2019-08-30 15:47:17

عاشوراء درسٌ وعبرة /بقلم الشيخ أسامة السيد

عاشوراء درسٌ وعبرة /بقلم الشيخ أسامة السيد

عاشوراء درسٌ وعبرة /بقلم الشيخ أسامة السيد

عاشوراء درسٌ وعبرة /بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 30 آب 2019 العدد 1913-1914

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى: ((وتلك الأيام نُداولها بين الناس)) سورة آل عمران.

ما يزال الكلام عن عاشوراء يأخذ مجالاً واسعًا من الحديث في المجالس الخاصة والعامة المختلفة باختلاف طبقات الناس، وقد كتب المؤرخون والباحثون في عاشوراء ما بين مُسهِبٍ ومُختصِرٍ وطَفحت بطون الكتب بسرد وقائع حصلت في عاشوراء وما رافق هذا اليوم من أحداثٍ عديدةٍ كان منها استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، ولسنا بصدد ذكر تفاصيل ما جرى على الإمام الحسين وأهل بيته وأسباب ذلك وما أدى بالحسين إلى الخروج إلى كربلاء وكيف آلت الأمور إلى خوض تلك الملحمة التي ما زالت جرحًا لم يبرأ بالرغم من مضي ما يزيد على ألف سنة، وقد مضى الكلام في ذلك مختصَرًا في مقالٍ سابقٍ فلينظره من شاء، وأرى أننا بحاجةٍ كبيرة للنظر في بعض المعاني المستفادة مما جرى على الإمام الحسين فنقول وبالله التوفيق:

ليُعلم أن ما جرى على سيدنا الحسين كان حدثًا مأساويًا بكل معنى الكلمة وما زال الحسين صابرًا محتسبًا حتى حاز الشهادة فارتفع سعيدًا وسقط قاتلوه في مهاوي الذُّل، وما زال الحسين عبر التاريخ عنوانًا للعزة والكرامة والإباء وعدم الخُنوع للظالمين، ومنارةً للشرفاء يستضيء بها طلاب السعادة في الدارين. وليس عبثًا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحبني فليُحبَّ هذين)) رواه البيهقي عن أبي هريرة. ومعناه: ((فليحب الحسن والحسين)). فإن نبي الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر بمحبة من ليس أهلاً للمحبة، وبالتالي كانت محبة إمامنا الحسين بل وسائر الصالحين بتعظيمهم التعظيم الذي يليق بهم من الواجبات القلبية.

الحقيقة النَّاصعة

 والحقيقة التي لا ينكرها المنصفون أن الحسين كان علمًا من أعلام الدين وإمامًا من أئمة الهدى، ولم يخرج ثائرًا لأجل غرضٍ دنيويٍ رخيصٍ ولا بقصد طلب الزَّعامة والرِّياسة إذ ليس الحسين نكرةً في الناس وهو ابن بنت سيد الثقلين رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة الصدِّيقة، بل كان خروجه في سبيل الله يرجو الإصلاح في شأن الأمة ما استطاع، ويسعى في قمع الطغاة الجائرين ليحل العدل بدل الظلم فكان ما قدَّر الله ونفذت فيه مشيئة الله الذي لا رادَّ لمشيئته.

لقد استشهد الحسين فكانت شهادته فخرًا وبطولته نورًا يشعُّ في ظلام الليل الحالك، وبَالغَ الظَّلَمةُ في بغيهم وتنكيلهم بالإمام وبأهل بيته الكرام فلم يُراعوا حُرمة من ظلموا كأن قلوبهم الصخر أو أشد قسوة فما ضرَّ الشمس دخان نيران المزابل، وأما سقُوط الأبطال في ميدان الدعوة إلى الله تعالى فلا بد منه وهذه سنة الله في الدُّعاة إلى التزام دينه وما شرعه لهم من الحق المبين، وكلٌ سيمضي على حالٍ يُفضي عليها يوم القيامة وهناك يُنتَصفُ للمظلوم من الظالم ويجزي الله الناسَ الجزاءَ العادل، وأما نحن فتبقى لنا العبرة على توالي الأجيال، تلك العبرة المستمدة من تلك الأحداث التي طالت ذاك الإمام الهُمام الذي لو أردنا بسط الكلام في مآثره وفضائله لكلَّت الأقلام ونفدت الصحف، فهو رجل قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حسين مني وأنا من حسين)) رواه ابن ماجه عن يعلى بن مرة، ومعناه محبته لي كاملة ومحبتي له كاملة، ويجري عليه ما جرى في أرض كربلاء فيُذبح وتُقطَّع أوصاله ويُقتل أهله وأولاده وتُسبى نساؤه وتدوس الخيل جسده. ولسنا أبلغ في وصف ما جرى على الحسين من أخته السيدة زينب بنت فاطمة بنت نبي الله صلى الله عليه وسلم ففي ((تاريخ الطبري)) عن قرة بن قيسٍ التميمي قال: ((فما نسيت من الأشياء لا أنسى قول زينب ابنة فاطمة حين مرَّت بأخيها الحسين صريعًا وهي تقول: يا محمداه يا محمداه، صلى عليك ملائكة السماء، هذا الحسين بالعراء ((الفضاء الذي لا ستر به)) مرمَّلٌ بالدماء ((اختلط دمه بالرَّمل)) مُقطَّع الأعضاء يا محمداه، وبناتك سبايا ((أسيرات)) وذريَّتك مقتَّلة تسفي ((سَفَت الرِّيح التراب أذرَته)) عليها الصَّبا ((ريحٌ مخصوصة))). قال فأبكت والله كل عدوٍ وصديق)).

وهذا دليلٌ كبيرٌ على هوان الدنيا عند الله تعالى وأن منتهى الأمر الآخرة لا الدنيا.

 

هوان الدنيا

 وهذا معناه أن الدنيا لا تدوم ولا تصفو لأحدٍ، وأنت ترى أحيانًا ظالما شريرًا لا يحفظ عهدًا ولا يُراعي حقًا يعتدي على الناس ويعيث في الأرض فسادًا وهو في سلطانه ممتنعٌ بمن حوله فلا يصل إليه ولا ينتصف منه المظلوم، وقد مضى في التاريخ جبابرةٌ  كفروا بالله وبأنبياء الله وغرَّهم ما هم فيه من الملك فطغَوْا وبَغَوْا وضلُّوا وأضلُّوا وصفا لهم الملك، ورأينا بمقابل ذلك أناسًا ظُلموا واضطُهدوا فمنهم من قُتل ومنهم سُجن أو نُفي وعُذِّب وما نال من ظالمه ولا انتصف في دنيا حقيرةٍ، فالحمد لله أن جَعل يومًا يُجمع فيه الأولون والآخرون ويفصل اللهُ بين الناس وهو أحكم الحاكمين، وقد خاب هناك من حمل ظلمًا.

وحيث كان هذا حال الدنيا وهو مصداق ما رواه ابن ماجه عن سهل بن سعدٍ قال: ((كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحُليفة ((الموضع المعروف اليوم بآبار علي)) فإذا هو بشاةٍ ميِّتةٍ شائلةٍ برجلها ((رافعة رجلها)) فقال: أترون هذه هَيِّنةً على صاحبها فوالذي نفسي بيده ((معناه أُقسم بالذي نفسي تحت قدرته وهو الله تعالى)) للدُّنيا أهون على الله من هذه على صاحبها ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها قطرةً أبداً)).

فمن علم هذه الحقيقة وأيقن بها عرَف أن منتهى الأمر الآخرة فحريٌ به بعد ذلك أن ينصرف للعمل بما يكون له ذخرًا في تلك الدار، وجديرٌ به أن يتَّعظ بما جرى على الحسين على جلالة قدره وعُلُّو مقامه ليعرف أن البلاء للمؤمن مع الصبر خيرٌ عظيم.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل)) رواه الطبراني.

والحمد لله أولاً وآخراً.