2019-07-31 16:31:28

رحيل الباجي قايد السبسي: رجل السياسة الاستثنائي / بقلم محمد خليفة

رحيل الباجي قايد السبسي: رجل السياسة الاستثنائي / بقلم محمد خليفة

رحيل الباجي قايد السبسي: رجل السياسة الاستثنائي / بقلم محمد خليفة

رحيل الباجي قايد السبسي: رجل السياسة الاستثنائي / بقلم محمد خليفة

مجلة الشراع 2 اب 2019 العدد 1911

 

  

شغل السياسي التونسي المخضرم محمد الباجي بن حسونة قايد السبسي ((1926 - 2019)) جميع مناصب الدولة العليا منذ استقلالها, ووصل الى الرئاسة عام 2014 عبر انتخابات لم يشكك بنزاهتها أحد. وها هو يرحل عن الدنيا, فائزاً بوداع شعبي حار, يمثل استفتاء وباروميتراً عاطفياً على رصيده الشعبي. وقد تميز مشهد وداعه المؤثر بثلاثة عناصر مهمة, افتقدناها في البلدان العربية, طوال عقود.

 الأول: وفاته الطبيعية, وتشييعه العادي, ككل البشر حين يموتون. لأن غالبية الرؤساء العرب يقتلون ويغتالون, ولا يموتون ولا يودعون بهذا الشكل البسيط المهيب ((رياض الصلح, الملك فيصل الثاني, نوري السعيد, عبدالكريم قاسم, عبدالسلام عارف, الملك عبدالله بن الحسين, وصفي التل, الملك فيصل بن عبدالعزيز, أديب الشيشكلي, سامي الحناوي, سالم ربيع علي, عبد الفتاح اسماعيل, عبدالله الحمدي, أنور السادات, محمد بوضياف, صدام حسين, معمر القذافي, علي عبدالله صالح)) !

الثاني : اتفاق تيارات الشعب التونسي على الاشادة بمناقب الباجي, والحزن عليه بصدق وعفوية, بينما اعتدنا أن يفرح الناس بموت أو مقتل رؤسائهم, بسبب فسادهم وظلمهم وافتقارهم للتأييد.

الثالث: تجربته المعمرة في السياسة والادارة والسلطة, بلغت سبعين عاماً, لم يتعرض خلالها للاعتقال, والنفي, ومحاولات القتل. ولم يثبت عليه التورط في أي جريمة, أو فساد, أو مؤامرة.

هذه المزايا تجعل من الرئيس الراحل نموذجاً استثنائياً في تونس, وفي العالم العربي. وتجعل تجربته انعكاساً لتجربة تونس المعاصرة, منذ استقلالها عن فرنسا الى اليوم, فهي البلد العربي الوحيد تقريباً الذي لم يشهد الانقلابات العسكرية, ولم يعرف الصراعات الدموية.

ولد ((زاد باللهجة التونسية))! محمد الباجي عام 1926 في أجمل وأرقى مناطق العاصمة ((سيدي بو سعيد)) لأسرة من الطبقة الوسطى. وتعلم في مدارس ومعاهد تونس حتى نهاية الثانوية, ثم غادر الى فرنسا لدراسة الحقوق, وعندما عاد عمل محامياً, ثم مستشاراً للرئيس بورقيبة, ولرئيس الحكومة, وللعديد من مؤسسات الدولة.

في 1965 التهب الجو السياسي في تونس متأثراً بصعود حركات التحرر القومية العربية, ضد الاستعمار اختار بورقيبة الباجي وزيراً للداخلية في حكومة يرأسها بنفسه, ثم اختير عام 1969 وزيراً للدفاع, ثم سفيراً في فرنسا.

 وحين وقع الصراع بين التيار الفرانكفوني والاشتراكي ترك الحزب الدستوري, وطالب بتحديث النظام, وانضم للمعارضة, في حركة الاشتراكيين الديموقراطيين بزعامة أحمد المستيري, وترأس تحرير مجلة ((ديمكراسي)) المعارضة.

 ومع حكومة المثقف العروبي البارز محمد المزالي مطلع الثمانينات عاد الباجي الى السلطة وزير دولة, ثم اختير وزيراً للخارجية في فترة استثنائية تميزت بأن تونس أصبحت مقراً للجامعة العربية والعمل القومي المشترك بغياب مصر, ومقراً لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي جعل تونس جبهة من جبهات الصراع مع العدو الاسرائيلي للمرة الأولى, وهو ما استدعى أن يقود سياستها الخارجية شخصية عروبية تتحلى بالكفاءة والشجاعة, وهي صفات إجتمعت في الباجي, على رغم قناعته المبدئية بالبورقيبية المتحفظة على العروبة المشرقية البعثية والناصرية. وبرز في تلك الفترة العاصفة كممثل بارع لتونس العربية وقاد العمل العربي بمهارة واعتدال. وقد رأيته أكثر من مرة يترأس دورات مجلس وزراء الخارجية العرب, ويحسن صياغة التفاهمات المعتدلة بين المواقف المتطرفة ((القذافية, والفلسطينية والعراقية, والجزائرية)) دون أن يصطدم بالدول الغربية.

ومن المحطات اللافتة للانتباه في مسيرته , أنه خلال سنوات زين العابدين بن علي ابتعد عن السلطة ولم يشارك في حكوماته بأي دور, سوى رئاسته للبرلمان في بداية عهده, ثم غاب عن المشهد حتى ثورة 2010, وما أحدثته من تغيرات جذرية في بنية النظام والدولة,  فتوجهت الأنظار اليه ليقود عملية الانتقال, إذ ما من رجل يمكنه القيام بهذه المهمة الدقيقة أكفأ منه.

أدى الرجل دوراً تاريخياً كبيراً في اعادة توليف وتكييف الحياة السياسية التونسية, معطياً الأولوية للوحدة الوطنية, وتطوير النظام السياسي من دون التراجع عن ايجابيات التجربة البورقيبية الديموقراطية, فهو ليبرالي عريق يتبنى التعددية والوسطية, ولم يعرف عنه العداء للاسلام السياسي, أو اقصاء أي تيار آخر.

فكان مؤهلاً لأداء دور صمام الأمان وحفظ التوازن بين التيارات والقوى السياسية والاجتماعية كافة, واستطاع بحكمته وليبراليته وخبرته أن يقود أول حكومة مؤقتة ويرأس أول مجلس انتقالي لانجاح مصالحات غير سهلة بين العلمانيين والاسلاميين وبين الماضي والمستقبل, ثم اصبح موضع رهان القوى البورقيبية والبورجوازية التقليدية لإنشاء حزب ((نداء تونس)) ليوازن الحكم وسياسة الدولة بين اليمين واليسار, وبين الاسلام السياسي والعلمانية المتشددة, وبين الفرانكفونية التونسية الراسخة, والانتماء للعالم العربي, في مرحلة ثورية عاصفة, شهدت ثورات الربيع العربي التي انطلقت شرارتها من تونس, وانتشرت في مشارق الوطن العربي ومغاربه, ثم شهدت موجة ثورات مضادة وأحدثت صراعاً بين هذه وتلك وما زال الصراع مستمراً على يسار ويمين تونس.

سيذكر التوانسة والعرب للرئيس الراحل أنه رجل سياسة استثنائي فهمها بواقعية مرنة, بلا تشدد ولا تحجر, وظل قادراً على التجدد والتكيف مع المتغيرات حتى وهو في العقد العاشر من عمره, وفهم السياسة بمعناها الاصلي: حل مشاكل الدولة والناس بلا عنف ولا تسلط ولا طغيان.. ولا فساد!

مزايا نادرة في عالم عربي مبتلى بهذه الرزايا!!