2019-07-31 16:35:52

الجزائر: مواجهة كروية ساخنة بين السلطة والحراك الشعبي / بقلم محمد خليفة

الجزائر: مواجهة كروية ساخنة بين السلطة والحراك الشعبي / بقلم محمد خليفة

الجزائر: مواجهة كروية ساخنة بين السلطة والحراك الشعبي / بقلم محمد خليفة

الجزائر: مواجهة كروية ساخنة بين السلطة والحراك الشعبي / بقلم محمد خليفة

مجلة الشراع 2 اب 2019 العدد 1911

 

عادت كرة القدم الجزائرية الى ملعب السياسة, ولكن الداخلية هذه المرة, لا الخارجية. إذ حاول كل من طرفي الأزمة الوطنية ((الحراك الشعبي والسلطة)) تسديدها في مرمى الخصم, وتسجيل هدف لصالحه. وهو أمر طبيعي طالما أن التأزم السياسي في البلد بلغ أقصى درجاته, وأخذ يعكس آثاره وظلاله الرمادية على كل شيء, بما فيها الرياضة, وخصوصاً كرة القدم التي كان لها دائماً دور بارز في ساحة السياسة الداخلية والخارجية. وأبرز فصولها ((الحرب)) التي نشبت عام 2009 مع مصر, وبلغت حداً هدد علاقات البلدين الشقيقين, واستمرت آثارها أعواماً, وامتدت ارتداداتها الى الأنتربول, وسقط فيها قتلى وجرحى!.

في جمعة الحراك الشعبي الثانية والعشرين ((19 تموز/ يوليو)) شاء حظ السلطة أن يكون شعار الحراك ((الشعب يريد دولة مدنية.. لا عسكرية)) بينما كان العالم كله على موعد مع مباراة حاسمة بين منتخبي الجزائر والسنغال للفوز بكأس أمم أفريقيا. وشاء الحظ أيضاً أن تجري المقابلة الساخنة في مصر, حيث ما زالت ذكريات الأمس القريب حية والجراح لم تندمل, مما أضفى عليها مزيداً من التوتر!  

أرادت السلطة, وخصوصاً المؤسسة العسكرية, تحويل المعركة الكروية ((معركة قومية)), واستغلالها لإفشال جمعة ((دولة مدنية لا عسكرية)) فقامت بإجراءات استثنائية :

- تشكيل ((لجنة أزمة خاصة)) برئاسة مكتب رئيس الوزراء لمتابعة التحضيرات لدعم الفريق الوطني .

- إقامة جسر جوي وتخصيص 35 طائرة مدنية وعسكرية ((حسب قناة أورو نيوز – العربية)) لنقل زهاء خمسة آلاف مشجع الى مصر, لتشجيع المنتخب الجزائري ومؤازرته أمام السنغال ووسط جمهور غير مؤيد!.

- تكليف الرئيس المؤقت عبد القادر صالح بالسفر الى مصر مع المشجعين, علماً أنه مريض بالسرطان, وشبه عاجز عن السفر والحركة, حتى أنه اعتذر عن عدم حضور قمتين في الشهور الماضية عربية وأفريقية بسبب المرض.

- نصب 3000 شاشة كبيرة في الميادين العملاقة بالمدن الرئيسية لإغراء المواطنين بالفرجة على اللعبة, وصرفهم عن المشاركة في تظاهرات الحراك السياسي.

- حشد مئات الحافلات لنقل المواطنين بعد صلاة الجمعة الى الساحات التي نصبت فيها الشاشات. وخصوصاً ((ستاد الخامس من جويلية)), أكبر ملاعب العاصمة, حيث نصبت كبرى الشاشات.

وكشف الديبلوماسي المنشق محمد العربي زيتوت أن رجال السلطة العليا صلوا ليلة الخميس لفوز منتخبهم الوطني, لا لأنهم متحمسون قومياً له, ولكن لأنهم استنتجوا في تقديرهم للموقف أن الهزيمة أمام السنغال ستضاعف غضب الجزائريين وتوجهه الى السلطة, فيهتفون ضدها, ويحملونها مسؤولية الهزيمة, مما يؤجج الثورة أكثر في الشارع, وقد يهيجهم ويدفعهم للعنف.

الحراك أفشل حيل السلطة, وتصرف بطريقة وطنية وذكية, إذ ميز بين ما هو قومي وما هو سياسي, فرحب بإرسال خمسة آلاف مشجع للقاهرة لتشجيع المنتخب الوطني , لا سيما أن الجزائريين يعتبرون المنتخب الحالي ((فريق الشعب لا فريق السلطة, حسب قول زيتوت)) منذ أن أسقطوا العام الماضي المدرب السابق رابح ماجر الذي كان محسوباً على سعيد بوتفليقة شقيق رئيس الجمهورية القوي, ففرضه هذا على المؤسسة الكروية, لأنه مؤيد لنظام بوتفليقة, واستغل موقعه لدعم العهدة الرابعة, إلا أن ردود أفعال الجزائريين المستاءة أجبرت ماجر على الاستقالة بعد الهزائم المتتالية التي تسبب بها للمنتخب, وسمحت بإيصال المدرب الحالي جمال بلماضي الذي بذل جهداً خارقاً لاعادة تشكيل الفريق وإعداده للوصول الى بطولة أفريقيا الكروية.

وفي الجزائر نفسها عبر الشارع الجزائري عن تضامنه مع فريقه الوطني من دون أن يسمح للسلطة بصرفه عن متابعة حراكه السياسي ضد السلطة وبقايا النظام السابق. فرفض الجزائريون التوجه الى الشاشات التي أقامتها السلطة في الميادين العامة, ورفضوا ركوب الحافلات المخصصة لنقلهم الى ملعب الخامس من جويلية, وواصلوا تظاهراتهم بالزخم والقوة نفسيهما في الشوارع, وهتفوا مطالبين بإسقاط الدولة العسكرية والبوليسية. وعندما أعلن فوز المنتخب الوطني احتفل الحراك به باعتباره نصراً قومياً, وفرقوا بينه وبين حراكهم ضد السلطة القائمة.

بهذه الطريقة وجه الحراك الشعبي ركلة بارعة للسلطة, وسجل أهدافه في مرماها محققاً فوزاً مزدوجاً!