2019-08-29 16:09:45

النتائج الكارثية لغياب الإمام علي / بقلم: السيد صادق الموسوي

النتائج الكارثية لغياب الإمام علي / بقلم: السيد صادق الموسوي

النتائج الكارثية لغياب الإمام علي / بقلم: السيد صادق الموسوي

النتائج الكارثية لغياب الإمام علي / بقلم: السيد صادق الموسوي

مجلة الشراع 30 أب 2019 العدد 1913 - 1914


 

غداً ترون أيّامي، ويُكشف لكم عن سرائري، وتعرفونني بعد خلوّ مكاني وقيام غيري مقامي...

 الإمام علي عليه السلام

 

في مرور 14 قرناً على شهادة أمير المؤمنين علي عليه السلام يجب أن يتذكر العالم كله في كل حين والبشرية بكافة أجناسها وأقوامها وأديانها ومذاهبها هذه الجُمَل التي قالها ذلك الإمام الهُمام قبيل مفارقته هذه الدنيا الدنية ولحوقه في أعلى عليين بالذي طال اشتياقه للقياه وهو أخوه وحبيبه سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله، وكذلك صفيته التي ضاق صدره عن فراقها منذ أودع جثمانها التراب والذي بقي حزنه عليها سرمداً وليله مسهّداً، وهي فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين عليها السلام، وإن انعقاد مؤتمركم العالمي هذا بمشاركة العلماء والباحثين ورواد الفكر، وفي دولة الهند المتعددة الأقوام واللغات والأديان والمذاهب، وبعد مرور 1400عام على استشهاده، لهو أفضل دليل على تجاوز شخصية الإمام علي إطار الزمان وحدود الأديان والقوميات والطوائف والدول، وإذ احترم العالم بساطة لباس وعيش مؤسس الهند المهاتما غاندي ووقف إجلالاً له بسب نبذه لزخارف الحياة، فإن ذلك لا يداني جزءاً بسيطاً جداً جداً من زهد أمير المؤمنين علي عليه السلام في الدنيا، وهو الذي قال: ((والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم)) وقوله: ((إن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها))، وقوله:  ((دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز)).

والسبب في نظرته عليه السلام هذه أنه يرى الأفق البعيد الذي يغفل عنه أكثر الناس وهو كسب المنزلة عند رب العالمين في دار المُقامة والخلود حيث يقول: أيهما خير لعلي أن يكون عند ذي العرش مقرّباً، أو يكون في لظى خسيئاً مُبعداً، مسخوطاً عليه بجرمه مكذّباً.

ونظرته عليه السلام إلى الحكم ومبتغاه من الإمرة تنحصر في العمل على إقامة العدل بين عباد الله ورفع الظلم عن كاهل المعذبين، وفي عبارة صريحة لابن عباس الذي رآه مشغولاً بخصف نعله المرقوع أصلاً الذي لا قيمة لها وهو يحثّه على ترك الأمر والخروج لاستقبال الناس الحاشدين حيث قال عليه السلام : ((والله لهي ((النعل المرقوع الذي لا قيمة لها)) أحب إليّ من إمرتكم، إلا أن أقيم حقاً، أو أدفع باطلاً))، وفي هذا المجال لا يهمّ علياً موقع صاحب الحق وقوة صاحب الباطل حيث يقول: ((الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه، ولا يخص علي عليه السلام اهتمامه بالذين هم على دينه بل يشمل الرعية كلها دون تمييز وإلى أي دين انتمى أفرادها حيث يفضّل الموت أسفاً على أن يسمع باعتداء على امرأة غير مسلمة تعيش في عهدة الدولة الإسلامية بنزع الحجال عنها)) والله بلغني إنه كان يدخل على المرأةَ المسلمة والأخرى المعاهدةَ فينزع حِجلها وقُلبها ورعاثها ثم انصرفوا موفورين لم يُكلَم أحد منهم كَلماً، فلو أن امرءاً مسلماً مات دون هذا أسفاً لم يكن عليه ملوماً بل كان به جديراً، ولا يقرّ أمير المؤمنين أبداً بمبدأ مرور الزمان في عملية المطالبة بالحق، حيث يقول بصراحة: ((إن الحق القديم لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تُزوّج به النساء ومُلِك الإماء وفُرّق في البلدان لرددتُه))، وإن رؤيته عليه السلام بالنسبة للعدل والظلم تُختصر في قوله: ((إن في العدل سَعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق))، وبهذا المنطق لم يزل يوصي ولاته أيضاً ويؤكد عليهم وجوب الالتزام به: ((فليكن أمرُ الناس عندك في الحقّ سواءً، فإنّه ليس في الجَور عِوَضٌ من العدل)) .

وهدفه من بذله هذا الجهد المضني والذي دفع حياته ثمناً له هو أيضاً كسب رضا الله ورسوله في يوم الحشر حيث يخشى لو ارتكب ظلماً  لشخص أو غصب حقّاً لأحد أن يلقى الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وآله غير راضين عنه، حيث يقول: ((والله لإن أبيت على حسك السعدان مسّهداً أو أُجرّ في الأغلال مصفّداً، أحبّ إليّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيء من الحطام)).

ويتجاوز مفهومه عليه السلام لمعصية الله عزو جلّ من بني البشر إلى سائر المخلوفات حيث يقول: ((والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت)) إذ يعدّ عليه السلام سلب جلب شعيرة من نملة أيضاً معصية لله سبحانه لا يرضى أن تُسجّل عليه في صحيفة أعماله ولو بإزاء أن يعطى له الكون بأكمله، ويوصل بين تقوى الله سبحانه والاهتمام بالحيوانات والطبيعة حيث يقول: ((اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم)).

وحتى لا يتوهمن أحد أن ديدن أمير المؤمنين عليه السلام هو رفض الدنيا بالمعنى السلبي للكلمة فإنه لما يأتيه أحد يذمّ الدنيا مُطنباً يقابله بتعداد إيجابيات الدنيا حيث يقول: ((الدنيا مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكة الله ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة فمن ذا يذمها))؟، بل إنه لا يتمنى أن يُدخله الله الجنة دون أن يكون قد عاش عمراً وأدى لله طاعة.

وللتوكيد أن سيرته هذه والإكتفاء من الدنيا بطَمرين ومن الطعام بقرصين، خصوصاً بفترة الحكم، ولوجوب مراعاة الوالي والحاكم حال الفئات الفقيرة في المجتمع، فإنه لما رأى أحداً من عامة الناس يريد التشبه به في التقشف في اللباس والابتعاد عن أداء الواجبات الأسرية والإجتماعية فإنه استدعاه ووبّخه مخاطباً: ((يا عدي نفسه)) ((لقد استهام بك الخبيث))، ثم قال له: ((ويحَك! إنّي لستُ كأنت))، ويوضح معتقده وبيان قاعدة الحكم الإسلامي الصالح  ((إنّ اللَّه تعالى فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة النّاس كيلا يتبيّغ بالفقير فقره، وهو يرى أن مجال اهتمام الحاكم لا يجوز أن يقتصر على ما حوله بل يجب أن يتسع ليشمل أقاصي أطراف دولته حيث يهتم عليه السلام بأمر المعوزين في الحجاز واليمامة وهو في الكوفة ويستعمل كلمة ((لعل)) أي لوجود مجرد الاحتمال: ((ولعلّ بالحِجازِ أو اليمامةِ مَن لا طمَعَ له في القُرص)). 

وانطلاقاً من هذه القاعدة يرسل إلى عامله عثمان بن حنيف لما علم أنه لبّى دعوة إلى وليمة دسمة رتّبها أحد الأغنياء في البصرة بكتاب يندد بفعلته هذه بأشد العبارات قائلاً: ((قد بلغني أن رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تُستطاب لك الألوان وتُنقل إليك الجفان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعوّ)).

ولقد مارس أمير المؤمنين عليه السلام منذ اليوم الأول لاستلامه زمام الحكم بعد مقتل عثمان معتقده بحرفيته إذ قام بتقسيم بيت مال المسلمين بالسوية على عموم الناس دون تمييز بعدما كان غيره يصرف أموال المسلمين على الأقرباء والمقربين، ومن قبل ذلك كان المسلمون يتقاضون العطاء من بيت المال متفاوتين في الدرجات، وسلوك العدل هذا أزعج من اعتادوا على التميز عن غيرهم والنوال زيادة عن باقي العباد من بيت المال، وأبدوا امتعاضهم من هذا المنهج، فجبههم أمير المؤمنين علي عليه السلام بتذكيرهم بسنة الرسول صلى الله عليه وآله طوال حياته، ولما لم يرضوا بمنهج النبي ذكّرهم بسيرة أبي بكر في كل سنوات حكمه، وعقّب كلامه بالتذكير بالسنوات التي كان عمر بن الخطاب يساوي فيها بين المسلمين في العطاء من بيت المال قبل ابتداعه تقسيم الأمة درجات وتوزيع ما يُجبى من زكوات المسلمين عموماً بحسب الدرجات المعينة زيادة ونقصاناً؛ وهذا الواقع مسجل في التاريخ ولا يشك أحد في حصول الأمر.

وبهذه الموجزة جداً من بيان خصائص أمير المؤمنين علي عليه السلام يمكن لنا وبعد 1400 عام من فقد الإنسانية لهذا الإنسان الفريد الذي كان يحاول إعادة العدل إلى الأمة بعد اندثارها، ويعمل على ردّ الحقوق إلى أصحابها بعد سلبها منهم، ويبذل كل جهده كي يزيل الفوارق الإجتماعية التي تراكمت وتأصلت في الأمة حتى باتت جزءاً من حقائق الدين، يتبين لنا أن ما نواجهه نحن عموماً ويتجلى هنا في الهند وأكثر القارة الأفريقية، خصوصاً من ظلم القوى الإستكبارية لشعوبها هو نتيجة فقدان الأنموذج العملي والتجسيد الفعلي، وعدم تمكن أمير المؤمنين علي عليه السلام من تطبيق كامل منهجه، وإلهائه بالحروب الطاحنة المتعددة الشعارات والموحدة الأهداف، والقضاء عليه واغتياله وهو في محراب عبادته وهو يريد العودة لقطع دابر الفتنة التي لم يتمكن من قطعه في المرة الأولى في صفين، وتشتت الجمع وفُقدت المركزية وتفرق الناس حسب الأهواء ومالوا حيث يكون العطاء، وصار شراء الذمم أمراً سارياً وبيع الولاء شيئاً مقبولاً وتخلى الناس عما حاول أمير المؤمنين هدايتهم إليه وجهد كثيراً لتأصيله في نفوسهم وتثبيته في قلوبهم، لكن سهام المنية أصابته قبل نجاحه ويد الغدر طالته قبل نيله مقصده وتحقيقه هدفه.

ومنذ ذلك اليوم والمسلمون يتخبطون في اتخاذ النماذج لإدارة حياتهم، والبشرية متحيرة لا تدري أي شرعة تتبع لتفوز بالعيش السعيد حيث البلاد التي تؤمن لمواطنيها رغد العيش تواجه أزمة فقدان الشعور بالسعادة، وقسم كبير من شعوبها يعاني من حالة الكآبة والتي تؤدي بهم بعض الأحيان إلى الإنتحار، والأخبار تتوالى بعمليات الإنتحار ممن لا تنقصهم الأموال ولا يعجزون عن نيل ما يريدون من الرغبات، ولكنهم يحسّون بالفراغ والحياة العبثية.

ويستغل دعاة التطرف هذه الحالة لجذب الراغبين في استعادة ذاتهم والشعور بدور في حياتهم فيوجهونهم نحو غير الصراط المستقيم فيوادّون المغضوب عليهم ويتحالفون مع الضالين ويعادون السائرين في طريق الإيمان والتقوى والسالكين سبيل أئمة الهدى والمتبعين آل بيت المصطفى، وطمعاً بنيل البغية في الأخرى يضلّهم دعاة الفتنة فيوهمونهم بأن دخول الجنة والحظوة بجوار الرسول صلى الله عليه وآله يكونان بقتل أكبر قدر من الناس الأبرياء من خلال تزنير أجسادهم بالأحزمة الناسفة وتفجيرها في المساجد بين المصلين وضمن صفوف المحتشدين لإحياء شعائر الدين.

ولو قُدّر لأمير المؤمنين علي عليه السلام أن يعمّق منطق الإسلام في الأمة ويزيل البدع التي أدخلت ويصوب البوصلة نحو القبلة الصحيحة ويفضح المنكر الذي أصبح عبر التحريفات معروفاً ويعرّف من جديد المعروف الذي لكثرة تركه صار لدى عامة المسلمين منكراً لما عاشت البشرية بكل ألوانها وأصنافها على هذه البسيطة في كافة بقاعها وديارها إلاً مغمورة بالسعادة ومكنوفة بالأخوة في الدنيا ومستعدة للفوز برضا الله والدخول في جنانه في الآخرة.

بقلم السيد صادق الموسوي