2019-09-06 12:57:04

الثورة السودانية ((معجزة)), صنعتها عبقرية شعب  (1 من 2) /  بقلم: محمد خليفة

الثورة السودانية ((معجزة)), صنعتها عبقرية شعب  (1 من 2) /  بقلم: محمد خليفة

الثورة السودانية ((معجزة)), صنعتها عبقرية شعب  (1 من 2) /  بقلم: محمد خليفة

الثورة السودانية ((معجزة)), صنعتها عبقرية شعب  (1 من 2) /  بقلم: محمد خليفة

مجلة الشراع 6 أيلول 2019 العدد 1915

 

*لماذا انتصرت بعد أن فشلت بقية الثورات العربية؟

*ابتكر السودانيون حيويات ثورية قهرت أعتى أجهزة السلطة العميقة

*قوى الثورة متحفزة وممسكة بالشارع للتصدي للثورة المضادة

*منظومات شعبية لمراقبة الاحزاب والحكومة والجيش وبقايا النظام السابق

 

 

 حتى 17 آب/ أغسطس الماضي تاريخ توقيع المجلس العسكري, وقوى الحرية والتغيير وثيقة ((الاعلان الدستوري)) الذي طوى عهد النظام السابق, ظلت الثورة التونسية تتقدم بقية ثورات الربيع العربي منذ انطلاقتها أواخر 2010, لكونها رغم بعض الملاحظات عليها الأكثر سلمية ونجت من محاولات استدراجها للعنف والصراع الداخلي, وقدمت قوتها الرئيسية ((حركة النهضة)) تنازلات من مكاسبها لتتجنب ما حدث في ليبيا وسورية واليمن ومصر, وقبلت ((نصف ثورة)), ولكنها في نهاية المطاف نقلت بلادها الى تجربة ديموقراطية, أرقى مما سبقها, منذ الاستقلال.

 الثورة السودانية أزاحت التونسية عن منزلتها وتربعت مكانها. هي الآن الأولى عربياً . ثورة مكتملة, أسقطت نظاماً شمولياً أنشأ ترسانات سياسية وحزبية, وأمنية, وتشريعية, وايديولوجية. وشرعت في اقتلاع دولته العميقة, ووضعت ضمانات مؤسسية تحول دون استيلاء العسكر على السلطة, وفرضت دستوراً عصرياً, مقارنة بدساتير السودان السالفة, ودساتير الدول العربية.

كيف حقق السودانيون انجازهم الرائد؟ وما سر قوة ثورتهم؟ كيف يمكن للشعوب العربية الاستفادة من الدرس السوداني في التجارب القادمة؟

 أسئلة كثيرة يبحث المراقبون عن اجابات لها. لا سيما وأن تركيبة الشعب السوداني وتكوينه القبلي والجغرافي والإثني والثقافي توفر تناقضات تخدم السلطة أكثر مما تخدم الثوار.

في ما يلي سنحاول سبر وتحليل الحدث من داخله. لاستكشاف عناصره الخلاقة, وتحديد ميكانيزمات الثورة - المعجزة, وآلياتها الميدانية التي تفوقت على الدولة المتوحشة, بكل مستوياتها, الرسمية والعميقة, وأفشلت محاولات إخمادها واحتوائها أو دفعها للانتحار بانزلاقها للعنف.

 ومن المنطقي أن تتم هذه العملية بالمقارنة مع تجارب الربيع العربي السابقة والحالية, لأن الشيء بالشيء يذكر, والضد يظهر حسنه الضد!

بداية الثورة عام 2013

 مثقف سوداني يساعدني على فهم خصوصيات الحالة المعقدة, قال لي سأبدأ بلفت انتباهك الى مفاتيح لا بد منها لفك ألغاز المعجزة:

 أولها - إنه لا ثورة تنتصر بالصدفة, للنصر شروط موضوعية في مقدمتها, أن تتمكن من تنظيم قواها, وتتفوق على قوة السلطة الحاكمة.  

ثانيها - إن ثورتنا لم تقلد ثورة أخرى عربية أو عالمية كما يقول البعض. فالثورات قد تتلاقح, إلا أنها لا تتناسخ. وكل ثورة تستنبط تجربتها المميزة من عبقرية شعبها, وتعكس ثقافته وتقاليده ونمط سلوكه. أنتم تعتقدون أن ثورتنا استفادت أو استلهمت الثورة السورية, وسأوضح لك بصماتها السودانية الخاصة. شعبنا بطبعه لا يتصف بسرعة رد الفعل مثلكم, ولا يرد على الظلم فوراً, إنه يتحمل ويستوعب ويفكر في شكل وأسلوب الرد, فإذا لم يجد مناصاً من الثورة, خرج الى الشارع, وإذا خرج فلن يعودوا قبل استرداد حقه.

ثالثها – إن الثورات الشعبية لا تحدث فجأة, بل تمر بمخاضات وإرهاصات. ثورتنا الأخيرة لم تبدأ في تشرين الأول/ ديسمبر 2018, بل في ايلول/ سبتمبر 2013 رداً على عجز النظام عن التعامل مع كارثة السيول التي ضربت الخرطوم, وبلغ عدد المنكوبين أكثر من 84000 وغرق 26000 مسكن, وأوقعت 11 قتيلاً, وأكثر من 000 150 منكوب. حينها أطلق متطوعون مبادرة ((النفير)) فانضم إليها 5000 متطوع في يومين وقاموا بأعمال عظيمة أكسبتهم احترام الناس. فتنبه النظام لخطورتهم, فانقض عليها وشيطنها, واتهمها بتلقي أموال من اسرائيل! ليخفي عجزه ويعزلها عن الناس. في ضوء ذلك اكتشف الشباب غير المحزب عناصر قوة السلطة ونقاط ضعفها, فبدأوا العمل ببطء وبشكل علمي منظم للتغلب عليها , وفي تشرين الأول/ ديسمبر 2018 نضجت الظروف للثورة والنصر.

كان النظام قد حظر الأنشطة السياسية عدا الاسلامية والدينية, فتحول الشباب بعد إخماد انتفاضة 2013 لأشكال من النشاط المدني غير تقليدية, لم تألفها السلطة ولم تستشعر مخاطرها, فتسامحت معها, لأنها لم تكن سياسية ولا ثورية في الظاهر!

مبادرات صغيرة لتشكيل جمعيات وشبكات اجتماعية وانسانية في مجالات الصحة والخدمة المدنية والتعليم والبيئة :

هذه المبادرات الطوعية المبكرة أسست أقوى شبكات الحراك الاجتماعي المدني الذي ظهر جاهزا ومدرباً للفعل في الساحة , بمجرد تحرك الشارع في تشرين الأول/ ديسمبر 2018, إذ طورت بسرعة أنشطتها وكيفتها حسب الحاجة, وأصبحت بمثابة عجلات ومحركات قوية لحركة الاحتجاج التي ظلت رابضة في الساحات والشوارع شهوراً متواصلة, تقدم الطعام والشراب لمئات الآلاف بانتظام, وتنظف المكان, وتعالج الجرحى, وتقدم كل أشكال الدعم والتوجيه والتنظيم والتوعية بطريقة منظمة.

ومع تصاعد الثورة في الداخل اتسعت مبادرات السودانيين عبر العالم , فظهرت شبكات لجمع التبرعات وإرسالها للداخل , وشبكات اعلامية لبث أخبار وصور النشاط للخارج ووسائل الاعلام الاجنبية . والاتصال برجال السياسة والنواب في الغرب. وأخذت على عاتقها نقل جرحى القمع لعلاجهم في الخارج. والعناية بأسر الشهداء, وتخصيص رواتب شهرية لهم ومعونات عينية متعددة, وتأسس صندوق للتأمينات الاجتماعية. وهذه المنظمات والشبكات مستمرة في التوسع حتى أصبحت أجهزة بديلة لأجهزة الدولة المعطلة أو المعاقة.

على الجبهات الأمنية والسياسية

هذا على الجبهات الاجتماعية الخلفية, أما على الجبهات الأمامية الأمنية والحركية, فنشأت مجموعات من نوع آخر,  متخصصة بأنشطة أخطر, عملت كأجهزة استخبارات للثورة, تجمع المعلومات عن تحركات أجهزة السلطة ورجالها ورموزها, وتوزيعها على من يجب أن تصلهم من قادة الحراك, والرأي العام . على سبيل المثال:

 على الصعيدين الاجتماعي والثقافي

أولاً : حكومة تدير شؤون البلد, تشكلت بتوافق احزاب وقوى سياسية من ((قوى الحرية والتغيير)) .

ثانياً: لجان الأحياء ولجان التسيير وغيرها تراقب الأحزاب السياسية وخصوصاً, قوى الحرية والتغيير.

ثالثاً: هناك مبادرات لانشاء قوى نقابية وحزبية واجتماعية جديدة تسكنها روح الثورة وتوجهات مختلفة عن الاحزاب والنقابات السابقة, وتتبنى قيماً ثورية وثقافية مختلفة.

رابعاً: هناك مئات الشبكات والمبادرات والمنظمات الاجتماعية الحرة التي ظهرت وأصبحت تمارس سلطات محلية وتقدم الخدمات المختلفة للناس بدءاً من الصحة والتعليم والنظافة والبيئة والدعم الاقتصادي والانساني, ونشر الوعي, وكل أشكال الخدمات.

يقول محدثي السوداني: هذه الحيوية الاجتماعية التي ظهرت تدريجياً عبر ست سنوات بصورة حرة وطوعية وخلاقة هي التي خلقت ((الثورة السودانية)) ولولاها لما استطاعت الحركة الاحتجاجية في الشارع قرب قصر الرئيس أو بعض ساحات الخرطوم أن تتغلب على أجهزة النظام الاخواني الذي لم يكن أقل استعداداً لسفك الدماء من أي نظام عربي آخر بما فيه نظام الأسد. وكان يدفع الجيش ويحرك الأجهزة العميقة الحزبية والأمنية لاخماد الثورة بكل ما أوتيت من قوة, إلا أن إدراك الجيش استحالة القضاء على الاحتجاجات التي انتشرت في جميع مسامات وخلايا المجتمع, ومفاصل البلاد من دون نهر غزير من الدماء, هو ما فرض على قادة الجيش اتخاذ قرار خلع الطاغية قبل أن يورطهم ويورط البلاد في كارثة لا تقل عن كارثة سورية أو ليبيا أو اليمن!

هذه الثورة - المعجزة تفوقت على ثورات الربيع العربي الأخرى, بفضل تنظيمها المحكم الذي لم تخططه أي جهة سياسية أو حزبية, ومثاليتها العالية , وروح الجماعة والمواطنة التي تجلت فيها, وهي خصائص ومزايا شكلتها وأفرزتها عبقرية الشعب السوداني. ولم يخطىء مبعوث الاتحاد الافريقي محمد الحسن ولد البات حين قال إن هذه الثورة ستغير أفريقيا بكاملها, ولا ندري لماذا لم يقل إنها ستغير العالم العربي أيضاً ؟؟!