2019-09-20 11:50:08

الظلم الأكبر / بقلم الشيخ أسامة السيِّد

الظلم الأكبر / بقلم الشيخ أسامة السيِّد

الظلم الأكبر / بقلم الشيخ أسامة السيِّد

الظلم الأكبر / بقلم الشيخ أسامة السيِّد

مجلة الشراع 20ايلول 2019 العدد 1917

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثمًا عظيما)) سورة النساء.

ليُعلم أن الشرك أكبر ذنبٍ يقترفه العبد وهو الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله لمن مات عليه، ويغفر ما دون الشرك وجميع أنواع الكفر من الذنوب كالزنا وشرب الخمر وترك الصلاة ولو كانت كالجبال لمن شاء له من المؤمنين الذين ماتوا من غير توبة، ويعذِّب من شاء منهم ولكن لا يخلدون في جهنم لتحقق الإيمان في نفوسهم فقد روى البخاري عن أنسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله (أي ومحمدٌ رسول الله) وفي قلبه وزن ذرةٍ من إيمان)).

وقوله تعالى ((لا يغفر أن يُشرك به)) أي أن يُكفر بالله، ولذلك جديرٌ بالعاقل أن يحفظ إيمانه مما ينقضه وهو الكفر وهو الظلم الأكبر كما دلَّ على ذلك قوله تعالى: ((والكافرون هم الظالمون)) سورة البقرة. والمعنى هم الكاملون في الظلم. فإن العرب تُطلق الصفة وتريد من بلغ الغاية فيها. قال تعالى: ((إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم)) سورة النساء.

وإنما الظلم في حقيقة الأمر هو مخالفة أمر ونهي من له الأمر والنهي، فمن خالف ما أمر الله به أو اقترف ما نهى الله عنه فهو ظالم، وسواءً  كان ضرر هذا الظلم قد طال غيره كأن قتَل شخصًا بغير حق أو كان ضرره منحصرًا في نفس الظالم كأن اقترف ما نهى الله عنه من غير أن يتعرَّض لأحدٍ من الناس بظلم، وأعظم الظلم وأكبر الذنوب ترك الإيمان.

الخطر الدَّاهم

 وحريٌ بكل عاقلٍ أن يقف عند قول الله تعالى في سورة الذَّاريات: ((وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون)) والمعنى إلا لآمرهم بالعبادة وهي غير متأتيةٍ إلا بعد معرفة المعبود تبارك وتعالى.

 فمن لم يؤمن بالله واختار الضلال على التوحيد لم يكن عابدًا لله ولا مراعيًا لحدود الشرع، وقد أرسل ربُّنا تعالى كل الأنبياء من أولهم أبي البشر آدم إلى آخرهم محمد عليهم السلام بالدعوة إلى الإيمان بالله والتحذير من الشرك والكفر، قال الله تعالى: ((ولقد أُوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئِنْ أشركت ليَحْبَطَنَّ عمَلُك ولتكُوننَّ من الخاسرين)) سورة الزُّمر.

والخطاب في الآية وإن كان من حيث الظاهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكنَّ المراد الأمة وذلك لعصمة الأنبياء عليهم السلام من الشرك. قال السمعاني في ((تفسيره)): ((يقال هذا خطابٌ للرسول والمراد منه غيره)) وبالتالي فقد حذَّر جميعُ الرُّسلِ الكِرام أممهم من الشرك وبيَّنوا لهم مدى الخطورة التي تترتب على الوقوع في ذلك.

قال الله تعالى: ((ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين)) سورة المائدة. فمن كفر فقد هلك بهذا الذنب الكبير ما لم يتدارك نفسه قبل الموت بالدخول في دائرة المؤمنين، ولذلك كان من جملة تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لأمته أن يسأل المرء ُاللهَ التثبيت، فقد روى البيهقي عن أنسٍ قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثر أن يقول: يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك. فقال له أهله أو أصحابه: أتخاف علينا وقد آمنَّا بك وبما جئتَ به. قال: إن القلوب بيد الله عزَّ وجلَّ يُقلّبُها)). والأنبياء معصومون من الكفر، فالمعنى أن القلوب تحت مشيئة الله تعالى فهو يهدي من يشاء ويُضلُّ من يشاء، وقد علِمَ الصحابةُ أنه يقصد تعليمَهم الدعاءَ بالتثبيت ولذلك قالوا: أتخاف علينا.

الشرك ظلمٌ عظيم

ولأهمية تحقق الإيمان في النفس فقد حرص لقمان عليه السلام على النهي عن الشرك والتنفير منه في وصيته لولده، قال تعالى: ((وإذ قال لُقمان لابنه وهو يعظه يا بُني لا تُشرك بالله إن الشرك لظلمٌ عظيم)) سورة لقمان. جاء في ((تفسير القرطبي)) وغيره ((أن ابن لقمان وامرأة ابنه كانا كافرين فما زال لقمان يعظهما حتى آمنا)). ولقمان عليه السلام رجلٌ صالح على الراجح وقيل بنبوته، صحب نبيَّ الله داود عليه السلام واستفاد منه وآتاه الله الحكمة.

وعن عبد الله بن مسعودٍ قال: ((لما نزلت ((الذين ءامنوا ولم يلبِسُوا إيمانهم بظلم)) شقَّ ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله أيُّنا لا يظلم نفسه؟ قال: ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بُني لا تُشرك بالله إن الشرك لظلمٌ عظيم)) رواه البخاري.

ومعنى قوله تعالى ((ولم يَلْبِسوا إيمانهم بظلم)) أي لم يُنافقوا بعد الإيمان، والمنافق هو الذي يُظهر الإيمان ويُبطن الكفر كما كان حال بعض الناس الذين يعيشون بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد توعَّد الله المنافقين بقوله: ((إن المنافقين في الدَّرك الأسفل من النار ولن تَجدَ لهم نصيرا)) سورة النساء. وفي الآية دليلٌ على أن مجرد الإقرار بكلمة الإيمان في الظاهر مع مخالفة عقيدة الإيمان في الباطن لا يكفي للنجاة يوم القيامة.  

وحيث عُلم هذا فليُعلم أن أخطر المخاطر رفض الإيمان، والمشرك يسعى في أرض الله ويتقلَّب في نِعم الله وتراه مع ذلك يُعادي اللهَ ولا يؤمن به ولا يشكره وهذا في غاية الحُمق والظلم، وإذا ما كان أحد الناس يُحسن أحيانًا للآخر فترى ذاك يُبادله بالشكر ولا ينسى له معروفه ولا ينفك يذكره بالخير والثناء أمام الناس أفلا يجدر إذًا أن يكون هذا العبد شاكرًا لله الذي خلقه وأنعَم عليه بالنعم الكثيرة؟! وإذا ما كان بعض الناس يُعادون الله ويرفضون الهدى فإنهم بذلك مُهدرون لنعمة العقل التي منَّ الله بها عليهم، ومن يرضى لنفسه أن يهوي بها إلى الحضيض بدل أن يترقَّى باستعمال عقله فلا يكون من المفلحين؟! وهؤلاء يصدق عليهم قول الله تعالى في سورة الأعراف: ((ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجنِّ والإنس لهم قلوبٌ لا يفقهون بها ولهم أعينٌ لا يُبصرون بها ولهم ءاذانٌ لا يسمعون بها أولئِك كالأنعام بل هم أضلُّ أولئِك هم الغافلون)).

والحمد لله أولاً وآخراًَ.