2019-10-03 13:19:39

لا تجعل ((الإنترنت)) إمامَك / بقلم الشيخ أسامة السيد

لا تجعل ((الإنترنت)) إمامَك / بقلم الشيخ أسامة السيد

لا تجعل ((الإنترنت)) إمامَك / بقلم الشيخ أسامة السيد

لا تجعل ((الإنترنت)) إمامَك / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 4 تشرين أول 2019 العدد 1919

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملَكم ورسُولُهُ والمؤمنون وستُردّون إلى عالم الغيب والشهادة فيُنبئكم بما كنتم تعملون)) سورة التوبة.

قد سبق وتكلمنا منذ مدةٍ عن مخاطر ((الإنترنت)) وما آلت إليه أحوال المجتمع بسبب سوء استخدام كثيرٍ من الناس لهذه الآلة التي يمكن أن يتأتى من خلالها نفعٌ عظيم إن أحسنَّا استعمالها وذلك في مقالٍ تحت عنوان ((الإنترنت ما له وما عليه)) فليراجعه من شاء، ولكنني أحببت أن أُتبع المقال السابق بمقالٍ آخر أتكلم فيه عن أمرٍ بالغ الخطورة ليكون الناس على حذرٍ وانتباه، وذلك أن كثيرًا من أفراد المجتمع لا سيما الشباب والشابَّات راحوا يلتمسون طلب العلم الشرعي من طريق غُرف ((الإنترنت)) أو يتنافسون في نشر مسائل وأحاديث وقَصصٍ لا أصل لها بالمرة وينسبونها مع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابة أو إلى بعض أهل العلم المشهورين، ولعل وراء بعض ما ينتشر من ذلك أصابع الصهاينة أو غيرهم من أعداء الأمة الذين يتربَّصون بنا الشر.

ونرى زيادةً على ذلك أن بعض الناس إن احتاجوا لمعرفة حكم مسألةٍ من المسائل يدخل أحدهم بعض المواقع ويتصفَّح الفتاوى المتعددة المنسوبة إلى بعض الشيوخ أو أشباه الشيوخ فلا يُدرك مقاصد الكلام ولا يتبيَّن تفاصيل الحكم ولا يفهم اصطلاحات العلماء، ولربما كان الكلام أحيانًا مجتزءًا أو خلا من بعض القيود التي تتعلق بهذا الحكم فضلاً عن كون تلك الفتاوى باطلةً وفاسدةً في بعض الأحوال.

العلم بالتَّعلم

إن كثيرًا إن لم نقل أكثر أصحاب المواقع الذين تنتشر كتاباتهم وتسجيلاتهم ومداخلاتهم عبر وسائل التواصل المختلفة ليسوا من أهل الاختصاص في العلوم الشرعية وليس مشهودًا لهم بالإلمام في علم الدين، بل قد يكتفي بعضهم بالنظر في بعض كتب الحديث أو الفقه أو أصول الفقه أو ببعض المسموعات لبعض المشايخ من غير أن يسبق لهم تلقٍ للعلم ودراسة لفنونه على النحو المطلوب، حتى رأينا من انقلب من عمل تصليح الساعات إلى اقتحام ما لا يُحسن في علم الحديث الشريف فراح يُصحِّح ويُضعِّف برأيه السقيم وليس له شيوخٌ ولا سندٌ ولا إجازاتٌ من الحُفَّاظ بل اكتفى بالنظر في الكُتب والصُحف وبرَّز نفسه في هذا الفن، وهو المدعو محمد ناصرالدين الألباني الذي أصدر بجهله فتوى يوجب فيها على أهل الضفة الغربية في فلسطين الخروج منها وتركها لليهود اقتداءً بزعمه بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم لم يتمكنوا من طرد الكافر منها كما في فتاوى الألباني، وهذا قياسٌ فاسد كمن يقيس البيض على الباذنجان.

 ومنهم من اقتحم باب الفتوى والتدريس ولا أهلية له كمحمد راتب النابلسي الذي قال في كتابه ((موسوعة أسماء الله الحسنى)): ((الإنسان عندما يمتلئ قلبه حبًا لفلان لأنه خير منه فقد أشرك)) وهذا تكفيرٌ للأمة لأن المؤمنين يعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم خيرٌ منهم ويعتقدون بغيرهم من الصالحين أنهم خير منهم، والأمثلة في هذا الصدد كثيرة. وهؤلاء إنما يفتقرون إلى الأمانة في النقل لأنهم إنما يقررون في حقيقة الأمر رأيهم ونظرياتهم ويريدون إدراجها تحت الدليل بلا دليل ويُحاولون تأييدها بالبرهان بلا برهان. وقد نصَّ الحافظ ابن الصلاح في ((أدب المفتي والمستفتي)): ((أنه لا يجوز استفتاء غير الثقة)).

 ولو رجع المتتبع لمقالات كثيرٍ من متمشيخي ((الإنترنت)) إلى كُتب أهل العلم المستأهلين أمثال الأئمة الأربعة وغيرهم لوجد اختلافًا عريضًا بين ما تحويه كُتب أعلام الأمة وبين ما ينشره متمشيخو اليوم عبر هذه الوسائل على اختلاف برامجها التي أضحت تغزو العقول والبيوت، وهي مع ذلك مواقع تقبل التزييف والتبديل بل والنشر تحت أسماء وهميةٍ وألقابٍ مستعارة لا تمتُ إلى أهل العلم الحقيقيين بصلة.

وحيث كان الأمر هكذا فعلى مريد السلامة في دينه ودنياه أن يحتاط غاية المستطاع فإن هذه الآلات لا تقوم مقام الشُيوخ ولا تحُلُّ محلَّ الأئمة ولا تُلغي الطريقة التي أرشد النبي صلى الله عليه وسلم طالب العلم إلى سلوكها فعن معاوية قال: ((سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا أيها الناس تعلَّموا إنما العلم بالتعلُّم والفقه بالتَّفقه ومن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)) رواه الطبراني.

ثم إن الناظر في كتب العلماء المعتبرين من فُحول الأمة يجد فيها: حدثنا فلانٌ وأنبأنا فلانٌ، ولا يجدُ فيها قرأتُ في كتاب كذا ولا نظرتُ في صحيفة كذا، وهذا يُوضح بما لا شك فيه أنهم سلكوا في طلب العلم المسلَك المشار إليه في الحديث.

 

((الإنترنت)) ليس إمامًا

وإذا ما كان المرء لا يكتفي في الطبِّ بالنظر في مواقع ((الإنترنت)) لمعالجة نفسه بمجرد أخذ الدواء من تلك المواقع ولا يكتفي بذلك في شؤونٍ كثيرة فبالأولى أن لا يجعل من هذه المواقع إمامًا له في دينه، فقد روى مسلم في صحيحه عن التابعي الجليل محمد بن سيرين أنه قال: ((إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم)). وروى الحافظ ابن الصلاح في ((أدب المفتي والمستفتي)) عن أبي حُصينٍ الأسدي أنه قال: ((إن أحدكم ليُفتي في المسألة ولو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر)) ومعناه أن المرء قد يستسهل أحيانًا الكلام في مسألة ما ولو رُفعت هذه المسألةُ لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لجمع أهل بدرٍ وهم أكابر شُيوخ الصحابة لسؤالهم في حكمها، فكيف يستسهل بعد ذلك امرؤٌ الدخول في الفتوى بمجرد رأيه المحض أو يكتفي بالنظر في بعض المواقع ويأخذ ما نُشر فيها دون العود إلى أهل العلم المعتبرين؟!!

ومن هنا فإننا نؤكد سلوك سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد قيل: ((لا وصول إلا على الأصول)) أي لا وصول إلى المقامات العلية والدرجات الرفيعة إلا بالسير على الأصول أي الطُرق الصحيحة المستفادة ممن قال الله تعالى فيه: ((وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى)) سورة النجم.

والحمد لله أولاً وآخراً.