2019-07-31 16:27:50

سركيس نعوم يكتب من مزيارة الى واشنطن قصتي مع رفيق الحريري / الحلقة الاولى (1)

سركيس نعوم يكتب من مزيارة الى واشنطن قصتي مع رفيق الحريري / الحلقة الاولى (1)

سركيس نعوم يكتب من مزيارة الى واشنطن قصتي مع رفيق الحريري / الحلقة الاولى (1)

سركيس نعوم يكتب من مزيارة الى واشنطن قصتي مع رفيق الحريري

الحلقة الاولى (1)

مجلة الشراع 2 اب 2019 العدد 1911

 

 

مقدمة ((الشراع))

كم هو ممتع ان نقرأ كتاب الزميل سركيس نعوم ((من مزيارة الى واشنطن)) وقد حرض القارىء على قراءته بوضع عبارة ((حين تستفيق الذاكرة)) كعنوان رئيسي يشير الى ما في هذه الذاكرة من وقائع تجذب القارىء سياسياً كان او اعلامياً او رجل أعمال او مواطناً او طالباً..

نعترف اننا ما ان تسلمنا النسخة المهداة من الزميل سركيس حتى تصفحناه سريعاً من الفهرس الى العناوين ليلفتنا اسم رفيق الحريري فنسارع الى التهام كلماته وأسطره وفقراته حتى اكتمال عقد القراءة لنقترح على النفس ان تكون هذه هي البداية..

فأستاذنا الزميل الصديق نشر هذا الذي كتبه عن رفيق الحريري في ((الشراع)) مع جذب وجداني لمعرفة المزيد عن هذا الرجل الذي أحببناه انساناً وصديقاً وسياسياً ومرجعاً حتى اذا غادر فجع العالم بما حصل له.. وكنا معه في حالة الوجع والفجع والصدمة قبل انهيار الدموع والخشية من انهيار الوطن.

أمتعنا سركيس وهو يعترف بوقائع – كما في فصول أخرى في الكتاب – تنقل بصدق وشفافية شديدة ما له وما عليه، في ومن مكنونات النفس البشرية كما في الحقائق السياسية، كما في مكاشفة الآخرين.. وكلها قرائن وأدلة واثباتات قدمها الزميل الصديق قاصداً او عرضاً لأسلوبه في بناء مكانته في صدور القراء لبنانيين وعرباً وعلى كل المستويات السياسية والسلطوية.

شكراً لزميلنا سركيس نعوم على هذه الاضافة في المكتبة اللبنانية وقبلها في العقول زاداً للمعرفة في شؤون يلتهم اللبنانيون وعرب كثيرون وقائعها عندما يجدونها خارجة من فرن واحد من أبرز المعلقين السياسيين، وربما هو الوحيد الذي يتطوع سنوياً ليقدم للقارىء العربي خلاصة تفكير عقول اميركيين في كثير من مواقع السلطة ومراكز البحث والدبلوماسية والتفكير.

ح.ص

 

رفيق الحريري

علاقتي بالرئيس (المظلوم) الشهيد رفيق الحريري تعود إلى العام 1983. التقيته للمرة الأولى في باريس، عند المغفور له الرئيس الياس سركيس، حين أقام هناك بعد انتهاء ولايته الدستورية ومرضه.

لم أكن أعرف الرئيس سركيس قبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية. كنت مندوبًا في القصر الجمهوري حين تم انتخابه، وتربطني صداقة بالمدير العام للرئاسة حينها خليل حداد الذي كان قبل ذلك سفيرًا في روما. بنيت علاقة طيبة أيضًا مع المرافق العسكري للرئيس، الرائد جوزف السّلماني الذي يتحدر من زحلة. كان يكن ودًّا لجميع الصحافيين في القصر، لكنني كنت مميزًا لديه لأنني أحفظ المسافات واللياقات وألتزم البروتوكول. علاقتي مع حداد والسّلماني أفسحت لي المجال للاقتراب أكثر من الرئيس. صار يستقبلني حين لا يكون منشغلاً، وكان يتابع ما أكتب. أما حداد فكان يقول لي أنت ((a selfmade man)).

 في إحدى المرات، دخلت مكتب الرئيس ومعالم الدمار والخراب حوله. سألته بعدما سمعت منه أمورًا عدة: ((لماذا لا تقلب الطاولة على الجميع يا فخامة الرئيس، فتفرض عليهم إيجاد حل يوقف الحرب))، أجاب: ((أنا عندي ((رجلان))، واحدة ثابتة عند الأميركيين لا أزحزحها، وأخرى أحركها في سائر الإتجاهات الممكنة واللازمة)).

أذكر أن الرئيس كان منزعجًا مرة من بعض الأمور ويرغب في ألا تبقى طيّ الكتمان، ولكن من دون إجراء حديث صحافي مباشر. صداقاتي العسكرية والأمنية كانت دائمًا قليلة، وعرض عليّ صديقي العسكري الوحيد في حينه الضابط في استخبارات الجيش عدنان شعبان أن نتناول الغداء في منزل مدير الاستخبارات آنذاك جوني عبده، الذي يعمل هو بأمرته. تحدث عبده يومها عن كل القضايا، كونه قريبًا جدًّا من سركيس ويعلم موقفه منها، وكتبت سلسلة مقالات عنونتها ((سركيس إن حكى))، مقتبسًا عنوان كتاب الشاعر سعيد عقل ((لبنان إن حكى)). أحدثت المقالات صدى كبيًرا وكان الرئيس راضيًا عن مضمونها، على رغم أن عبده أحب أن ((يتذاكى)) مع نشر المقال الأول، إذ اتصل بعدنان شعبان قائلاً إنني لم أحسن نقل الرسالة، ولم ((ألتقط)) تمامًا ما يريد الرئيس تظهيره، وكان جوابي: ((خليه يطوّل بالو)) وينتظر بقية المقالات. وفعلاً، تابع قراءة السلسلة ولم يبد أي ملاحظة أخرى.

ألمّ المرض باكرًا بالرئيس سركيس بعد انتهاء عهده في العام 1982، وانتقل إلى باريس لتلقي العلاج والراحة والابتعاد عن البلاد. سافرت مرتين أو ثلاثًا في تلك الفترة إلى العاصمة الفرنسية، وزرته في منزله للاطمئنان إليه. في الزيارة الأخيرة كان المشهد محزنًا، فبالكاد كان يستطيع الوقوف. أردت أن أغادر، فطلب مني البقاء قائلاً: ((أنتظر شخصًا سيصل بعد دقائق أريدك أن تتعرف إليه. تبقى معنا عشر دقائق ثم تنصرف)). يومها، التقيت رفيق الحريري للمرة الأولى. تعارفنا بمعية الرئيس الراحل الذي أعتقد أنه أراد أن يضرب عصفورين بحجر واحد: أن يعرّفني كصحافي وإنسان إلى شخص بأهمية رفيق الحريري، وأن يعرّف الحريري إلى شخص مثلي، يمكن أن يستعين بخبرته المهنيّة إذا قرر أن يتعاطى السياسة من بابها الواسع.

لم يكن أحد يعرفه، أو يعرف عنه شيئًا. لا في المحيط الإعلاميّ، ولا في ((النّهار))، ولا في المحيط السياسيّ.

شعرت من تصرّف الرئيس سركيس بأنّه يقول للحريري إننّي شخص يمكن أن يعتمد عليه. فالرئيس سركيس كان يعرف عنّي ما يكفي عبر علاقاته بـ((الشعبة الثانية)). وكانت الأجهزة تعرف أنّ صدقيّتي وحرّيّة رأيي هما فوق كلّ اعتبار، وأنّ الأموال لا تهمّني، ولا يمكن أن تدفعني لأغيّر اقتناعاتي وكتاباتي.

لمس الرئيس سركيس أنّ رفيق الحريري يريد أن يتعاطى السياسة والشأن العام في البلد، فضلاً عن استعداده لأن يساهم في إعادة البناء. وهي ناحية مهمّة بالنسبة إلى سركيس الذي كان قد يئس من السياسة والسياسييّن.

حين عقد مؤتمر لوزان في عهد الرئيس الأسبق أمين الجميل في آذار/ مارس 1984، طلب مني المسؤولون في الجريدة أن أسافر إليها لتغطية أعماله وأخباره. كان قد سبقه مؤتمر ((جنيف))، لكنني لم أذهب لتغطيته. لم أكن مقتنعًا بجدوى الحوار بين المسؤولين اللبنانيين في ظل ((اتفاق 17 أيار/ مايو)) مع إسرائيل، فضلاً عن أن ((النهار)) لم تكن مقتنعة بضرورة إرسال مندوب خاص بها.

الحصول على المعلومات في مؤتمر كهذا لم يكن أمرًا سهلاً، وخصوصًا إذا لم تكن علاقة الصحافي جيّدة مع الرئيس أمين الجميل. كنت أتواصل خلال المؤتمر مع جماعة الرئيس نبيه بري، ولم يكن يومها بعد رئيسًا لمجلس النواب، وكذلك مع داني شمعون رحمه اللّه، والرئيس الراحل عادل عسيران، وصديق من زغرتا اسمه الشيخ سيمون بولس (المكاري). كان يعرف شخصيات أميركية ويرتاح إليّ، ويعلم أن لا ودّ كبيرًا يجمعني مع الزغرتاويين عمومًا وآل فرنجية خصوصًا، ((لأن هودي بيضلّو شايفين حالن علينا وما بيتعاطو معنا)). كلما أتيحت له الفرصة، كنا نسير معًا في بهو فندق ((بوريفاج)). كنت أتواصل أيضًا مع رفيق الحريري، ومع ديبلوماسي أميركي اسمه ديفيد ون كان يعمل وقتها في السفارة، وكنا قد أصبحنا صديقَين، وأرسلته إدارته إلى لوزان. قال لي مرّة مستغربًا: ((أنت تتحدث إلى الجميع هنا وهم يتحدثون إليك، لكن كلاً منهم هو ضد الآخر. أي سرّ هذا؟)). أجبته: ((ليس في الأمر سرّ، لكنني لا أكذب عليهم)).

في تلك الآونة، كان مدير مكتب الاستخبارات الأميركية في بيروت وليم باكلي مخطوفًا. ويبدو أن الإدارة الأميركية لم ترسل صديقي الأميركي إلى لوزان لمجرّد الاستطلاع، بل لمحاولة الحصول على أي معلومة تساعد في العثور على باكلي. فقد طلب إليّ أن أساعده في ذلك، لكنني رفضت بشدة، غير أننا بقينا صديقين، وكنت ألتقيه دائمًا في أميركا عندما أزورها، وبقينا كذلك إلى أن ترك الخدمة.

في لوزان، كان هناك ممثل سعودي للعاهل السعودي آنذاك الملك فهد  بن عبدالعزيز. وكان الحريري حاضرًا بصفة غير رسمية كونه متمولاً كبيًرا، وبوصفه جزءًا من الوفد السعودي، وكان يعرف جميع المشاركين. في اليوم الأخير من المؤتمر، سرت أخبار أن هناك اتفاقًا، لكنني كنت أعلم أنهم يبحثون في أمور مستحيلة، فلكل طرف مطلب يناقض مطلب الطرف الآخر. إنتظرت مغادرة الحريري الجلسة الأخيرة، وسرنا معًا حتى المصعد، فطلب مني أن أرافقه إلى جناحه. طلب من أحد مساعديه أن يعدّ له كوب عصير، وأخذ يجهش بالبكاء مثل طفل، ويتلفظ بعبارات ((نابية)) على غير عادته ويقول: ((خربوا البلد، زعران، ما بدّن مصلحة البلد)). بقيت عنده نحو ساعة، وأدركت أن المؤتمر انتهى بفشل ذريع ولم يتفقوا على شيء. لم تكن تلك المرة الوحيدة التي أزوره في جناحه. كما أنني لم أكن الزائر الوحيد. كان صحافيون آخرون يقصدونه، إضافة إلى أناس من جماعته وأصدقائه. المهم أن المؤتمر فشل، على رغم أن البيان الختامي لم يعكس حقيقة الوضع. أرسلت مادة إلى الجريدة في هذا المعنى، وتطرقت إلى قصة بكاء الحريري من دون أن أسميه. لم يقتنعوا في البداية، لكنني قلت لهم: ((طوّلوا بالكم وبتشوفوا))، وشرحت ذلك للأستاذ فرنسوا عقل. وجاء عنوان الصفحة الأولى من ((النّهار)) بتاريخ 21 آذار/ مارس:

هدّد الجميّل بالاستقالة فأنقذ مؤتمر لوزان من الانهيار

وخدّام طالب أصحاب ((الحسابات الخاطئة)) بالإقلاع عنها

خلال المؤتمر، تلقيت اتّصالاً هاتفيًّا من ((النهار)) يقول صاحبه إنّ اتفاقًا بين الصحيفة و((إذاعة مونتي كارلو)) يقضي بأن أنقل إليهم أجواء المؤتمر كلّ يوم على الهواء. رفضت على أساس أننّي أكتب للصحيفة فقط: ((أنتم أحرار في أن تعطوهم المعلومات التي ترونها مناسبة، ولكنّ الراديو مش شغلتي)).

في طريق عودتي إلى بيروت، عرّجت على باريس كعادتي. وصلت إليها بعد منتصف الليل، ونزلت في فندق ((رافاييل)) الذي كان قد دلني عليه ميشال سماحة في زيارة سابقة. قرابة الثانية فجرًا رن الهاتف: ((شو نايم؟)) (بلهجته المميزة الصيداوية السعودية)، أجبت المتصل: ((إيه، شو فايق؟))، رد عليّ: ((أنا رفيق الحريري ما عرفتني؟))، قلت: ((أهلاً كيفك، شو بدّك بهالليل، شو عرّفك إني هون؟))، أجاب: ((ولو يا سركيس، ما حدا بيسألني هالسؤال، أنا بعرف)). أبلغني أن جماعته سيصطحبونني غدًا إلى السفارة السعودية لوضع تأشيرة على جوازي، ومنها إلى المطار لأتوجه في طائرته إلى المملكة. ((شو في بالسعودية؟)) سألت، أجاب: ((ثمة دعوة لك من وزير الإعلام علي الشاعر، وأنا سعيد إنّو بيحبك)). وصلت إلى السعودية، وتوجهنا معًا لزيارة علي الشاعر. خصّنا باستقبال حار في مكتبه، وبعد نحو نصف ساعة، طلب مني الوزير أن أبقى جانبًا لينفرد بالحريري. شكرت له دعوته وخرجت. بعد نحو نصف ساعة، خرج الحريري وقال: ((علي الشاعر بيحبك كتير))، قلت: ((لماذا؟))، أجاب: ((قال لي انتبه لسركيس نعوم، هيدا إنسان محترم كتير وبيحترم نفسو كتير، من الواضح أنه يحبك ويكنّ لك احترامًا شديدًا)).

الواقع أن معرفتي بعلي الشاعر تعود إلى زمن اللجنة الرباعية العربية، إبان عهد الرئيس الياس سركيس. كان ممثلاً لبلاده فيها كونه سفيرًا في لبنان. كنا على اتصال دائم، وحين كنت أسميه في مقالي ((مصدرًا مطلعًا)) كان يبادرني: ((يا سركيس، إنت المصدر المطلع مش أنا)). صرنا صديقين، وصرت أزوره في السفارة. في إحدى زياراتي، توجه من خلف مكتبه إلى طاولة أخرى وسحب مغلّفًا وقال: ((تفضل))، قلت: ((هيدا شو؟))، أجاب: ((هيدا ما شي، بس ليساعدك على قضاء أمور الحياة))، قلت: ((لا بدّي شوفو ولا بدي إفتحو. أنا بعتذر منك بس مش رح آخذو)).

طال النقاش بيننا، فبادرته: ((يا سعادة السفير، لا تدفعني إلى القيام بشيء أندم عليه، إذا أخذت المغلف سأمزقه أمامك)). ثم قلت له: ((ليك، نحنا شو؟))، أجاب: ((نحن صديقان))، قلت: ((عظيم، نحن صديقان حقيقيّان، وهناك مثل يقول: الصديق عند الضيق. إذا احتجت إلى شيء يومًا ما، فسأقصدك ما دمت صديقي)). قال: ((أتحلف على هذا؟))، قلت: ((أحلف)). عولج الأمر بهذه الطريقة، وبقينا صديقين حتى حين تولى وزارة الإعلام.

عدت مع الحريري إلى بيروت، واستمرت الإتصالات بيننا وتطورت العلاقة، وزارني مرة في مكتبي المتواضع في الطبقة السادسة من مبنى ((النّهار)) في شارع الحمراء، غرفة صغيرة بجدران زجاجيّة، وكان معه الدكتور فاروق جبر. حكينا عن كلّ شيء وعن لا شيء.

كان يتواصل حينها مع الرئيس أمين الجميل بتكليف من الملك فهد، في محاولة لإيجاد حل للأزمة، بمعزل عن موضوع إعادة إعمار وسط بيروت. كان يلتقي أيضًا الرئيس سليم الحص، قبل أن تسند إلى الأخير رئاسة الحكومة بدعم من المملكة. في تلك الفترة، سألني ومجموعة من أصدقائه والعاملين معه: ((من تفضلون لرئاسة الحكومة؟))، أجبت مبتسمًا: ((أنت))، فقال ضاحكًا: ((لا تنافقني، سليم أفضل الآن))، ضحكت لأنه كان محقًّا، وسعدت بموقفه، ولما سألته: ((ليش ما جيت إنت محلو))؟، أجاب: ((بعد بكير عليي، طوّل بالك)).

تعرفت إلى رفيق الحريري قبل كثيرين، قبل غسّان تويني وطلال سلمان وجوني عبده. وبعد فشل مؤتمر لوزان، بقيت تسود فكرة بضرورة إجراء حوار لوقف الحرب. كنا نلتقيه في باريس أو الرياض، وحاولنا في أكثر من مناسبة أن نكتب مبادىء أو مشاريع حلول للقضايا المختلف في شأنها. حوارات ومناقشات طويلة، إلى أن استقر رأيه على أن إحدى وسائل الحل هي إجراء حوار بين المتقاتلين، أي ((الحزب التقدمي الإشتراكي)) وحركة ((أمل)) و((القوات اللبنانية))، ولا يمكن أن يتم ذلك من دون موافقة سوريا أو رعايتها. قرر أن يعمل على ذلك، وأخذت تتشكل نواة فريق لهذا الغرض يقوده الحريري، وضمّني مع جوني عبده وميشال سماحة وصديقي الضابط عدنان شعبان. مروان حمادة كان أيضًا موجودًا. وأحيانًا، كان ينضم إلينا الوزير الأسبق الفضل شلق وآخرون من جماعة الحريري.

كنت أعرف ميشال سماحة في إطار عملي الصحافي. كنت مراسلاً في القصر الجمهوري، وكان سماحة وكريم بقرادوني ((يتنافسان)) عند الرئيس الياس سركيس، وخصوصًا أن الإثنين قريبان من دمشق. باتا صديقين لي، لكنني شعرت بأن ميشال يزودني قدرًا أكبر من المعلومات. زار الرئيس سركيس مرة دمشق، فعقدت جلسة طويلة مع سماحة، ونشرت كل ما حصلت عليه في الجريدة صباح اليوم التالي. من يومها، ((ركبت)) العلاقة.

كان رفيق الحريري يعشق بيروت، ويتألّم عندما يراها تنزف. كان يسعى جاهدًا إلى وقف الحرب في لبنان وإعادة إعمار البلد، وخصوصًا الوسط التجاري للعاصمة. يسأل، يستشير، يخطّط دائمًا.

قرّر، في خطوة أولى، أن يبني علاقة بين ((القوات اللبنانيّة))، الميليشيا المسيحيّة اللبنانيّة، والنظام السوري. كان رهانه أنّ الحوار بين ((القوات)) والنظام السوري سيؤدّي حكمًا إلى حوار مع حركة ((أمل)) و((الحزب التقدّميّ الإشتراكي)).

أمّا القاسم المشترك بين ((القوات)) و((الحركة)) و((الحزب)) فهو السلاح. فالأطراف الثلاثة ميليشيات مقاتلة ومتقاتلة، يسيطر كلّ منها على قسم من الأرض اللبنانيّة. لكن هذا المشروع لم يرق أصحاب المشاريع السياسيّة غير المسلّحة، مثل الرئيس أمين الجميل، على رغم حزب الكتائب وميليشياته المسلحة في حينه، والرئيس حسين الحسيني وآخرين. شعروا بأنّهم مستبعدون، وبأنّ رأيهم لم يؤخذ في الاعتبار.

بدأ العمل بتهيئة أجواء حوار بين ((القوات)) و((الكتائب)) من جهة، ودمشق من جهة أخرى. كلفت العمل على هذا الموضوع مع ميشال سماحة الذي عرّف الحريري إلى إيلي حبيقة، رئيس الهيئة التنفيذية في ((القوات))، ثم مباشرة مع حبيقة. جرت لقاءات عدة بيننا، حتى طلب السوريون كتابًا خطيًّا من ((القوات))، يتضمن التزامًا بالمبادىء الأساسية مثل عروبة لبنان والعلاقة الاستراتيجية مع سوريا، وهذا كله تضمنه اتفاق الطائف لاحقًا. اقتنع حبيقة في النهاية، وتم صوغ الكتاب بمساهمة مباشرة مني. كانت هذه الرسالة بمثابة مستند يبرّر استقبال السوريين وفد ((القوات اللبنانيّة))، ويقنعهم بإقامة علاقة معها.

كنّا في باريس، عند رفيق الحريري، وتقرّر أن أكون من يسلّم رسالة التعهّد إلى القيادة السوريّة. توجّهت إلى دمشق بناء على موعد مع عبد الحليم خدّام. ركبت سيارة من برج حمود إلى بلودان، مصيف خدّام، حيث سلّمته الرسالة. في هذه الأثناء، كان رفيق الحريري يقوم برحلات مكوكيّة بين بيروت ودمشق وباريس، وكنت معه في غالبية زياراته لدمشق للقاء القادة هناك.

قصدت دمشق مرة برفقة الحريري، وكنت قد عقدت اجتماعات متكررة مع خدام. بعد وصولنا إلى الفندق، أبلغني أنه ذاهب لمقابلته. بدا سعيدًا بعد عودته. أخذني من يدي، وصعدنا إلى جناحه الخاص، ثم قال لي خلال ((تمشينا)) في الممر: ((حضّر حالك، عبد الحليم قلي إنو إنت رجل وطني ولازم تشتغل بالسياسة)). لم أجب بنعم أو لا ولم أعلق، واكتفيت بابتسامة. طبعًا، لم يكن الأمر واردًا بالنسبة إليّ، لأنني لا يمكن أن أكون ((زلمة حدا)).

يتبع