2019-08-08 17:35:19

السودان يطوي 52 عاماً من حكم العسكر/ بقلم محمد خليفة

السودان يطوي 52 عاماً من حكم العسكر/ بقلم محمد خليفة

السودان يطوي 52 عاماً من حكم العسكر/ بقلم محمد خليفة

السودان يطوي 52 عاماً من حكم العسكر/ بقلم محمد خليفة

مجلة الشراع 9 آب 2019 العدد 1912

 

بعد مفاوضات شاقة تواصلت شهوراً بين تحالف قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري, توصل الطرفان لإتفاق ناجز على المبادىء والقواعد الدستورية التي ترسم للسودان الجديد معالمه. وقعاه الأحد الماضي ( 4 آب/ اغسطس) بالأحرف الأولى وسط احتفالات شعبية واسعة. وسيجري توقيعه النهائي في 17 آب/أغسطس الجاري, بحضور زعماء وممثلي دول أجنبية. ويبدأ تشكيل المجلس السيادي, والهيئة التشريعية, والحكومة المدنية, ثم تباشر سلطاتها قبل نهاية الشهر,  لينتهي فعلياً نظام عمر البشير الاخواني, وينهض نظام حكم ديموقراطي, مختلف – نظرياً حتى الآن - عن كل أنظمة الحكم السابقة العسكرية, وشبه العسكرية.   

وفي الاحتفال الذي رافق التوقيع وحضره طرفا الاتفاق, ووسيطا الاتحاد الأفريقي وأثيوبيا تقاطعت كلمات الجميع في الإشارة الى حضور التاريخ في هذه المناسبة الوطنية. فقد وصف تحالف قوى الحرية والتغيير الذي مثل الثورة والحراك الشعبي الانجاز بأنه ((لحظة تاريخية في تاريخ السودان)) وقال نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان دقلو (حميدتي) ((طوينا صفحة عصيبة من تاريخ السودان)).  

وغلبت الدموع رئيس حزب المؤتمر عمر الدقير وهو يتحدث عن قتلى التظاهرات وسجناء الرأي والنازحين والأطفال المشردين، وقال إن ((السودانيين بعد ثلاثة عقود عاشوها تحت حكم الإنقاذ عانوا من ثنائية الفساد والاستبداد، يلوح وطنهم بين لجة الدم وساحل الدمع)).

وكان ممثل الاتحاد الافريقي محمد الحسن ولد لبات أول من أعلن التوصل الى الاتفاق, وتبعه الوسيط الاثيوبي الذي قال ((أثبت السودانيون قدرتهم على الاتفاق)), ولم تمض ساعات قليلة حتى أعلنت الدول والمنظمات الاقليمية ترحيبها بالاتفاق. وغرد وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش ((يطوي السودان صفحة حكم البشير والإخوان, ويدخل حقبة جديدة في تاريخه السياسي بالتحول إلى الحكم المدني)).

 ولم يعد سراً أن الاتحاد الأفريقي مارس ضغوطاً قوية على الطرفين لإبرام الاتفاق وتدخلت مصر والسعودية والامارات للغاية نفسها, وشاركت الدول الغربية, وخصوصاً اميركا وبريطانيا في الجهود لانجاز الاتفاق, نتيجة مخاوف الجميع من استمرار الصراعات المسلحة, وحالة الشلل في السودان، لأنها تؤثر سلباً على أمن واستقرار الدوائر الاقليمية الأفريقية والعربية.

أهم بنود الاتفاق

تضمن الاعلان الدستوري مبادىء وقواعد وأحكاماً ترسم معالم سودان جديد ظل السودانيون منذ استقلالهم عام 1956 يناضلون لتحقيقها, وفي مقدمتها ((الدولة الديموقراطية)), إذ تضمن من بدايته على الفقرة المهمة التالية :

((جمهورية السودان دولة مستقلة ذات سيادة، ديموقراطية، برلمانية، تعددية، لا مركزية، تقوم فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة, دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو الثقافة أو الجنس أو اللون أو النوع, أو الوضع الاجتماعي, أو الاقتصادي, أو الرأي السياسي, أو الإعاقة, أو الانتماء الجهوي, أو غيرها من الأسباب)).

وأكدت الوثيقة أن السيادة  للشعب, وأن حكم القانون يسري على الجميع ((يخضع جميع الأشخاص والهيئات والجمعيات رسمية كانت أم غير رسمية لحكم القانون)) و((تلتزم السلطة الانتقالية, بإنفاذ حكم القانون, وتطبيق مبدأ المساءلة ورد المظالم والحقوق المسلوبة)).

ومن أهم ما جاء في الاتفاق نص يلزم بملاحقة جرائم العهد السابق ((على الرغم من أي نص ورد في أي قانون، لا تسقط بالتقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم القتل خارج نطاق القضاء، وانتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني, وجرائم الفساد المالي, وجميع الجرائم التي تنطوي على إساءة استخدام السلطة التي ارتكبت منذ الثلاثين من حزيران/ يونيو 1989)). وسيفتح هذا الباب لملاحقة جميع المسؤولين في عهد البشير عن جرائمهم ومخالفاتهم السياسية والاقتصادية والأمنية, ولكن احقاق الحق كان يفرض تطبيق المبدأ ذاته على العهود السابقة كلها, لا عهد البشير فقط!.  

وعن ((الفترة الانتقالية)) التي ستمتد 39 شهراً نصت الوثيقة ((الأولوية خلال الستة أشهر الأولى من الفترة الانتقالية للعمل الجاد لإحلال السلام طبقاً لما يرد في برنامج الفترة الانتقالية في هذا الشأن)). و((العمل على تحقيق السلام العادل والشامل وإنهاء الحرب بمخاطبة جذور المشكلة السودانية ومعالجة آثارها مع الوضع في الاعتبار التدابير التفضيلية المؤقتة للمناطق المتأثرة بالحرب)). و((إلغاء القوانين والنصوص المقيدة للحريات أو التي تميز بين المواطنين على أساس النوع)). و((معالجة الأزمة الاقتصادية بإيقاف التدهور الاقتصادي والعمل على إرساء أسس التنمية المستدامة)), و((الإصلاح القانوني وإعادة بناء وتطوير المنظومة الحقوقية والعدلية وضمان استقلال القضاء وسيادة القانون)).

في ضوء هذه المبادىء يمكننا فهم المعنى الحقيقي للآمال التي عبر عنها طرفا الاتفاق بقولهم إن ما تحقق ظل مطلباً دائماً للشعب السوداني منذ 56 وفشل بتحقيقه رغم ثلاث ثورات, لأن العسكر حكموا لمدة 52 سنة. ويمكن القول إن الاعلان الدستوري يضع أسساً قانونية لدولة مدنية, ونظام حكم ديموقراطي, ويفتح الطريق لتحقيق السلام والاستقرار وانهاء الحروب الداخلية.

رغم كل هذه الآمال يتخوف بعض السودانيين من إحتمالات الثورة المضادة, أو وقوع انقلاب عسكري من أجهزة النظام السابق المتربصة بالثورة وتحاول اجهاض الانتقال. وسجل المراقبون مسارعة ((حزب المؤتمر الوطني)) للاعتراض على ((الاتفاق)) لأنه لم ينص على ((حكم الشريعة))!