2019-08-08 17:21:07

البيت العتيق /بقلم الشيخ أسامة السيد

البيت العتيق /بقلم الشيخ أسامة السيد

البيت العتيق /بقلم الشيخ أسامة السيد

البيت العتيق /بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 9 آب 2019 العدد 1912

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى: ((إنَّ أولَ بيتٍ وُضِع للناس للذي ببكَّة مُباركًا وهدىً للعالمين)) سورة آل عمران.  

وعن أبي ذرٍّ قال: ((قلت يا رسول الله أي مسجدٍ وُضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قال: قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة فصلِّ فإن الفضل فيه)) رواه البخاري.

لا شك أن الكعبة المشرَّفة بيتٌ مُشَرَّفٌ كريمٌ على الله وقد جعل الله فيها الخير العظيم فهي قِبلةُ المؤمنين ومحطُّ أنظار المشتاقين للحج والعمرة والزيارة، وقد أقامها الله في أم القرى مكة المكرَّمة وجعلها محلاً مباركًا يأمن فيه الخائف ويطمئن البائس وتسكن قلوب العاشقين الذين يحنون إلى النظر إلى جلالة هذا البيت المقدَّس، كيف لا وقد عظَّمه الله وزاده مهابةً وإجلالاً وفَرَض على المستطيع الحج إليه والطَّواف حوله، وهو أول بيتٍ وُضع للناس في الأرض كما دلَّ على ذلك القرآن والحديث الصحيح.

وفي أولية البيت الحرام قولان: قيل هو أول بيتٍ وُضِع في الأرض مطلقًا، وقيل: هو أول بيتٍ وُضع أي بُنيَ للعبادة. وكلا القولين حكاهما ابن الجوزي في ((زاد المسير)) وغيره.

بدء أمر البيت

وروى البيهقي في ((دلائل النبوة)) عن عبد الله بن عمروٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بعث الله جبريل إلى آدم فأمره ببناء البيت فبناه آدم ثم أمره بالطَّواف به وقيل له: أنت أول الناس وهذا أول بيتٍ وُضعَ للناس)). وجاء في ((الفتح)) لابن حجر عن عطاءٍ أن ((آدم بناه من خمسةِ أجبُل (جبال) حراء وطُور زِيتا وطور سَينَاء والجُودي ولبنان)). ويُستفاد من هذا أن نبي الله سيدنا آدم عليه السلام وهو الإنسان الأول كان يُجيد البِناء ويُحسن تدبير أمور المعيشة. وقد أقام آدم عليه السلام البيت في أم القُرى تحديدًا بأمرٍ من الله عزَّ وجلَّ وقوله تعالى ((للذي ببكة)) أي بمكة، وإنما سُميت بكَّة لأن الناس يزدحمون فيها والبَكْبَكةُ الازدحام، أو من البَكِّ أي دق العنق. قال ابن منظور في ((اللسان)): ((وبكَّة مكة سميت بذلك لأنها كانت تَبُكُّ أعناق الجَبابرة إذا ألحدوا فيها بظلمٍ وقيل لأن الناس يتبَاكُّون فيها من كل وجهٍ أي يتزاحمون)).

وقوله عزَّ وجل ((مُباركًا)) أي كثير الخير وذلك لِما يحصُل لمن حجّه أو اعتمره أو اعتكف عنده وطاف حوله من الثواب والأجر الجزيل من رب العالمين، وقوله ((وهدىً للعالمين)) أي مكان عبادة المؤمنين وقِبلتهم التي أمر الله بالتوجُّه إليها في الصلاة. 

وقد سمَّى الله تعالى الكعبةَ البيتَ العتيقَ وجعَل الطواف بها للحاج والمعتمر ركنًا لا يصح الحج ولا العمرة بدونه، قال تعالى: ((وليطَّوفوا بالبيت العتيق)) سورة الحج.

قال ابن بَطَّالٍ في ((شرح صحيح البخاري)): ((سمي عتيقًا لِقِدَمه لأنه أول بيتٍ وضع للناس، بناه آدم عليه السلام وهو أول من بناه ثم بَوَّأ الله موضعه لإبراهيم بعد الغرق ((الطوفان الذي كان زمن نوحٍ عليه السلام)) فبناه إبراهيم وإسماعيل)). ويُفهم من هذا أن إبراهيم عليه السلام ليس هو أول من بنى البيت مطلقًا كما هو شائعٌ عند بعض الناس، وإنما جدَّد إبراهيم عليه السلام بناء البيت بعدما كان قد زال زمن الطوفان الذي عذَّب الله به المكذّبين بنوحٍ عليه السلام.

بناء إبراهيم عليه السلام

 قال تعالى: ((وإذ بوَّأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تُشرك بي شيئاً وطهِّر بيتيَ للطائفين والقائمين والرُّكع السجُود وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فجٍ عميق)) سورة الحج. لقد بوَّأ الله لإبراهيم عليه السلام أي دلَّه على مكان البيت لأن أساسه كان ما يزال باقيًا فأعاد بناءه على الأساس الذي كان جعله آدم عليه السلام.

روى الحاكم في ((المستدرك)) عن ابن عبَّاسٍ قال: ((جاء إبراهيم عليه الصلاة السلام فوجد إسماعيل يُصلح له بيتًا من وراء زمزم فقال له إبراهيم: يا إسماعيل إن ربك قد أمرني ببناء البيت. فقال له إسماعيل: فأطع ربك فيما أمرك. قال: فأعني عليه. قال: فقام معه فجعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل يُناوله الحجارة ويقولان: ربنا تقبَّل منَّا إنك أنت السميع العليم)).  

وقوله ((أن لا تشرك بي شيئاً)) تحذيرٌ للناس من الشرك لأن الكفر أكبر الذنوب وهو الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله لمن مات عليه ما لم يتخلَّص منه قبل الموت بالشهادتين. والإضافة في قوله ((وطهِّر بيتيَ)) لتشريف البيت أي الكعبة، وفيه بيان أن للكعبة مقامًا عاليًا عند الله لا بمعنى أن الله يتحيَّز فيها لأن الله لا يحويه مكان. والمراد طهِّره من عبادة الأوثان وقول الزُّور والمعاصي.  وقوله ((للطَّائفين)) أي بالبيت ((والقائمين)) أي المقيمين ((والركَّع السجود)) أي المصلِّين.

وأذِّن في الناس بالحج

روى ابن أبي حاتم عن ابن عباسٍ قال: ((لما فَرَغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قيل له: أَذِّن في الناس بالحج. قال: ربِّ وما يبلُغ صوتي. قال: أَذِّن وعليَّ البلاغ. قال: فنادى إبراهيم عليه السلام: يا أيها الناس كُتب عليكم الحج إلى البيت العتيق. فسمعه من بين السماء والأرض، ألا ترون الناس يجيئون من أقصى الأرض يُلبُّون)). وفي لفظٍ ذكره ابن حجرٍ في ((الفتح)): ((فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء وأول من أجابه أهل اليمن فليس حاجٌّ يحجُّ من يومئذٍ إلى أن تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذٍ)).

قال ابن بطَّالٍ في ((شرح صحيح البخاري)): ((وقال أهل اللغة: معنى لبيك لبيك إجابة بعد إجابة من قولهم: أَلبَّ بالمكان إذا أقام فيه فكأنه قال: أنا مقيمٌ على طاعتك)).

وما زال البيت الحرام قائمًا معظَّمًا محفوظًا ييسر الله له من يُصلحه ويهتم لشأنه، وما زال الناس يقصدونه من شتَّى بلاد الدنيا راجين مرضاة الله تعالى ملتمسين البركات والخيرات والنفحات والأسرار التي جعلها الله في تلك الديار.

إلى طيبةٍ أهدي سلامي وإعظامي              ونشوة أشواقي وجذوة إلهامي

إلى المسجد المقصود من كل زائرٍ               ومن كل عَبَّادٍ ومن كل قوَّام

والحمد لله أولاً وآخراًَ.