2019-10-03 13:16:51

للمرة الأولى: الجزائر تخرق سياسة عدم محاسبة مسؤوليها! بقلم محمد خليفة

للمرة الأولى: الجزائر تخرق سياسة عدم محاسبة مسؤوليها! بقلم محمد خليفة

للمرة الأولى: الجزائر تخرق سياسة عدم محاسبة مسؤوليها! بقلم محمد خليفة

للمرة الأولى: الجزائر تخرق سياسة عدم محاسبة مسؤوليها!

بقلم محمد خليفة / مجلة الشراع 4 تشرين أول 2019 العدد 1919

 

*أحكام تاريخية بسجن شقيق بوتفليقة والجنرالين توفيق وطرطاق

*الشعب يطالب بإعدام المتورطين, وبتطهير جذري للدولة  

  *موعد جديد للانتخابات الرئاسية يوم 12 كانون الأول/ ديسمبر

 

بقلم : محمد خليفة

للمرة الأولى في تاريخ الجزائر الحديثة منذ استقلالها عام 1962 تخرج السلطة الحاكمة عن مبدأ راسخ في سياسة الدولة يعتمد سياسة اللاحساب واللاعقاب لأي مسؤول مهما كانت مخالفاته أو فساده. وللمرة الأولى تشهد الجزائر محاكمة عدد من كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين والعسكريين, وإصدار أحكام بالسجن والاشغال الشاقة لمدد تتراوح بين 15 و 20 سنة. وكانت المحكمة العسكرية قد اصدرت الاربعاء الماضي 25 ايلول/ سبتمبر أحكاماً غير مسبوقة في التهم الموجهة الى ثلاثة من كبار المسؤولين في الدولة العميقة خلال عهد رئيس الجمهورية السابق عبدالعزيز بوتفليقة, هم:

 شقيق الرئيس السابق ومستشاره الخاص سعيد الذي كان يدير الملفات الحساسة بدلاً منه.

رئيس أجهزة الاستخبارات اللواء محمد توفيق ((مدين)), والرجل القوي في النظام لمدة زادت عن ربع قرن, كان يعرف بأنه واضع وصانع سياسات الدولة الأمنية الأول, والذي كان اسمه يثير رعب الكبار قبل الصغار.

المسؤول عن التنسيق بين أجهزة الأمن في الرئاسة خلال عهد بوتفليقة اللواء بشير طرطاق.

وشملت الأحكام القضائية رئيسة حزب العمال لويزا حنون.

كما شملت وزير الدفاع السابق خالد نزار وأحد أبنائه, وصديقه رجل الأعمال فريد بن حمدين.

وتضمنت الأحكام الحبس خمس عشرة سنة على الأربعة الأوائل, وعشرين سنة مع الشغل للثلاثة الآخرين.

وكانت المحكمة بدأت جلساتها في 23- 9- 2019، في سرية تامة, ومنعت حضورها على المراقبين والمهتمين, ولم تسمح الا لعدد قليل من أقرباء المتهمين. إلا أن المحاكمة جرت وسط اهتمام شعبي واسع في الداخل واهتمام سياسي دولي كبير في الخارج نظراً للمواقع الحساسة والرفيعة التي شغلها المتهمون في عهد بوتفليقة أولاً, ونظراً لخطورة التطورات التي تشهدها الجزائر منذ نهاية ولاية بوتفليقة, وبداية الحراك الشعبي المدني المستمر منذ 22 شباط/ فبراير 2019.

 وقد رفض بشير طرطاق حضور الجلسة الأولى من المحاكمة والإجابة على أسئلة القاضي, كما انسحب المتهم الأول سعيد بوتفليقة من المحكمة بعد نصف ساعة من افتتاحها, تعبيراً عن رفض الإثنين للتهم الموجهة لهما. بينما حضرها محمد توفيق ولويزا حنون التي نقل بعض المحامين أنها قدمت مرافعة قوية جداً, دافعت فيها عن نفسها رافضة التهمة الموجهة لها بالتآمر على الدولة.

وكانت النيابة العامة العسكرية وجهت للمتهمين المذكورين تهمتين رئيستين هما ((التآمر على الدولة بهدف اسقاط النظام)), وجريمة ((التآمر على قائد مؤسسة عسكرية غايتها المساس بسلطته)) والمقصود بها قائد الجيش الحالي الجنرال أحمد قائد صالح الذي يعد حالياً رئيس الدولة الفعلي, والمحرك الأول للأحداث في البلاد منذ استقالة بوتفليقة، وهو الذي أمر بتوقيف المسؤولين الكبار السابقين الذين كانوا يحاولون إخراجه من السلطة تمريراً لـ((العهدة الخامسة)) التي كان الأربعة يديرونها للتجديد للرئيس السابق لولاية خامسة على الرغم من عجزه الصحي, مما أتاح لهم استغلال مناصبهم لتحقيق مصالحهم ومصالح فئة كبيرة من رجال المال والاعمال الكبار, والمرتبطين بدول أجنبية كبرى لها مصالح وأطماع كبيرة في الجزائر, وعلى رأسها فرنسا.

الشعب يطالب بالإعدام!

على الرغم من وجود ملاحظات عديدة للمراقبين والحقوقيين في الداخل والخارج على إحالة المتهمين الى القضاء العسكري, وطريقة الاعتقال والتحقيق والمحاكمة, فإن قرار توقيف المسؤولين الى المحاكمة وجد تأييداً جماهيرياً واسعاً وقوياً منذ الاطاحة بهم, لأنهم في نظر الغالبية الساحقة من الشعب الجزائري يتحملون كامل المسؤولية عن تدهور الأوضاع السياسية والمعيشية والاقتصادية خلال السنوات الأخيرة, وانتهاك الدستور والقانون ورعاية شبكات قوية من الفاسدين, وإمعانهم في السير على الطريق نفسه مما سبب نقمة عارمة على كل من شارك في الحكم.  وقد عكست وسائل الاعلام المحلية التأييد الشعبي الحار للاطاحة برجال العصابة وحلفائهم من دون اهتمام يذكر بأي ملاحظات قانونية أو فنية على اسلوب أو شكل الملاحقة والمحاسبة ومدى تلاؤمه مع القواعد القانونية الوطنية أو العالمية, فهم في نظر الجزائريين عصابة من اللصوص والمجرمين والخونة الذين ارتكبوا جرائم كبرى يستحقون عليها عقوبة الاعدام, ولذلك لم يكن مفاجئاً لأحد أن المواطنين لم يحتجوا على محاكمتهم أمام القضاء العسكري بدل المدني, ولم يعنوا بقصر المحاكمة التي اكتفت بجلستين فقط خلال يومين قبل اصدار قرارها النهائي, بل على العكس إذ إنهم احتجوا بقوة على ضعف العقوبات على المتهمين, بدليل إن المتظاهرين في الشارع رفعوا صوراً ورسوماً لهم تطالب بإعدامهم شنقاً في الساحات العامة, كما طالبوا بإعدام عشرات المسؤولين الكبار الآخرين من رجال عهد بوتفليقة الموقوفين وغير الموقوفين حتى الآن.

ويعتقد المراقبون أن الاطاحة بالرؤوس الكبيرة يستهدف فعلاً حشد التأييد للسلطة الحالية وخططها الأمنية والسياسية, ويمهد لمحاسبة عشرات من المسؤولين ومن رموز الفساد الاقتصادي والمالي الأمر الذي يشكل في الواقع ((ثورة قصر أو صراع على السلطة)) تصفية حقيقية للجناح البوتفليقي المتشدد في النظام, من دون الجناح الآخر الذي يريد المحافظة على الدستور والنظام العام للدولة البوتفليقية وهيكلية السلطة دون تغيير جذري في مؤسسات النظام كما يطالب الحراك المدني والشارع الجزائري بصفة عامة.

والجدير بالذكر أن هذه  المسألة تشكل أهم أسباب التوتر المتزايد بين الحراك الذي يصر على تغيير النظام تغييراً سياسياً جذرياً, ويريد التخلص من كل من شارك في الحكم والسلطة خلال عهد بوتفليقة, بما فيهم الباءات الاربعة ((رئيس الدولة المؤقت عبد القادر الصالح ورئيس الحكومة نور الدين بدوي, ويريد ألا تجري الانتخابات الرئاسية القادمة قبل أن تجري عملية تطهير جذرية للدولة من الفساد والفاسدين, وإجراء حوار وطني بإشراف شخصيات نزيهة مقبولة من الشعب من خارج النظام والسلطة الحاليين. بينما يتمسك قائد الجيش الجنرال صالح ببقاء النظام على حاله ويرغب أن تقتصر ثورة التطهير على بعض الرموز التي كانت تحيط بالرئيس السابق والتي حاولت التمديد له, ويرفض أن تشمل بقية المسؤولين المحسوبين على الجناح الآخر من السلطة الموالي لقائد الجيش.

وكان الجنرال العجوز قد حدد للمرة الثالثة موعداً لإجراء الانتخابات القادمة في 12 كانون الأول/ ديسمبر المقبل, مهدداً أنه لن يسمح بخرق الدستور وتهديد أمن البلاد والدولة, ولا تحدي سلطة المؤسسة العسكرية التي تسهر على الأمن الوطني. وقد عاد للحديث في خطاباته الاسبوعية عن مؤامرة خطيرة على الدولة يريد التصدي لها بحزم من دون أن يتهم أحداً بعينه, أو يقدم إيضاحات مفصلة عن طبيعة أو سيناريو المؤامرة المزعومة. ويعبر المراقبون عن تشككهم بنجاح المسلسل الذي يريده قائد الجيش للخروج من الأزمة الحالية, وإمكان إقناع الحراك المدني بالاكتفاء بانتخابات رئاسية. ويخشى البعض من انزلاق البلاد الى صراع دموي جديد كالذي شهدته في العشرية الأخيرة من القرن السابق بين الجيش والقوى الاجتماعية والسياسية الراغبة في انتقال سلمي للديمقراطية على الطريقة السودانية.

ويعزز هذه الشكوك والهواجس أن الجيش بدأ يخرج عن حياده الظاهري ومعاملته اللطيفة للمحتجين وفرض اجراءات عنيفة لتقييد حرية الحركة على مداخل العاصمة لمنع المتظاهرين الراغبين في المشاركة بتظاهرات أيام الجمعة, واستخدام العنف لمنع التظاهر في بعض المناطق والحالات, ويتحدث الناشطون الحقوقيون عن اعتقالات متزايدة في صفوف المحتجين.