2019-09-27 12:20:06

الجهود الأممية لمعالجة المحنة السورية: مثمرة حتماً.. ولكن بعد مائة سنة! / بقلم محمد خليفة

الجهود الأممية لمعالجة المحنة السورية: مثمرة حتماً.. ولكن بعد مائة سنة! / بقلم محمد خليفة

الجهود الأممية لمعالجة المحنة السورية: مثمرة حتماً.. ولكن بعد مائة سنة! / بقلم محمد خليفة

الجهود الأممية لمعالجة المحنة السورية: مثمرة حتماً.. ولكن بعد مائة سنة! / بقلم محمد خليفة

مجلة الشراع 27 أيلول 2019 العدد 1918

 

من المبكر الحكم على ما حققه المبعوث الأممي الى سورية غير بيدرسن على صعيد اللجنة الدستورية بأنه ((إنجاز)), إلا إذا كنا نراهن على عملية سياسية لحل الأزمة السورية تستغرق سنوات وربما عقوداً!

ولذلك ففرحة بيدرسن بما حققه, وإعلان الأمين العام للأمم المتحدة عن الانجاز بشيء من الزهو أمر فيه مبالغة. ويمكن وصفه بعلبة أنيقة تحوي هدية متواضعة جداً.

كان بوتين يرغب بالاعلان عن ((الانجاز)) بنفسه, ومن أنقرا أثناء القمة الأخيرة لرؤساء مجموعة آستانا, ليقول إنه صانع الانجاز ولكن بيدرسن أصر على حرمانه  من سرقة ما حققه هو بديبلوماسية صامتة وناعمة, ولكنها حازمة وصارمة.

 صحيح أن الروس ضغطوا على الأسد أخيراً لوقف مماحكاته وسحب شروطه تسهيلاً للاعلان عن جاهزية اللجنة الدستورية التي ارتبطت بإسمهم أكثر من اسم الأسد منذ مؤتمر سوتشي مطلع 2018, ولكن التدخل الروسي الحازم جاء نتيجة تهديد من بيدرسن للطرفين الروسي والسوري بأن الأمم المتحدة ستضطر للإعلان خلال الدورة السنوية أن الطرفين يتحملان المسؤولية عن عرقلة تشكيل وانطلاق اللجنة حنى الآن, فما كان من بوتين سوى نقل التهديد الى الأسد مشفوعاً بأمر عمليات بسحب شروطه المتكررة.

يبقى إنجاز بيدرسن غير  جوهري, وأهميته الوحيدة تكمن في كونه يميز بينه وبين سلفه ستيفان ديمستورا الذي تميز برضوخه لرغبات وإملاءات الروس من دون كثير عناء. ولأنه يصوب بوصلة الجهود الدولية لحل الأزمة المعقدة. فالمبعوث الأممي الرابع لسورية يحاول إعادة كل الجهود والمبادرات الى طاولة الأمم المتحدة ومسار جنيف, والالتزام بالقواعد التي وضعتها المنظمة الدولية, وخصوصاً المساواة بين النظام والمعارضة, وجعل قرار مجلس الأمن 2254 هو المرجعية, لا قرارات سوتشي وآستانا كما يريد الروس. والاصرار أن يكون العمل جارياً لتنفيذ القرار, وإعداد دستور جديد بجهد سوري - سوري فقط.

 ويمكن لمن يميل للمبالغة تضخيم نجاح بيدرسن في انتزاع اعتراف صريح من النظام بالمعارضة السياسية وكونها طرفاً ندياً متساوياً مع النظام الذي كان يريد ترؤس اللجنة وحده, وجعل ما تتوصل له مجرد توصيات ترفع له ولمجلس شعبه يقبل منها ما يشاء ويرفض ما يشاء, وسقفها تعديل دستور 2012!.

استطاع بيدرسن إلزام النظام بشروط العملية السياسية كما حددتها الأمم المتحدة, ولكن الشعب السوري دفع سلفاً ثمن هذا الانجاز الجزئي 18 شهراً من المماطلات والمماحكات, وهو انجاز يحسب للأسد الذي لا يسره شيء قدر  تبديد الوقت, الأمر الذي يجعل ما تحقق الآن انجازاً له لا لبيدرسن! لا سيما أن اللجنة الدستورية ما زالت لم تبدأ مهمتها, وينتظرها ماراثون طويل, قد يستغرق سنوات, لبحث مئات الاقتراحات والاقتراحات المضادة. وعندما ينجز الدستور كمسودة فإقراره يحتاج استفتاء من الشعب السوري في ((بيئة آمنة)) واتخاذ اجراءات لدعم الثقة بين النظام والشعب, أي بين القاتل والضحية. وحتى إذا مرت كل هذه العمليات والمراحل بسلام ونجاح, فهي لا تعدو أن تكون في النهاية فقرة واحدة من سلسلة فقرات طويلة ومتشعبة يتضمنها القرار 2254, تحتاج جهوداً مضنية ومبادرات دولية جبارة مشابهة لجهود انجاز اللجنة الدستورية, وبإمكان أي مراقب أو خبير ان يقدر الزمن المطلوب لتنفيذ كافة فقرات القرار 2254 بمائة سنة على الأقل!

ولذلك ينبغي القول إن الأسلوب الأممي ((الممل)) الذي تتبعه الامم المتحدة, ربما يكون مناسباً لمعالجة مسائل غير ملحة ولا ساخنة, مثل أزمات تلوث البيئة والمناخ وثقب الأوزون ومكافحة الأوبئة, ولا يناسب معالجة محنة كالمحنة السورية, تحصد  كل دقيقة المزيد من الأرواح البريئة والدماء الغالية بأسلحة النظام وحليفيه الايراني والروسي على الأرض, مما يوجب تدخلاً دولياً أكثر جدية وإحساساً بآلام شعب يتعرض للإبادة والتهجير بمعدل سرعة يفوق سرعة انجاز الدستور.. ونخشى أن ينجز شركاء آستانا الثلاثة إبادة الشعب السوري وتدمير وتمزيق سورية قبل أن يكتمل انجاز الدستور, ناهيكم عن تنفيذ كل فقرات القرار 2254 الذي يذكرنا بالقرار الأممي 318 لعام 1948 والقرار 242 لعام 1967!