2019-09-26 18:08:22

قائد الجيش في دائرة الاستهداف..ونصرالله يحذر / بقلم: أحمد خالد

قائد الجيش في دائرة الاستهداف..ونصرالله يحذر / بقلم: أحمد خالد

قائد الجيش في دائرة الاستهداف..ونصرالله يحذر / بقلم: أحمد خالد

قائد الجيش في دائرة الاستهداف..ونصرالله يحذر / بقلم: أحمد خالد

مجلة الشراع 27 أيلول 2019 العدد 1918

 

 

*نصرالله قرع جرس انذار تحذيراً من خلفيات الهجمة على الجيش

*أسباب عديدة وراء الحملة على قائد الجيش منها الانتخابات الرئاسية

*بعد ترئيس لحود وسليمان صار قائد الجيش مطروحاً بقوة ليصبح فخامة الرئيس

*تعميم صور عون مع العميل الفاخوري هدفها الاساءة له وللجيش

*المرشحون للرئاسة وفي مقدمتهم باسيل متهمون بالعمل على إبعاد جوزاف عون كمرشح اللحظة الأخيرة

*بعد شهاب ولحود وسليمان وميشال عون.. هل صارت الرئاسة تمر عبر اليرزة؟

 

  كان لافتاً كلام أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله في اطلالته الأخيرة عن محاولات احداث شروخ في العلاقة بين الجيش والحزب وكذلك محاولات زرع الشقاق بين اللبنانيين على خلفية ملف العميل عامر الفاخوري..

وما تشهده وسائل التواصل الاجتماعي على هذا الصعيد يشكل مادة خطيرة تشير الى حجم الانقسامات حول اعادة المبعدين او الفارين الى اسرائيل بعد انهيار ميليشيا انطوان لحد وانجاز التحرير عام 2000.

والأخطر من ذلك هو الحملة التي استهدفت قائد الجيش العماد جوزاف عون وتعميم صوره مع الفاخوري في السفارة اللبنانية في واشنطن وهي صور أوضحت قيادة الجيش طبيعتها والتي جاءت مع المدعوين الى احتفال السفارة والذين التقطت ربما لكل واحد منهم صورة معه على جاري العادة في مناسبات كهذه من دون ان يكون لصاحب الصورة مع جوزاف عون أي علاقة.

 

ويضيء هذا الأمر بوضوح على ان هناك حملة تستهدف قائد الجيش كمرشح يمكن ان يكون مطروحاً في وقت ما لانتخابات الرئاسة الاولى, رغم ان الوقت ما زال مبكراً لطرح هذا الموضوع كون النصف الثاني من ولاية الرئيس ميشال عون لم يبدأ بعد.

وبالطبع فإن لهذه الهجمة أسبابها بعضها ما يتعلق بالتغييرات التي حصلت في لبنان وجعلت من كل قائد جيش مشروع رئيس جمهورية ومنها ما يتعلق بطبيعة المرشحين النافذين للرئاسة والذين يتهمون بأنهم لا يتورعون عن فعل أي شيء من أجل شطب المرشحين المحتملين وتعبيد الطريق لأنفسهم من أجل الوصول الى قصر بعبدا. وعلى رأس هؤلاء المرشحين النافذين الوزير جبران باسيل.

بالنسبة للتغييرات التي دخلت في العقدين الأخيرين على وجه الخصوص على هذا الصعيد ثمة مقاربة لا بد من التوقف عندها.

وحسب هذه المقاربة فإن للجيوش في العالم الثالث أعياداً كثيرة، فبالإضافة الى عيد التأسيس، هناك عيد البيان رقم واحد بالانقلاب على الملك المنفي او على الرئيس المخلوع، وعيد ميلاد قائد  الجيش الذي أصبح الرئيس الملهم او الرئيس الفولاذي والقوي، الخ.. 

في لبنان طالما كان الجيش يحتفل بعيد واحد، وهو عيد تأسيسه فقط. والمفكر السياسي منح  الصلح كان يقول ان فرادة لبنان تقع في دستوره الذي يجره حصانان بينهما جدلية بقائه وتفرده وسط منطقة تنام على اعلان انقلاب عسكري وتستفيق على اعلان انقلاب عسكري جديد. ويسمي الصلح هذين الحصانين بـ: ((حصان التعايش)) و ((حصان  الديموقراطية)). 

لكن في داخل سيرة ((لبنان الديموقراطي)) الذي لدى جيشه عيد واحد هو عيد تأسيسه فقط، ولدت نزعات لجعل النظام السياسي ذي بعد عسكري. وكانت البداية في هذا المسار حصول انقلاب الحزب القومي السوري الاجتماعي الذي  نفذه ضباط في الجيش اللبناني وذلك على وزن ما كان يحدث من انقلابات في المنطقة ينفذها ضباط عقائديون وينتمون لاحزاب شمولية. وما حدث حينها هو ان فشل انقلاب القومي آنذاك، أسفر عن حاجة النظام الديموقراطي في لبنان الى حماية سياسية من العسكر ضد العسكر الحزبيين. فأنشأ قائد الجيش فؤاد شهاب المنتخب رئيساً للجمهورية دوراً سياسياً ((للمكتب  الثاني)) ((استخبارات الجيش)) الذي نصب نفسه حامياً للديموقراطية بأساليب استخباراتية وعسكرية. ثم بعد نحو عقد من الزمن نفذ السياسيون انقلاباً على ((المكتب الثاني)) وسجنوا او نفوا ضباطه، وعاد لبنان الى صيغة ان ((الديموقراطية تحمي نفسها بنفسها))، وليست بحاجة لحماية العسكر لها.

ورغم هذا التطور الذي اظهر ان لبنان بلد لا يمكن ان يحكم من قبل العسكر او من قبل مفارز استخبارات العسكر كما يحصل في دول الجوار، الا ان النزعة لعسْكرة النظام السياسي في لبنان ظلت موجودة ولو بشكل مستتر، وذلك من خلال تقليد ساد في العقود الأخيرة من تاريخ البلد، ومفاده ادخال قادة الجيش الى نادي مرشحي رئاسة الجمهورية في لبنان مع اعطائهم ميزة انهم الأفضل حظاً للفوز بلقب فخامة الرئيس. والأمثلة هنا متكررة بحيث لم يعد هناك مجال للقول بأن وصول قائد الجيش في لبنان لقصر بعبدا هو محض صدفة: العماد  أميل لحود وصل من قيادة الجيش الى رئاسة الجمهورية، ومن بعده العماد ميشال سليمان أصبح رئيساً بعد ان كان قائداً للجيش..  وفي انتخابات رئاسة الجمهورية التالية والأخيرة فإن قائد الجيش العماد جان قهوجي اقترب كثيراً من لحظة دخوله قصر بعبدا ، لولا ان قائداً سابقاً للجيش هو ميشال عون  نجح في ان يحل مكانه بالوصول لموقع رئاسة الجمهورية. من دون اسقاط تجربة الرئيس فؤاد شهاب الذي كان أول قائد للجيش يصل الى سدة الرئاسة في أعقاب احداث العام 1958. 

وهذا الواقع المتكرر للقفز من اليرزة الى قصر بعبدا، خلق نوعاً من ((العداوة العميقة)) بين أعضاء نادي مرشحي الرئاسة السياسيين، وبين كل عسكري يتولى قيادة الجيش. وبات السياسيون ينظرون  لقائد الجيش الذي يؤدي كل صباح تحية عسكرية لفخامة الرئيس، بوصفه هو في الوقت نفسه الخليفة غير المعلن لفخامة الرئيس الحالي في قصر بعبدا، سواء أراد الأخير ذلك او لم يرد. ومرد هذه الحال يعود الى تولد قناعة في البلد تقول ان اقرب نقطة يمكن الوصول منها لقصر بعبدا هي اليرزة التي هي مقر قائد الجيش. 

وهكذا تكررت خلال العقدين الأخيرين الحكاية نفسها: رئيس الجمهورية يعين قائداً للجيش ومن ثم يصبح الأخير من موقعه في اليرزة منافساً للرئيس القاطن في قصر بعبدا الذي يمني النفس بالتمديد له كما حصل مع الرئيسين الياس الهراوي واميل لحود, ويرى في قائد الجيش طامحاً في السعي لخلافته. 

والواقع ان هذه المعادلة بات لها طابع نفسي ضاغط على السياسيين المقيمين داخل نادي مرشحي رئاسة الجمهورية.. وهؤلاء ما عادوا يكترثون لواقع ما اذا كان قائد الجيش طامحاً للرئاسة ام لا، بقدر ما أصبحوا يعتبرون ان طموحه هو قدر موجود داخل معادلة الانتخابات الرئاسية المقبلة، وعليه يستنفرون مبكراً محاولين اجهاض فرص ان يصبح ((العماد)) ((فخامة الرئيس)). 

واليوم يشهد لبنان تطبيقات عملية لنظرية ان أبرز السياسيين المرشحين لرئاسة الجمهورية يخرجون مبكراً لقتال ((القدر)) المختبئ داخل معادلة الانتخابات الرئاسية المقبلة، والمتمثل باحتمال ان يصبح ((العماد الحالي هو فخامة الرئيس المقبل)).

غير ان حدة المواجهة ضد قدر نيل العماد لقب فخامة الرئيس، تتسم خلال هذه المرحلة بحدة تزيد ضراوة عن تلك التي جرت خلال الفترات الماضية والاسباب الكامنة وراء ذلك عديدة وفيما يلي أبرزها: 

اولاً - لقد قرر الوزير جبران باسيل بشكل مبكّر جعل عهد الرئيس عون بمثابة منصة لطموحه بنيل رئاسة الجمهورية. وهذا الطموح اعترف به الرئيس عون بنفسه عندما قال ان هناك متسابقين على خلافته بالرئاسة وباسيل أكثرهم حظاً. وقد عنى كلام الرئيس عون انه ضمن يوميات عهده توجد ساعات كثيرة تنشغل بالصراع على خلافته، وهذا الامر أوجد مناخاً من الحسابات الخاصة بمعادلات السباق على الوصول لقصر بعبدا المتداخلة مع الحسابات الخاصة بمعالجة الازمات السياسية الاستثنائية والعادية. وأصبح كل حدث يجري في لبنان له بعدان، بعد يتصل بطبيعة هذا الحدث وبعد ثان يتصل بمراديد معالجة هذا الحدث لجهة تأثيراتها على خوض المعركة الرئاسية المقبلة. ومن هنا باتت السياسة اليومية في لبنان تتم وفق اعتبار انها سياسة انتخابية  اضافة لكونها سياسة تدير البلد وأزماته . وأسهم هذا المناخ في تبكير أزمة أبرز سياسي مرشح لرئاسة الجمهورية مع ابرز منافس له وفق نظرية ((قدر العماد ان يصبح فخامة الرئيس))، بغض النظر عن وجود طموح للعماد الحالي من عدمه.   

ثانياً - كان طبيعياً بحسب متابعين ان يؤدي طرح باسيل نفسه كمرشح طبيعي لوراثة الرئيس  عون ليس فقط الى تبكير مناخ المعركة الانتخابية الرئاسية في لبنان بل الى جعل باسيل يبحث عن منافسين له في هذه المعركة ليخوض معهم منازلات لضمان تفوقه عليهم وفق منطق الحروب الاستباقية. فَباسيل لا يمكنه خوض لعبة انتخابية مبكرة من دون خصوم يعتبر انهم ينازلونه فيها، ولذلك فهو بشكل غير واع ولكنه نتيجة طبيعية لتفكيره، يقوم باختراع خصوم له وتصنيف خطرهم: وهو ضمن رؤيته لتسلسل حظوظهم بالمنافسة معه: يضع قائد الجيش في رأس القائمة كونه ((مرشح قدر)) المعادلة الرئاسية السائدة منذ أكثر من عقدين ((اليرزة ممر لبعبدا))، ومن ثم سليمان فرنجية الذي هناك اشاعات ((غير مؤكدة)) تقول ان السيد حسن نصر الله وعده بأن تكون الرئاسة له بعد عون، ومن ثم يأتي اسم سمير جعجع الذي قد ينافسه من ضمن خطة وضع ترشيحه بوجه حظوظ باسيل. 

ثالثاً - وضمن هذا التصنيف الوارد أعلاه حول من هم منافسو باسيل،  وذلك من وجهة نظر باسيل نفسه وبحسب تصميمه لمعركة رئاسية افتراضية ما يزال وقتها الزمني بعيداً، يبدو ان قائد الجيش يتصدر اللائحة ولديه حظوظ اللحظة الأخيرة. ومن هنا فأمام باسيل واحد من ثلاثة خيارات: إما قطع الطريق على العماد جوزاف عون بشكل مبكّر أي عدم تمكينه من البقاء في اليرزة حتى بدء لحظة الانتخابات الرئاسية وبذلك يكون حرمه من اليرزة حتى يحرمه من بعبدا. الخيار الثاني إضعافه داخل مؤسسة الجيش وذلك بالتعاون مع وزير الدفاع، أي جعل السقف السياسي الممثل بوزير الدفاع ضاغطاً على الهامش العسكري الممنوح لقائد الجيش على مستوى صلاحياته داخل المؤسسة العسكرية. الخيار الثالث إبرام صفقة مع قائد الجيش تقول: انت عسكري وأنا سياسي. وكلانا لا يمد يده الى مستقبل الثاني! 

يبقى هناك في هذا السياق سؤال يطرح نفسه، وهو عن حظوظ قائد الجيش كرئيس مقبل في الانتخابات الرئاسية المقبلة. والاجابة عن هذا السؤال تخضع أيضاً لثلاث حقائق لا بد من ذكرها: 

الحقيقة الأولى هي ان قائد الجيش العماد جوزاف عون لا يبدي أية إشارات سياسية تؤشر الى انه طامح لرئاسة الجمهورية وليس فقط الى انه على خلاف سابقيه في قيادة الجيش  يحاول قدر الإمكان الابتعاد عن الاعلام وعن السياسيين بحيث يبدو ان كل ابعاده هي عسكرية حصراً. ولكن ذلك لا يبعد عملياً قائد الجيش عن سمة انه مرشح للرئاسة، و ذلك بفعل ما يسمى بـ((قدر العلاقة بين اليرزة وبعبدا)).. وربما هذا القدر، هو حالياً مصدر متاعب العماد عون وسيكون مستقبلاً ربما مستقبل حظه السياسي. 

الحقيقة الثانية تتمثل بوجود انطباع اقليمي ودولي بأن قائد الجيش لأكثر من مليون سبب قد يكون الأنسب لرئاسة الجمهورية. والواقع ان التفكير بإسم العماد جوزاف عون ليس مصدره ان الأخير يطرح نفسه لهذا المنصب، بل مصدره ان باسيل جراء طرحه لنفسه مرشحاً مبكراً لرئاسة الجمهورية،  استدعى تفكير الجهات الأخرى بشكل مبكّر بمرشحيها لهذا المنصب. 

الحقيقة الثالثة تتحدث عن إمكانية ان يكون الجيش في المرحلة المقبلة هو الناخب الأكبر في الانتخابات الرئاسية المقبلة. وسبب ذلك هو وجود توقعات على مستوى كل المنطقة تفيد بأن جيوش المنطقة هي ما تبقى من مؤسسات الدول الوطنية التي تعرضت لزلزال الربيع العربي. وان هذه الجيوش مرشحة لاداء واحد من دورين في مرحلة اعادة ترميم الكثير من دول المنطقة: الدور الاول هو العودة للحكم بثوب ديموقراطي.. والدور الثاني هو تشارك عسكري- مدني في الحكم كما حدث اليوم في السودان.. 

خلاصة القول ان جوزاف عون مستهدف كقائد للجيش وكممثل للمؤسسة الوطنية الجامعة في اطار استهدافه كمرشح لا يطرح نفسه ليكون رئيساً للجمهورية, وهذا ما فسر ويفسر الهجمة الأخيرة ضده في موضوع العميل الفاخوري. وسواء كانت الاتهامات الى باسيل بأنه يقف وراء الهجمة صحيحة او غير صحيحة، خصوصاً وان موقف وزير الخارجية من موضوع المبعدين الى اسرائيل معروف في تبنيه لذلك، فإن ما نبه إليه نصرالله هو بمثابة جرس انذار من أجل عدم زج الجيش في اللعبة السياسية لا سيما وان دوره الوطني هو ضمانة ليس فقط للاستقرار بل للوحدة والعيش الواحد والسلم الأهلي, وهو الجيش الذي يقوده اليوم ضابط مشهود له على أكثر من مستوى وصعيد، وخصوصاً على مستوى اخلاقياته ومناقبيته العسكرية.

احمد خالد