2018-07-02 16:36:57

النكسة جعلت جمال أكثر نضجاً وحكمة / بقلم: محمد فائق

النكسة جعلت جمال أكثر نضجاً وحكمة / بقلم: محمد فائق

النكسة جعلت جمال أكثر نضجاً وحكمة / بقلم: محمد فائق

النكسة جعلت جمال أكثر نضجاً وحكمة / بقلم: محمد فائق

*شبهي بزكريا محيي الدين كاد يقتلني

*كانت الناس قبل الثورة تحرّض كل ضابط تراه في الشارع كي يثور ضد الملك

*لم يشكل الجيش يوماً طبقة منعزلة عن الناس فهو امتداد بالسلاح للشعب

*عمل جمال 18 ساعة يومياً بعد النكسة ليشرف على كل صغيرة وكبيرة في الجيش

*سألني الريس بعد ان أنقذني رجاله من الجماهير الغاضبة ((ايه ده يا محمد)) فقلت له ((هو ده رئيس الجمهورية الجديد يا ريس))

*لو لم يعد الرئيس عن استقالته لدخلت مصر في فوضى وشللية وصراعات مسلحة داخلية

 

كان جمال عبدالناصر لي مرجعاً وأخاً كبيراً وصديقاً عظيماً.. وقد رددت في سري كما مع مقربين جداً لي مشاعري نحو الرجل العظيم الذي قاد مصر والأمة العربية وافريقيا خلال أخطر مراحل بلادهم. ((إن بعض الناس قد يعجبونك من بعيد.. فإذا تعرفت عليهم عن قرب صدمت من سلوكهم وتصرفاتهم.. أما جمال فكنت كلما اقتربت منه وتعرفت عليه أكثر ازددت حباً به واحتراماً.. فقد كان أكثر صدقاً وأكثر التزاماً من أي إنسان أو زعيم أو صديق..)).

تشرفت بالتعرف إلى جمال عندما كنت في الجيش ضابطاً برتبة ملازم أول، وكان هو استاذاً لي في مدرسة الشؤون الادارية في القوات المسلحة، وكان جمال يعطينا دروساً في علم تحركات الجيش (تحريك الجيش) وفي نهاية دورة التأهيل كان ترفيعي إلى رتبة يوزباشي أي نقيب عام 1951.

لفت نظر الاستاذ الضابط في أجوبتي على أسئلته وأسئلتي له.. وكذلك في الرحلات التي كانت تجمعنا في حافلة واحدة ضمن دورة التأهيل فكان يميزني بالاهتمام وتوجيه الأسئلة لي مع حرص منه بأن عليّ أن أقرأ كثيراً، وكان هو شديد الحرص على القراءات في مختلف العلوم العسكرية والسياسية والأدبية وكنا نعرف اهتمامه أيضاً بالكتابة في مجالات عدة وبات معلوماً كتابته قصة في سبيل الحرية وحرصه على صداقات مع أدباء ومثقفين.

قام جمال بثورة يوليو مع زملائه استجابة لمطالب الناس وقبل أن يخطر في باله التخطيط للثورة.. فقد كانت الجماهير تحرضنا كضباط وأي انسان يرتدي الملابس العسكرية ان نتحرك لإنقاذ مصر من الحالة التي كانت فيها.

كان المصريون وما زالوا يرون في المؤسسة العسكرية حضناً لهم وحصناً، وهي عبر تاريخها منذ عهد محمد علي كانت وما زالت جزءاً من الشعب تنحاز له عند كل منعطف أو مواجهة مع أعدائه في الداخل والخارج.

كان الجيش المصري قبل ثورة يوليو محط آمال الناس في التحرك لمواجهة الثالوث الحاكم وأضلاعه هو الاحتلال البريطاني والحكم الفاسد والاحزاب التي تغلب مصالح قياداتها الشخصية على مصالح الوطن.

فالجيش أثبت خلال عقود وقرون ان ولاءه كان دائماً للوطن.. وما كان يوماً للمحتل أو للملك أو لأي من الاحزاب، حتى عندما بات حزب الأغلبية وهو حزب الوفد جزءاً من هذا الثالوث انفض عنه الناس وظلوا يراهنون على الجيش فلما قامت الثورة نزلت إلى الشوارع تأييداً للحركة المباركة كما أسموا حركتنا صبيحة يوم الاربعاء في 23 يوليو 1952.

كان رأي الجيش هو رأي الناس، وما شكل الجيش يوماً طبقة منعزلة عن مجتمعه المصري فهو امتداد شعبـي بالسلاح لشعب مصر، على عكس الاحزاب التي انفصلت عن الناس واهتمت بمصالحها الحزبية والشخصية والنفعية.. ورغم ان أحزاباً كانت تأتي بالانتخابات إلى السلطة فقد فقدت الناس ثقتها بها لأنها كانت تدرك انها لا تحكم، وان الديموقراطية التي يظن البعض انها تمارس بكل حرية هي ديموقراطية زائفة وناقصة.

ثقة الشعب المصري بجيشه جعلته يسارع بعد هزيمته العسكرية في حزيران/يونيو 1967 للاستجابة لجمال الذي طالب الناس بالتوقف عن السخرية بجيشهم.

نعم انها ثقة الناس بجمال أولاً وثقتها بمؤسستها العسكرية، ثم ان جمال والجيش لم يتأخرا بعد الهزيمة في بدء رد الاعتبار للجيش في مواجهة إسرائيل من خلال معركة رأس العش بعد أسابيع قليلة على النكسة ثم في معركة الطيران فوق سيناء يوم 15 تموز/يوليو ثم في إغراق المدمرة ايلات يوم 21 تشرين الأول/اكتوبر 1967.

كان جمال يعمل بعد النكسة نحو 18 ساعة في اليوم متجاهلاً نصائح الاطباء له بالراحة وهو الذي كان يعاني من السكر ومن إصابته بنوبة قلبية.

بل ان جمال بدأ الاعداد لحرب التحرير بعد تراجعه مباشرة عن الاستقالة يوم 15/6/1967، مستدعياً الفريق محمد فوزي طالباً منه الاعداد للحرب خلال مدة أقصاها ثلاث سنوات.

وأدرك جمال بحسه الشعبـي المرهف تجاه تطلعات الناس ان تظاهرات الطلبة احتجاجاً على أحكام مخفضة بالسجن على قادة الطيران هي تحركات شعبية صادقة، لا تخرج أبداً عن حرصها على الوطن والثورة وتريد المحاسبة.. بل وتريد التغيير لذا قال في اجتماع أمام قادة سياسيين وتنظيميين ((ان الشعب يريد التغيير وأنا معه)).

ولا يمكن أن نتحدث عن النكسة من دون أن أشير إلى أمر شخصي حصل معي، لا أرويه للحديث عن دور لي فقط بل هو اساساً يحمل دلالة ترمز إلى رد فعل الناس بعد ان استمعت وشاهدت جمال عبدالناصر ليل 9 حزيران/يونيو يعلن تنحيه عن المسؤولية.

كنت وزيراً للإعلام بطلب وتكليف من جمال عبدالناصر.. أثناء الحرب والعدوان الصهيوني على مصر وسورية وما تبقى من فلسطين.. وكنت في مبنى الوزارة في مجمع الاذاعة والتلفزيون العربي في ماسبيرو، وعندما استقال جمال، كادت الفوضى تقتحم مبنى الاذاعة والتلفزيون، وتدافع الناس نحو استديوهاتهما لبث دعوات رفض التنحي، فجاء أمين عام اتحاد العمال ومسؤولو الفلاحين وفئات مختلفة تريد إذاعة البيانات.. مما كان يهدد بتحويل الأمر إلى فوضى وارتجال وعشوائية فبذلت جهداً كبيراً حتى تم ضبط الأمر في المبنى بالنظام الكامل بما سمح لي بالتوجه إلى منـزل الرئيس في منشية البكري، وهناك لم أتوقع ان يحصل معي الذي حصل.. فقد وصلت الى البوابة الخارجية لمنـزل الريس في منشية البكري، وما ان نزلت منها حتى فوجئت بصرخات توجه لي ولكمات على رأسي حتى تم خدش رقبتي وأسال منها الدم والبعض من الناس يهتف.. ده زكريا (محيي الدين) موتوه.. ما فيش غير جمال.. موتوا زكريا موتوه موتوه..

كنت أشبه زكريا في صلعته وجسمه الرقيق، لذا تعرضت لما تعرضت اليه، لأن جمال في خطاب تنحيه سمى زكريا محيي الدين لخلافته.. وكانت الناس تهتف ((ارفض ارفض يا زكريا عبدالناصر مية المية)). كما كانت تهتف ((أنور أنور يا سادات احنا اخترنا جمال بالذات)) وكان السادات رئيس مجلس الأمة ايام النكسة.

سارع حرس الرئيس لإنقاذي، وإحاطتي بصدورهم وأذرعهم حتى دخلت منزله.. كان هناك عدد من الوزراء في مجلسه ينتظرون، وهو في مكتبه مغلقاً بابه عليه، دخلت من دون استئذان، وما ان رآني الريس بهذه الحالة حتى وقف ليسألني: ما الذي حصل معك يا محمد؟ وقد شد كرسي من مكتبه طالباً مني الجلوس عليها.. وحاولت ترتيب ملابسي التي بدت وكأنني خارج فيها من مشاجرة..

فقلت له عبارة لخصت موقف مصر كلها من استقالته رافضة لها: هو ده رئيس الجمهورية الجديد يا ريس.. اذا كانت الناس دعت لقتلي وحاولت فعلاً ذلك.. وهي تعتقدني زكريا الذي أردته خليفة لك، فهذا يعني ان المصريين لا يريدون غيرك رئيساً لهم، وهم على استعداد لقتل اي انسان آخر غيرك.

عاد جمال عن استقالته يوم 10 حزيران/ يونيو في بيان قرأه انور السادات في مجلس الأمة.. ولو لم يفعل جمال ذلك لكانت مصر معرضة لفوضى لا يعلم إلا الله مداها، وكانت حالة الفراغ هي المولدة الاولى لهذه الفوضى، فما من أحد في مصر كان قادراً على ملء ولو نزر يسير من هذا الفراغ بل تكشفت الامور في ما بعد النكسة مباشرة عن ان حالة الشللية التي شكلها المشير عبدالحكيم عامر داخل المؤسسة العسكرية كانت ستحيل الجيش الى مجموعات متقاتلة متناحرة بغياب المرجع والقائد والزعيم.. الذي تماهى مع الشعب في التغيير وهو الذي قال بقناعة كاملة ان الشعب هو القائد وهو المعلم.. فراح جمال يغير وكان بيان 30 آذار/ مارس هو خارطة طريق لهذا التغيير.

نفسية جمال تغيرت بعد النكسة.. ومع شعوره بالمسؤولية الكاملة عما حصل لأن الناس كانت أعطته ثقة لم يعطها شعب لزعيم قبله ولا بعده.. فإنه التفت اولاً ودائماً الى البدء بالتغيير الجذري في تركيبة المؤسسة العسكرية ليعيد لها احترافها المهني العسكري.. فقد شعر ان الجيش المصري ظلم قبل وخلال الحرب، وسقط في هزيمة لم يكن يستحقها وأن عليه ان يعيد اعتباره في حركة تصحيح حقيقية بدأها في الجيش من خلال وضع الضابط المناسب في المكان المناسب.

صار عبدالناصر بعد النكسة اكثر حكمة ونضجاً بطريقة غير عادية.. وتجلى ذلك في انطلاق التغيير وفي إفساح المجال للنقد بل والنقد الذاتي.. وقد قال مرة: نحن أخطأنا في شمول التأميم المصالح الصغيرة للناس.. يعني واحد عنده عشر عربيات نقل نأممه ليه؟ وراح يلوم النظام على هذه القرارات التي لا لزوم لها، بل ان عبدالناصر صارح رؤساء من الكتلة الاوروبية الشرقية التي تدور في فلك الاتحاد السوفياتي بأن بعض هذه التأميمات كانت خطأ ويجب التراجع عنها وتوسيع قاعدة القطاع الخاص في البلاد.. وهذه تجربة دعاهم فيها لأن يستفيدوا من درس مصر.. خصوصاً وهم يتعاملون مع الدول النامية.

مائة عام على ولادة جمال عبدالناصر عام 1918، انه العام نفسه الذي ولد فيه الزعيم الافريقي الجنوبـي نيلسون مانديلا المناضل الذي كان يحلم وهو في سجنه ان يقابل جمال.. انه الحلم الذي راود كثيرين من قبله ومن بعده.

 

جمال عبدالناصر باللباس العسكري كان أستاذاً لي

تظاهرات 9 و10 حزيران/ يونيو الشعبية ترفض تنحي جمال

محمد فائق وزيراً للإعلام

زكريا محيي الدين: كادت الناس تقتل محمد فائق بسبب الشبه بينهما

نيلسون مانديلا وحلم لقاء جمال

عبدالناصر وهو يلقي خطاب التنحي 9/6/1967

محمد فائق وصور مع زعماء في افريقيا

زكريا محيي الدين عيّنه جمال بديلاً منه بعد النكسة