2019-08-08 17:26:59

الحلقة (2) سركيس نعوم يكتب:  من مزيارة الى واشنطن قصتي مع رفيق الحريري

الحلقة (2) سركيس نعوم يكتب:  من مزيارة الى واشنطن قصتي مع رفيق الحريري

الحلقة (2) سركيس نعوم يكتب:  من مزيارة الى واشنطن قصتي مع رفيق الحريري

الحلقة (2) سركيس نعوم يكتب:  من مزيارة الى واشنطن قصتي مع رفيق الحريري

مجلة الشراع 9 آب 2019 العدد 1912

 

قلت للحريري لا تأملوا في أي تسوية مع أمين الجميل..

 

 

تتابع ((الشراع)) نشر أحد فصول كتاب ((من مزيارة الى واشنطن..)) حين تستفيق الذاكرة للزميل سركيس نعوم والذي يتحدث فيه عن علاقته بالرئيس المظلوم رفيق الحريري. وذلك وفق الآتي.

لم أكن معنيًّا بالعمل المباشر على صوغ نصوص ((الإتفاق الثلاثي)). كانوا يعقدون الاجتماع تلو الآخر، وكنت أبقى في الخارج ثم أستقي المعلومات من المجتمعين. طلب مني الحريري أن أظل متابعًا لكل شاردة وواردة، لكنني أبلغته أنني لا أحصل على الكثير، ((حتى من جماعتك)).

مهمتي الأساسية كانت ترتيب اللقاء المسيحي- السوري. وُجِّهت الدعوة إلى حبيقة لزيارة دمشق، ورافقته مع ميشال سماحة في السيارة. عندما وصلنا إلى شتورة، انتقل إيلي إلى سيارة أخرى قد تكون عائدة لغازي كنعان. توالت الاجتماعات في دمشق وضم واحد منها وفدًا كتائبيًّا- قواتيًّا وخدام وأنا. دخلنا مكتب عبد الحليم خدّام. بعد القهوة والمسايرة، بدأ الحديث الجدّي. وقفت، وطلبت أن أنسحب من الاجتماع: ((أستاذ عبدالحليم، أريد أن تعذرني لعدم بقائي خلال الاجتماع. لقد أتممت مهمّتي، وهي تأمين التواصل والحوار بينكم وبين القوات، علمًا بأننّي لا أنتمي إلى القوّات اللبنانيّة ولا إلى حركة أمل ولا إلى الحزب التقدّمي الإشتراكي، ولست محسوبًا على سياستكم كذلك)).  وأذكر أن ممثلي ((الحزب التقدمي الإشتراكي)) لم يخفوا تحفظاتهم. كان غازي العريضي وآخرون يجهرون بالشكوى من الإتجاه الذي تسلكه البلاد جراء الإتفاق.

مع وصولنا إلى الشام برفقة حبيقة، ركبنا سيارات مصفحة تفصلنا عن ((العالم الآخر)). كان ثمة وفد مرافق لحبيقة، فدعي جميع أفراده إلى الغداء مع وزير سوري مسيحي. أجلسني الوزير إلى جانبه، وأخذ يتحدث معي دون الآخرين. استنتجت لاحقًا أنه خالني إيلي حبيقة، فقلت له: ((معالي الوزير، لست إيلي حبيقة، اسمي فلان وأنا صحافي صديق لحبيقة)). عدنا ليلاً إلى بيروت بعد انتهاء الاجتماع، وتوجهت بعدها إلى جونية لأخذ سيارتي التي ركنتها في جوار منزل ميشال سماحة. كان الترقب سائدًا، وفوجىء جميع الزملاء الصحافيين بأنني في عداد الوفد. صاروا يسألونني عن علاقتي بكل ذلك، فأجيبهم ((عندي اتصالات))، أو ((أنا صحافي مثلكم، رافقت الوفد في زيارته)).

في إحدى مراحل التفاوض، دعاني النائب السابق وليد جنبلاط إلى تناول الفطور معه في المختارة في طريق عودتي من دمشق، لكنني تأخرت في الوصول جراء أشغال على الطريق التي تربط المديرج بالمختارة. قال لي يومها: ((إنتو الموارنة بعتو لبنان لسورية)). أجبته: ((نحنا بعنا لبنان لسورية؟ كيف هيك ونحنا يلي عم ناكل قتل؟ تطلبون منا ألا نركع، وفي الوقت نفسه يطلب منكم السوريون أن تضربونا، فتلبون طلبهم لتركيعنا. طيب، خلينا نركع كلنا سوا شي مرة)). هل قلت له فعلاً هذا الكلام؟ أعتقد ذلك، وفي أي حال إذا لم أقله فإنني فكرت فيه، العتب على الذاكرة على رغم قوتها. في طريق العودة إلى بيروت، أوقفني حاجز درزي في خلدة. سائق التاكسي كان يرتجف. طلب العنصر على الحاجز هويتي، فناولته إياها من دون تردد. تمعّن فيها ثم قال: ((إنت ماروني، شو جابك لهون؟)). قلت ((يا خيي، أنا جايي من عند وليد بك، اتصل به، أنا كنت معزوم لعندو على الترويقة)). بعد جدل طويل، سمحوا لنا بالمرور.

كان عبدالحليم خدام يعطي الإنطباع أنه يشتغل على المشروع بكليته، وأنه يريد إنجاح الاتفاق مهما كلف الأمر، علمًا بأن الرئيس أمين الجميل كان المستهدف الأول به. عقدت مع خدام مرة جلسة طويلة استمرت نحو ثلاث ساعات. وبعد فترة من عودتي إلى بيروت، علمت بأن شخصًا كان قد وصل قبلي لمقابلته، وجعله ينتظر هذا الوقت الطويل. كان روجيه تمرز القريب من أمين الجميل، والذي يملك بنك ((إنترا)). كان ينتظر خدام في غرفة أخرى، حاملاً رسالة من الجميل إلى القيادة السورية. لم يكن تمرز مستشارًا رسميًّا للجميل، لكنه كان إلى جانبه على الدوام، ينفذ كل المهمات التي يطلبها منه. في النهاية، هو يملك مصرفًا ويستطيع القيام بتسهيلات كثيرة، وقام بكثير منها، وخصوصًا مع إعلاميين كبار.

في تلك الفترة أيضًا، توجهت مع الحريري إلى دمشق حيث التقى خدام. عاد من الاجتماع، وطلب أن نتوجه فورًا إلى برن في سويسرا. قال: ((بدنا نشوف سفيرنا))، في إشارة إلى جوني عبده الذي كان يومها سفيرًا للبنان فيها. وصلنا مساء، وكان جوني في انتظارنا. في الطائرة الخاصة بالحريري، تم البحث في إمكان التفاهم مع الجميل للتوصل إلى نوع من صيغة أو تسوية تساهم في وقف الحرب. استمر الاجتماع نحو ساعتين، وكانت الخلاصة التي توصل إليها الحريري وعبده أن الاحتمال وارد، و((علينا أن نحاول)). ثم سألني الحريري عن رأيي، فأجبت: ((لا تأملوا في أي تسوية مع الرئيس أمين الجميل، وبكرا بتشوفو على كل حال)). وتبين لاحقًا للحريري أنني كنت محقًّا.

عزز الحريري علاقته بجوني عبده كونه سفيرًا ومديرًا سابقًا للاستخبارات وله اتّصالات ونشاط ((على الأرض)). ومع الوقت، صار عبده أحد أعضاء فريقه، وسرّ كثيرًا عندما تمكن من إقناع الثلاثي السوري الممسك بملف لبنان بضرورة وجوده معه. كان قد تعرّف إليه ربما من طريق الرئيس الياس سركيس، وتوطّدت العلاقة أيّام الرئيس أمين الجميل.

سئلت كثيرًا عن ((الإتفاق الثلاثي)) في أثناء الإعداد له وبعد توقيعه، من ديبلوماسيين أجانب وخصوصًا أميركيين، كانت علاقتي بهم وطيدة: ((لماذا هذا الإتفاق ولماذا الحوار مع السوريين، وماذا يحصل؟)). وكان جوابي: ((تقولون إنكم تدعمون المسيحيين ولن تسمحوا لأحد بأن يلحق بهم هزيمة. ويأتي المسلمون، سنّة وشيعة عند المسيحيين، ويطلبون منهم الصمود في وجه السوري لأنهم عاجزون عن ذلك. ثم يأمر السوري، الدرزي أو السنّي أو الشيعي، بضرب المسيحيين. لقد شبع هؤلاء قتلاً، فهل ممنوع عليهم أن يحكوا؟ قد يكون الحكي مفيدًا، ويؤدي إلى وقف قتل المسيحيين تمهيدًا لوقف الحرب)). كانوا يصغون إلي، ولا يعلقون بكلمة واحدة.

وقّع الإتفاق في دمشق، لكن نصّه الأوليّ كتب في السعوديّة وفي لبنان وسوريا، في منازل ومكاتب رفيق الحريري والأحزاب الثلاثة. وعلى رغم كلّ المشاكل التي تلته، شكل هذا الإتفاق أساسًا لكلّ مشاريع الحلول التي طرحت لاحقًا على الساحة اللبنانيّة، بدليل أن القسم الأكبر من ((اتفاق الطائف)) مستقى من ((الثلاثي))، لكنه أبصر النور العام 1989 أي بعد أربعة أعوام. كان الإتفاق الأول سيوفّر على البلد سنين إضافية من الحرب والدمار.

استشرنا الوزير الأسبق فؤاد بطرس قبل التوقيع. فؤاد بطرس إنسان حكيم، وصاحب خبرة قانونيّة وسياسيّة كبيرة. أفتى بأنّ الإتفاق يحمّل المسيحييّن أكثر من طاقتهم، وسأل إيلي حبيقة: ((هل بإمكانك أن تتحمّل أمرًا كهذا؟)). جاءه الجواب إيجابيًّا. كان فؤاد بطرس يحاول أن يمنح هذا الإتّفاق فرصة النجاح على رغم عدم اقتناعه بجدواه. لذا، كان حاضرًا لدى التوقيع عند الرئيس حافظ الأسد.

أكثر من خمسة وثلاثين عامًا مرت على ((الإتفاق الثلاثي))، وأعتقد الآن أنّنا كنّا ساذجين. لم نحسب حسابًا لإمكان تعطيل المشروع. آمنّا بهذا الاتفاق، لكننا لم نقدِّر رد فعل الرئيس أمين الجميل من جهة، والفاعليّات الإسلاميّة مثل الرئيس حسين الحسيني وعائلة كرامي من جهة ثانية، وموقف الدول الخارجيّة الفاعلة إقليميًّا، كإسرائيل والولايات المتّحدة التي لن تسمح لنا بإنهاء الحرب من جهة ثالثة. كانوا سيرفضون أساسًا، وخصوصًا إذا كان السوريّ هو محرّك الحلّ.

اعتبر الرئيس أمين الجميل أنّ الإتّفاق يضرّه، ويؤثّر في مكانته في الشارع السياسي اللبناني. فتجاوز حساسيّاته وكرهه لـ((القوات اللبنانيّة)) ولسمير جعجع، وتعاون وإيّاه للانقلاب على الاتفاق وموقّعه حبيقة في عمليّة عسكريّة في 15 كانون الثاني 1986. تفاهم كريم بقرادوني وأمين الجميل وسمير جعجع.

كذلك، تبيّن لي لاحقًا أنّ النظام السوري لم يكن متأكّدًا أنّ الاتفاق سينجح. إذا نجح، يكون النظام قد ربح الصفّ المسيحيّ، وإلاّ يكون العقد المسيحيّ قد انفرط، وبات ورقة في يد السوريّين، يفاوضون الولايات المتّحدة عليها.

حين انهار الاتفاق مع ((انتفاضة)) سمير جعجع على حبيقة، وتأكدنا أن كل شيء انتهى، إتصل بي ميشال سماحة، وأبلغني أنه سينتقل إلى الشطر الغربي من بيروت، ونصحني بأن أحذو حذوه. كنت أقيم يومها في شقة في حي بيضون، في المبنى نفسه الذي يقيم فيه أهل زوجي. ذهبنا إلى الحمراء، واتصل بنا ميشال المر، طالبًا أن نتوجه جميعًا إلى مطار دمشق حيث استأجر طائرة خاصة للسفر إلى باريس. اضطررنا إلى الانتظار ساعات طويلة في المطار بعد تعرض الطائرة لعطل. كان فاروق أبي اللمع يومها سفيرًا في فرنسا، وكان في انتظارنا كونه صديقًا لميشال المر. تم إصلاح الطائرة وسافرنا، وتوجهنا في اليوم التالي إلى منزل رفيق الحريري. كان حبيقة أيضًا في باريس، والجميع يطرحون تساؤلات عما حصل وعما سيحصل.

بقينا أيامًا عدة في العاصمة الفرنسية، ثم عدت إلى بيروت حيث صاروا يعتبرونني ((ممثل الحريري في لبنان)). أذكر أن الوزير والزميل السابق نهاد المشنوق كان يزورني ويطلب مني أن ((أفتح له بابًا)) يوصله إلى الحريري، فأجيبه: ((يا ريت فيي إفتح بواب)).

لم أكن طامحًا إلى وزارة ونيابة. الجميع، بمن فيهم كريم بقرادوني، اعتقدوا أن منصبي جاهز في ((حكومة الاتفاق الثلاثي))، وأنني سأكون وزيرًا للإعلام. مرة واحدة فقط سمعت من رفيق الحريري أنه يريدني أمينًا عامًّا لمجلس الوزراء. ضحكت وأجبته: ((ما شغلتي هيدي الشغلي، بعدين، لازم يكون سنّي، شو بدك فيي أنا، خليني مرتاح)).

عدت وركّزت في تلك المرحلة على المهنة والصحافة. كان عليّ أن أستعيد موضوعيتي الكاملة كصحافي. وما أزعجني أيضًا أنني اضطررت إلى الإقامة في بيروت الغربية. صحيح أن علاقتي جيدة بالحريري، لكنني شعرت بأنني معزول. إيلي حبيقة في دمشق، ومن كنت أعتقد أنني صرت صديقًا لهم وقريبًا منهم، لم يكلفوا أنفسهم عناء الاتصال بي هاتفيًّا. اتصلت بإيلي حبيقة، وأبلغته أنني قررت عدم التعاطي بعد اليوم بالشأن السياسي العام. قال: ((شو بتتركني وحدي وأنا متكل عليك؟))، أجبته: ((على شو متكل عليي؟ أنا شو عندي لأعطيك؟ إنت في الشام زعيم طويل عريض وما حدا عم يسأل عني ببيروت، لا إنت ولا غيرك)). وما قلته لحبيقة قلته لسواه.

ظللت أتردد إلى الشام مع الحريري أو بدونه، كل أسبوع أو أسبوعين. وحين أذهب بمفردي، أطلب مقابلة عبد الحليم خدام للحصول على معلومات تفيدني في عملي الصحافي. في قرارة نفسي، كنت سعيدًا بانهيار ((الاتفاق الثلاثي)) ولا أدري لماذا، ربما لأنه كان ((اتفاق الضرورة)) لا أكثر ولا أقل. أما الباقون، فوصلتهم أجواء أن السوريين سيتدخلون ويعيدون فرض الاتفاق، فأجيبهم: ((وينن؟ ما وصلوا)).

في تلك المرحلة، عقد ((جماعة الاتفاق)) إجتماعًا في بيروت الغربية، قرب سيار الدرك في فردان، أكد خلاله مروان حمادة وآخرون وجوب الاستعداد، لأن السوريين سيتدخلون مجددًا لتطبيق الاتفاق. وخلال الحديث بادرني: ((بيسلّم عليك أبو جمال (خدام)، وهو يطلب البدء بتشكيل لجان على أن تتسلم أنت لجنة الإعلام)). أجبته: ((أنا قررت إطلع من هيدي الشغلي، ولا بدي استلم لجنة إعلام ولا غير إعلام. أنا ما بعرف إذا رح يفوتوا أو ما رح يفوتوا، صار عندي شك لأنو القصة مش مرتبطة بالسوريين لحالهم)). وأضفت ما معناه أنني غير واثق بأن الحديث الذي يجري هنا لن يصل إلى الرئيس أمين الجميل أو سواه. قلت كل ذلك وانسحبت. طبعًا، علم خدام بما حصل ولم يرق له كلامي.

توجهت بعدها إلى الشام، وطلبت موعدًا لمقابلته على جاري العادة فلم يرد. أعدت الكرّة فلم يرد أيضًا. اتصل بي الحريري بعد فترة، وطلب أن أوافيه إلى دمشق. اجتمعنا، ثم انتقلت معه إلى المطار لوداعه. كان ثمة مسؤول سوري كبير في صالون الشرف جاء للغرض نفسه. اتصل خدام بالحريري قبل أن يستقل الطائرة، وكنت قد أبلغته أن ((أبو جمال)) يتجاهلني. قال لي: ((حكيت أبو جمال وقلّي إنو كان مشغول، بس بكرا دقّلوا وبيستقبلك فورًا)). عدت إلى الفندق واستيقظت باكرًا، لكنني ركبت سيارة أجرة (تاكسي) عائدًا إلى بيروت. صحيح أنني زرت دمشق بعدها مرات قليلة مع الحريري، لكنني لم أعد أطلب أن أقابل أحدًا من القادة السوريين، وما لبثت أن انقطعت عن زيارة سوريا بعد العام 1987.

استمر الوضع على هذا النحو فترة طويلة، حتى أيام إحدى حكومات الحريري التي واجه فيها ((الوزراء المشاكسين)) كما كان يسمّيهم، أي سليمان فرنجيّة وميشال سماحة. اعتكف الحريري يومها في منزله لبضعة أيّام، حتّى أتى عبد الحليم خدّام وحلّ المشكلة. ثم دعا الحريري خدّام والوزراء ((المشاكسين)) إلى عشاء، وكنت بين المدعويّن.

((وينك سركيس؟ ألا تسأل عن أصدقائك؟

بين الأيادي يا أبو جمال، إنتو مشغولين ونحنا مشغولين)).

واصل الحريري نشاطه السياسي بعد سقوط ((الاتفاق الثلاثي)). كان ينفي على الدوام وجود طموح سياسي لديه، لكن كل الوقائع كانت تشير إلى عكس ذلك. استمرت العلاقة بيننا، وأخذ يوسع مروحة اتصالاته مع آخرين بينهم سمير فرنجية رحمه اللّه. صداقتي مع سمير قديمة، إذ كنت ألتقيه لمتابعة المستجدات في إطار عملي الصحافي. كنت أجتمع أيضًا بالصديق عدنان شعبان. وكان الحريري يسعى آنذاك إلى إقناع السوريين بالتواصل مع جوني عبده، إنطلاقًا من أهمية المسؤولية التي يتولاها.

مرة، كان الحريري مجتمعًا في منزله في دمشق مع السفير الأميركي في سوريا آنذاك إدوارد جرجيان. أبلغني الحريري بعدها أن جوني عاد إلى العمل والحركة وعلق بالإنكليزية: Johnny is back to action. طلب مني الحريري يومها أن أبقيه في صورة هذه الاتصالات وما قد تسفر عنه، فوافقت، لكنني أكدت أنني لست من ((كتبة التقارير)). حدد مبلغًا مقابل العمل الذي سيقوم به ((الثلاثي))، سمير وعدنان وأنا: ((هل يكفيكم عشرون ألف دولار كل شهر؟))، أجبت: ((هذا كثير)). وجدت طريقة بعدها لكيفية التعامل مع المبلغ. كان للحريري مسؤول عن المالية في سويسرا من آل البساط من صيدا. وكنت على معرفة به لأنني التقيته مرارًا في جنيف. طلبت منه أن يرسل عشرة آلاف دولار كل شهر، ويبقي العشرة آلاف الأخرى في الحساب في سويسرا للحالات الطارئة، كأن نضطر إلى مغادرة لبنان قسرًا. كان المبلغ يصل، فأقسمه علينا نحن الثلاثة. لولا هذا المال، لما استطعت الصمود مع آل تويني براتب شهري قدره 860 دولارًا. كنت أتصل بالحريري، وأبلغه بتفاصيل ما يحصل كأنني أتصل بغسّان تويني. ما كان يقوم به عدنان له صلة بالأجهزة والاستخبارات، أما سمير فتوطدت علاقته بالحريري في ضوء ما كنا نقوم به.

كنت مرة في سويسرا، وخطر لي أن أمر بالمصرف لأطلع على حسابنا. فوجئت بأن المبلغ لا يتجاوز ألفي دولار. لم أسأل، ولم ((أعمل قصة)) من الموضوع. قد يكون الحريري ارتأى أننا مكتفون بالعشرة آلاف.

خلال عملنا، كان عدنان أقرب إليّ من سمير. بدأ ينشأ فتور بيني وبين الأخير. صحيح أنه ضد الإقطاع، لكنه يبقى في النهاية ((بك)). كنت أحرص على إبلاغهما بكل فحوى اللقاءات التي أجريها، لكن سمير كان يتكتم على ما يقوم به. فاتحته بالأمر أكثر من مرة، لكنه لم يتجاوب. ومع الوقت، بعدت المسافة بيننا، ولم أعد ألتقيه إلا في المناسبات. زرته أيضًا خلال مرضه وكنا نتحدث، ولكن خارج إطار أي عمل. أسس بعدها ((المؤتمر الدائم للحوار))، ثم ((لقاء سيدة الجبل))، وكان أحد أركان ((لقاء قرنة شهوان))، لكنني بقيت بعيدًا من كل ذلك.

العلاقة المالية مع الحريري كانت قد بدأت قبل ذلك. كان لي حساب بـ2500 ليرة في أحد المصارف، وكنت أعتبر المبلغ ((ثروة)) في ذلك الزمان. كنت في سويسرا مع الحريري في بداية العلاقة، وإذ بكلام يتناهى إليّ في الفندق أن المصرف المذكور يوشك أن يفلس. سألته: ((أبو بهاء، إنت بتعرف إذا كان هيدا البنك رح يفلس؟))، أجاب: ((إيه رح يفلس)). أحس أنني لست على ما يرام، وبادرني: ((شو بيك، ليش إنت إلك فيه مصاري؟))، قلت: ((نعم))، قال: ((كم؟))، قلت: ((2500 ليرة))، صار يضحك. بعدها، كنا بمفردنا في الفندق، أتى بقطعة كرتون ومزقها وكتب عليها. قال: ((خذ هذه واذهب إلى صباح الحاج))، أي مساعده في بيروت والمسؤول الأول في البنك اللبناني السعودي. قرأت العبارة المكتوبة: ((إدفعوا لأمر السيد سركيس نعوم مبلغ 300 ألف ليرة)) مذيلة بتوقيعه. قلت: ((شو هيدي؟))، أجاب: ((روح اعطين ياها بتقبض))، قلت: ((شو عم تضحك عليي، هيدي شقفة ورقة))، قال: ((يا سركيس، يبدو إنك ما بتفهم بالمصاري. الشيك كيف بلش؟ بلش هيك. بعدين، هيدي الورقة أنا موقعا. أنا رفيق الحريري صاحب البنك، وباعتها لمدير البنك يلي هوي مساعدي وأنا معينو. بتقلي هيدي شو؟)). عدت إلى بيروت وقصدت صباح الحاج. تسلمت المبلغ، وفتحت حسابًا في مصرف ((فرنسبنك)) حيث كنت أقبض راتبي من ((النهار)).

بعدها، أخذ الدولار يرتفع، وصارت قيمته خمس أو ست ليرات على ما أذكر. كانت هذه الأزمة حديث جميع الناس. قصدت ((فرنسبنك)) مجددًا، وطلبت تحويل المبلغ إلى الدولار. نصحني الموظف المسؤول عن هذا الأمر بأن لا أفعل: ((هيدي غيمة وبتمرق))، فأجبته: ((أنا هيدا إلهامي، وما بحب نام بالقبور وشوف منامات وحشي)). من يومها، صرت ((مرجعًا)) لموظفي ((فرنسبنك)) في شارع الحمراء. يسألونني عما يجب أن يفعلوا بحساباتهم، فأنصحهم ويلتزمون النصيحة.

بعد فترة، أرسل صباح الحاج يطلبني مجددًا: ((رفيق باعتلك 200 ألف ليرة))، قلت: ((ما هيديك المرة أخدنا))، أجاب: ((هوي باعت)). تسلمت المبلغ نقدًا، ووضعته في جيب معطفي. كنا في الشتاء. قصدت المصرف نفسه، وطلبت أن يحولوا المبلغ إلى الدولار ويودعوه الحساب. كان الدولار يومها يعادل 19 ليرة. ارتفع من ست ليرات إلى 19 ليرة. حاول الموظف نفسه أن يثنيني عن تحويل المبلغ، لكنني تمسكت بموقفي.

صرت أعتبر أنني جزء من فريق رفيق الحريري الذي بات يعاملني كأخ. من هنا، لم أجد حرجًا في الحصول على هذا المال، أو اعتباره رشوة، لأنني كنت مقتنعًا بمشروعه. كنت مقتنعًا بأنه يسعى إلى وقف الحرب، ويريد استقلال البلاد، ويرفض أن يبقى السوريون فيها على المدى البعيد. هذه الأمور الثلاثة تعني لي الكثير. لست أبرر لنفسي، ولم أحاول التبرير حينها، لكنني شعرت بأنني أحق بهذا المال من كل ((جماعة)) الحريري الذين استفادوا منه أو سرقوه. على الأقل، أنا لم أسرقه ولم ((أسمسر)) من خلف ظهره، ولولاه، لما استطعت أن أبني بيتي وأعلم أولادي. ابنتي أكملت دراستها بواسطة ((مؤسسة الحريري))، وتمكنتُ من تجاوز الأيام الصعبة.

على رغم كل ذلك، استدنت من المصرف لشراء منزلي. وحين اندلعت ((حرب الإلغاء)) بين العماد ميشال عون و((القوات اللبنانية)) في العام 1990، ما عدت قادرًا على سداد الدين الذي بات يناهز218 ألف دولار، علمًا بأن أصل الدين كان مئة ألف. كنت قد ابتعت شاليه في فيطرون الكسروانية، ومنزلاً آخر لم أسكنه. تمكنت من بيع الشاليه والمنزل، وبقي للبنك في ذمتي 15 ألف دولار. قابلت صاحب المصرف الذي أعرفه من قبل، ويعرف بدوره أنني صديق الحريري، وحاولت التوصل إلى تسوية لإعفائي من دفع الـ 15 ألف دولار. لكنه رفض، واقترح عليّ تقسيط المبلغ على سندات شهرية قيمة كل منها 500 دولار. قلت له: ((أساس الدين نصف المبلغ. لو أتاك مدين كبير ومعروف، طالبًا حسم الفوائد لتسديد أصل دينه الذي هو بالملايين، هل تقبل؟))، أجاب: ((نعم))، رددت: ((لماذا ترفض معاملتي مثله؟)). تحدثت إلى الحريري في الموضوع طالبًا وساطته، لكنه لم يبد اهتمامًا. تحدثت أيضًا إلى الوزير فؤاد بطرس، فاعتذر، لأن علاقته بصاحب البنك لم تعد كما كانت. المهم أنني تمكنت من سداد المبلغ في نهاية المطاف.

استمرت علاقتي بالحريري، لكنني لم أعد كما سمونني ((معتمده)) في بيروت، لأن ((المعتمدين)) صاروا كثرًا. كبرت الزعامة، و((كترو المحبين)) كما يقول المثل. أخذ ينشأ الفتور مذاك، وساهم انقطاعي عن زيارة دمشق في إبعاد المسافة بيننا. كنت أطلب موعدًا فيستقبلني. لم أكن أقابله من دون موعد، بخلاف أولئك الذين يلازمون مقره ليل نهار، بسبب أو من دون سبب.

كنت أزوره مرة، فبادره مرافقه يحيى العرب الذي قضى معه يوم اغتياله في 14 شباط/ فبراير 2005: ((يا دولة الرئيس، ليش ما منشوف سركيس هون؟ نحنا منحبو وهو بيحبنا))، أجابه الحريري: ((سركيس لا يأتي من دون موعد)). في تلك الفترة، كان قد تعرف إلى غسّان تويني وطلال سلمان، وتوطدت صداقته بمروان حمادة واتسعت دائرة المحيطين به. بقيت أعتبره أخًا لي يمكن أن ألجأ إليه في وقت الشدائد. صحيح أنه أعطاني في البدء من دون أن أطلب، لكن الحال تغيرت بعدها. كان يعلم بأنني أعاني صعوبات مالية، وخصوصًا أن راتبي في ((النهار)) محدود، بل ((مجمّد))، ولكن يبدو أن القاعدة تقتضي أن أطلب لكي أعطى، على الطريقة السعودية، ولم أكن ممن يطلبون، ولا أزال.

استمرّ الإنقطاع بيننا معظم التسعينات، وكان قد أصبح رئيسًا للوزراء. آخر مرّة عدت مع رفيق الحريري إلى بيروت من باريس، من طريق دمشق، سمعته يقول في الطائرة لمروان حمادة شيئًا عني أزعجني، طالبًا منه نقلي إلى بيروت، علمًا بأن مرافقتي إياه إلى باريس كانت بطلب مباشر منه. عدت مع حمادة إلى بيروت، ولكن عندما وصلنا إلى شتورة بعد منتصف الليل، وكان الوضع الأمنيّ متوتّرًا، أوقف مروان السيارة وقال لي :

((هلّق أنا بدّي إرجع على الشوف من هون، وإنت دبّر حالك)).

في البقاع، بعد منتصف الليل، أنا المارونيّ المسيحيّ بدّي دبّر حالي! وافقت وشكرته، ولم أبد جزعًا أو مرعوبًا على رغم قلقي. وفّقت بسائق تاكسي آدمي أوصلني إلى فندق ((كافالييه)) في شارع الحمراء.

ما عدت أزور الحريري إلاّ في إطار الواجبات الاجتماعية. زرت أمّه وأباه حين تدهور وضعهما الصحي ونقلا إلى المستشفى. ولكنّ الوضع لم يعد كما كان، وابتعدنا حتّى انقطعت الاتصالات. استمرت القطيعة نحو سبعة أعوام، وأذكر أن صديقًا مشتركًا هو المحامي باسيل يارد جرب أن يقرب المسافات بيننا، سائلاً الحريري عن طبيعة المشكلة، وكان جوابه: ((ليك يا باسيل، يلي بيني وبين سركيس ما بيني وبين حدا، تروك هيدي القصة، وأنا وسركيس منحلها)). كان يارد من محامي الرئيس الحريري المقربين، وميزته أنه لم يضح بمهنته من أجل السياسة، علمًا بأنه كان يستطيع أن يصبح نائبًا أو وزيرًا. ظل محاميًا، وكان ممن فتحوا للحريري أبواب فرنسا، إنطلاقًا من علاقته الوثيقة بالمسؤولين الفرنسيين. أذكر أيضًا أن صديقي السفير سهيل شماس فاتحه مرة بموضوعي، سائلاً عن سبب انقطاع تواصلنا، فنفى الإنقطاع وقال: ((ليتصل بي سركيس)). فعلت إكرامًا لسهيل، فبادرني: ((ولو يا سركيس، إنت محسوب عليي، ليش مقاطعني؟))، أجبت: ((أنا مقاطعك؟ إنت مقاطعني. في أي حال، أنت تعرف أن هاتفي مراقب. أطلب السجلات لتعرف كم مرة اتصلت بي)). طلب مني أن أزوره مساءً، ليريني ما فعله في بيروت. أخذني في جولة في سيارة قادها بنفسه، ثم دعاني إلى العشاء في مطعم في فردان. كان مرحبًا ومحبًّا، وأنا لم أشك يومًا في محبته لي، لكن الإنقطاع شبه التام في العلاقة استمر.

التقيت الحريري صدفة في مناسبة إجتماعيّة في حديقة ((سوفيل)) في الأشرفيّة. نسي نفسه لبضع دقائق، وعانقني وقال لي: ((تعا نحكي)). لم نكن قد بدأنا بالحديث تحت شجرة كبيرة حتى سكت لثوان، ثم تركني ومشى. تذكّر القطيعة. تركني من دون أيّ كلمة. بقينا على هذه الحال. لا هو شرح لي زعله، ولا أنا سألت.

يتبع

لقراءة الحلقة الأولى، 👇الضغط على الرابط التالي:👇

سركيس نعوم يكتب من مزيارة الى واشنطن قصتي مع رفيق الحريري / الحلقة الاولى (1)