ذلك أنه خلق نفسه وهو مستحيل لأن فيه جمعًا بين مُتنافيين، فإنه لو قيل ((كذا من الأجسام أوجد نفسه)) فمعناه  أنه كان قبل نفسه باعتبار خالقيَّتِه وكان بعد نفسه باعتبار مخلوقيَّتِه وهذا مستحيل. وقد عرَّف أهلُ الحق الشيءَ بأنه الثابت الوجود سواء كان جسمًا أم عملاً والمعدوم ليس بشيء فاستحال أن يُبرز الشيءُ نفسَه من العدم فيكون القول بجواز أن يحُدَّ الشيءُ نفسَه ضرباً من الجنون.

فوجب إذًا إثباتُ تنزُّهِ اللهِ عن معاني الجسمية وصفات الجسم، ثم إن القول بالجسمية في حق الخالق عزَّ وجل يلزم منه نسبة الافتقار والحاجة، إذ الجسم ما له طولٌ وعرضٌ وسَمْكٌ وما كان كذلك كان مفتقرًا إلى الجهة والمكان إضافةً إلى احتياجه لمن خصَّه بهذا الحد، والعقل يقضي بأن كل ما جاز عليه تواردُ أمرين إذا اتَّصف بأحدهما فلا بد له من مخصصٍ خصَّه بتلك الصِّفة دون غيرها. فما جاز عليه الوجود والعدم والحركة والسكون والطول والعرض والسَّمك فلا بد له من مخصّصٍ خصَّه ببعض ذلك فيكون مقهورًا محكومًا لغيره سواء كان جسمًا كثيفًا وهو ما يُضبط باليد كالحجر والشجر والإنسان، أم لطيفًا وهو ما لا يُضبط باليد كالنور والظلام، وهو بنوعيه قابلٌ للانقسام والتجزئة فيتعدد، تعالى الله عن ذلك علُّوًا كبيراً.

ولذلك فإن وصف الله تعالى بالجسمية خروجٌ عن مقتضى العقل السليم الذي أمرنا ربُّنا باستعماله للوصول إلى النتيجة الصحيحة، قال الله تعالى: ((وقالوا لو كنَّا نسمع أو نعقلُ ما كنَّا في أصحاب السعير)) سورة الملك.

 

العقل شاهدٌ للشرع

ونرى مع ذلك بعض الناس لا يقبلون الانصياع لمقتضى العقل السليم وقد ناظرتُ مرةً أحدَ المشبهة بالدلائل العقلية فقال لي: ((كلامك صحيح ولكن عندنا آياتٌ وأحاديث)) ((يريد أن عنده من النصوص ما يدُلُّ على التشبيه بزعمه)) فقلت له: وهل هذه الآيات والأحاديث تُوافق العقل أو تُخالفه. فسكت ولم يرد جوابًا، وما ذاك إلا لأنه إن قال: تُوافق العقل، فقد نقضَ عقيدة التشبيه، وإن قال: لا توافق العقل، فقد زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى ما لا يُعقل وهذا من أعظم القدح في النبوات. ثم فكَّر برهةً فقال: ((اترك العقل))!!  فانظر أيها المنصف إلى أي حدٍ تمكَّن التشبيهُ في قلوب أهل الزيغ حتى صار الواحد منهم يُصرِّح بإهمال العقل وترك العمل بما يوصل إليه الفكر الصحيح. وهذا والله من أعجب العجب ويصدُق فيمن كان هذا حاله قول الله تعالى في سورة الأعراف: ((ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الإنس والجن لهم قلوبٌ لا يفقهون بها ولهم أعينٌ لا يُبصرون بها ولهم ءاذانٌ لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلُّ أولئك هم الغافلون)).

وهل عَرف الصحابة الحق وصدق القرآن واستدلُّوا على الهدى إلا بالعقل؟ فماذا يقول المشبِّه المجسِّم إن سُئل ((هل جاء الدين بما يوافق العقول أم لا؟)) فإن أقرَّ بأن الدين جاء بما يوافق العقل السليم فقد أبطل عقيدة التجسيم، وإن قال بخلاف ذلك فقد زعم أن الله كلَّف العباد بما لا يعقلون والإيمانَ بما لا يُعلم غير متأتٍ، فثبت أن الشرع لا يأتي إلا بمُجوِّزات العقول أي بما تقبله العقول السليمة وأن العقل السليم شاهدٌ للشرع، وبالتالي لا بد من الإذعان بحقيقة تنزيه الله عن المكان والجهة والجسمية. وخلاصة القول: إن الجسم محدود والمحدود محتاجٌ لمن جعله على هذا الحد والمحتاج عاجزٌ ولا تصح الألوهية للعاجز.

وأمامنا القرآن والسنة يشهدان بحقِّية التنزيه وبُطلان القول بالتجسيم أيضًا فوق ما قدَّمناه من الدليل العقلي فمن ذلك قوله تعالى: ((ليس كمثله شيء)) سورة الشورى. فهي أصرح آيةٍ في تنزيه الله عن مماثلة المخلوقين التنزيه الكليَّ. قال الرازي في ((التفسير الكبير)): احتج علماء التوحيد قديمًا وحديثًا بهذه الآية في نفي كونه تعالى جسمًا مركبًا من الأعضاء وحاصلاً في المكان والجهة وقالوا: لو كان جسمًا لكان مثلاً لسائر الأجسام فيلزم حصول الأمثال والأشباه له وذلك باطلٌ بصريح قوله تعالى: ((ليس كمثله شيء)).

وقال البيهقي في كتابه ((الأسماء والصفات)): ((استدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ((جزء من حديث رواه مسلم عن أبي هريرة)) وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان)).

وإذا عُلم هذا نقول: عظمة الله أنه لا يُشبه شيئاً.

والحمد لله أولاً وآخراً.