2019-09-20 14:38:53

ثورة السودان أنهت الاستبداد في النظام وفي المعارضة/ بقلم: محمد خليفة

ثورة السودان أنهت الاستبداد في النظام وفي المعارضة/ بقلم: محمد خليفة

ثورة السودان أنهت الاستبداد في النظام وفي المعارضة/ بقلم: محمد خليفة

ثورة السودان أنهت الاستبداد في النظام وفي المعارضة/ بقلم: محمد خليفة

مجلة الشراع 20 أيلول 2019 العدد 1917

 

 

*أحزاب ((الأمة)) و((الاتحادي)) و((الاخوان)) أصبحت من الماضي

*سيطرة العائلات التقليدية سقطت بما فيها الميرغنية والمهدية!  

   

بقلم: محمد خليفة

في السودان الجديد الذي صقلته الثورة, روح جديدة تسري في كل شيء, وتغير كل شيء, المفاهيم, والمعايير, وأنماط السلوك.

تشكيل الحكومة الأولى عكس هذا التغير وجسده. وأبرز معالمه تغير المعايير التي اعتمدت في اختيار الوزراء. فللمرة الأولى لا يعتمد الاختيار على معيار الحزبية، وخصوصاً الحزبية التقليدية, ولا على معيار العائلات الكبيرة ((المهدي, والميرغني ..إلخ )).

المعايير الجديدة التي اعتمدت في حكومة د. عبد الله حمدوك أربعة, وستبقى في المستقبل معايير ثابتة لتشكيل الحكومات, وكأنها معايير دستورية :

عبدالله حمدوك ليس حزبياً واختير بسبب كفاءته ومعارضته لنظام البشير ورفضه أن يكون وزيراً في حكومته, وهكذا بقية الوزراء. ووزيرة الخارجية أسماء عبدالله اختيرت لأنها عارضت البشير فقام بطردها.

 نهاية الاحزاب الاستبدادية

 بالمقابل لم يعد للحزبين الكبيرين اللذين حكما السودان منذ الاستقلال: حزب الأمة, والحزب الاتحادي الديموقراطي أهمية أو قيمة في مجتمع ما بعد الثورة, انتهى الحزبان وإلى الأبد. مرد ذلك أن الثورة الشعبية لم تكن ضد نظام البشير وحزبه الأخواني فقط, بل ضد كل الأحزاب, بما فيها المصنفة معارضة. النقمة الشعبية اتجهت منذ اليوم الأول ضد النظام وأحزاب المعارضة معاً, واتهم الأحزاب بمهادنة النظام, وعدم مقاومته بشكل جدي, عندما كان يرتكب جرائمه. وعلى سبيل المثال:

- الحزب الاتحادي الديموقراطي بزعامة الميرغني تحالف مع نظام البشير حتى يومه الأخير, وزعيمه عثمان الميرغني انتقل للعيش في قصره الفاره في مصر وترك الحزب لسيطرة 40 عضواً من كبار رجال المال والأعمال اختاروا التحالف مع نظام البشير بناء على مصالحهم الطبقية, فحدثت ستة انشقاقات فيه على خلفية رفض قواعده لموالاة النظام.

- حزب الأمة اتخذ موقفاً مهادناً للنظام, وغادر زعيمه الصادق المهدي السودان وعاش في الخارج لكي لا يواجه النظام ويتحمل مخاطر المعارضة الجادة.

وتجدر الاشارة الى أن العائلتين الكبيرتين الميرغني والمهدي انتهتا سياسياً الى الأبد, ولم يعد لهما قبول شعبي. وأن الصادق المهدي شكك بالحراك في بداية الانتفاضة, وعندما ترسخ الحراك تجنب المهدي زيارة ساحة الاعتصام والالتقاء بالمتظاهرين. فربما كان المهدي يدرك أن المعتصمين كانوا يرفضونه ,  ولو حاول الوصول لساحة الاعتصام لطردوه!

 والمعروف أن الصادق المهدي يمثل ((حالة استبدادية)) بامتياز, لأنه يحتل المرتبة الأولى عالمياً كأقدم زعيم حزب في العالم, ناهزت سيطرته على رئاسة حزبه ستين عاماً!

-جماعة الأخوان: انتهت سياسياً ولم يعد لها قبول في الساحة اطلاقاً. ويرى كثيرون أن هذا الحكم ينطبق على كل أطياف الإسلام السياسي, وهناك نقمة عارمة على جميع الاسلاميين, وانعكس ذلك على الوثيقة الدستورية التي حرص الجميع على استبعاد حتى الإشارة ((للشريعة)) كمصدر أول للتشريع أو كدين للدولة!

جماعة حسن الترابي المؤطرين في ((حزب المؤتمر الشعبي)) رغم انشقاقهم وخلافاتهم مع نظام البشير في بعض المسائل السياسية وحزبه ((المؤتمر الوطني)) بقوا مع النظام حتى اليوم الأخير, ويحاول أمينه العام علي الحاج اليوم العودة للمعادلة السياسية, وقدم ما يمكن اعتباره نقداً ذاتياً أو استتابة عن وقوف حزبه مع النظام السابق, إلا أن استتابته لم تجد سوى الرفض القاطع من الجميع.

والطريف أن السودانيين يستذكرون حالياً المرحوم محمود محمد طه الذي برز في أوائل ثمانينات القرن الماضي كمعارض قوي للحكم بالشريعة الذي طبقه النميري بالتعاون مع حسن الترابي ويعتبرون ما قاله طه عن جماعة الاخوان نوعاً من النبوءة المبكرة لما حل بالسودان على أيديهم. ويسترجعون قوله التالي ((من الافضل للشعب السوداني أن يمر بتجربة حكم جماعة الهوس الديني. سوف تكون تجربة مفيدة للغاية, لأنها ستبين لابناء هذا الشعب مدى زيف شعاراتها. إنها تسعى للسيطرة على السودان سياسياً واقتصادياً ولو بالوسائل العسكرية, وسوف تذيق الشعب الأمرين وستدخل البلاد في فتنة تحيل نهارها الى ليل, ثم تنتهي فيما بينهم وسوف تقتلع من أرض السودان اقتلاعاً)) !           

ثورة ثقافية

من مظاهر الروح الجديدة التي بثتها الثورة بين السودانيين بروز ثقافة العزوف عن المناصب وروح الإثرة بين النخب. في الماضي كان السودانيون يحتفلون إذا تقلد أحدهم منصباً رفيعاً. ويحكى أن أحدهم في عهد البشير أقام سرادقاً في الحي للاحتفال بتعيينه وزيراً, وكان يقدم الطعام الفاخر للناس في هذا السرادق ويغدق على المهنئين لعشرة أيام! أما بعد الثورة فلوحظ أن المرشحين للوزارة كانوا يرشحون أشخاصاً آخرين ويقولون لرئيس الوزراء اختر فلاناً فهو أفضل مني!

من هذه المظاهر أيضاً أن قوى الثورة ومؤسساتها الجديدة اتخذت قراراً بتعقب الفساد الذي نشره النظام السابق واقتلاعه من جذوره وذلك بمراجعة كل من حصل على شهادة الدكتوراه في عهد الاسلاميين للتأكد من جدارته بها, لأن النظام سهل للكثيرين من محازبيه الحصول على الشهادات العليا حتى صارت نسبة الحاصلين على الدكتوراه في السودان أعلى من نسبتهم في أميركا. والاتجاه لتجريد آلاف من هؤلاء من شهادات الدكتوراه التي حصلوا عليها بطرق منافية للشروط, بمن فيهم زوج البشير الثانية وداد بابكر التي لم تتم الثانوية عندما تزوجت عمر البشير, وبعد سنوات حصلت على الدكتوراه وأصبحت تنادى الدكتوره وداد..!

من هذه المظاهر أيضاً، روح التسامح والمساواة بين المكونات الدينية رداً على سياسة التطرف والتمييز التي سار عليها النظام السابق, وسجل المراقبون لوزير الاوقاف في حكومة د . حمدوك نصرالدين مفرح أنه أطلق نداء فاجأ العالم الى يهود السودان الذين غادروا الوطن في عهد النميري بعد تطبيق الشريعة للعودة الى وطنهم, وقال موجهاً كلامه لهم: ((ندعوهم بحق المواطنة للرجوع للبلاد، لأن فيها الآن دولة مدنية، المواطنة فيها أساس الحقوق والواجبات)).

 وأضاف ((السودان بلد متعدد في أفكاره وقيمه وثقافاته ومشاربه الفكرية ومذاهبه الإسلامية وفي أديانه، والتسامح الديني وتعايش المذاهب الفكرية والمجموعات المختلفة أمر مهم، وهي من القضايا التي سنعمل على تعميقها، خصوصاً أن التعايش مبدأ إسلامي عظيم)).

إنه سودان جديد شكلاً وروحاً, نظاماً ومجتمعاً, وعياً وسلوكاً.