2018-07-02 16:18:43

زار عبدالناصر بني غازي زحفت الناس لاحتضانه / بقلم عبدالقادر غوقة

زار عبدالناصر بني غازي زحفت الناس لاحتضانه / بقلم  عبدالقادر غوقة

زار عبدالناصر بني غازي زحفت الناس لاحتضانه / بقلم عبدالقادر غوقة

زار عبدالناصر بني غازي زحفت الناس لاحتضانه / بقلم  عبدالقادر غوقة

مناضل عروبي وسفير ليبـي

في لبنان وفي مصر

البشرى كانت أكبر من أن يصدقها أبناء مدينة بني غازي، خلال أيام سيكون بينهم القائد الأسطوري جمال عبدالناصر، الاسد الجريح الذي تعرفه مدينتهم حق المعرفة.. فللمدن ذاكرة لا تنسى الرجال الأفذاذ الذين مروا بتاريخها، عرفوه منذ خاطبهم بحب وتقدير واحترام.

((ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد))، عرفوه يوم زأر في مسجد الأزهر  يرفض الاستسلام والذل.. ووقف شامخاً يوزع السلاح على شعبه ويقاوم العدوان البريطاني – الفرنسي – الصهيوني على بور سعيد ويلتف حوله كل أحرار العالم، عرفوه يرفض التبعية لأي قوة على الارض مهما عظمت.. ويرفض ان تكون أقطار الوطن العربـي ((محميات)) ومناطق نفوذ لقوة عظمى، وأعلن حياده بين القوتين الأعظم في ذلك الوقت، وقاوم محاولات القوتين استقطاب بعض أركان الحكم للهيمنة على الدولة، وانضم اليه نهرو وتيتو وشكلوا معاً كتلة ((الحياد الايجابـي))، التي ستضم في ما بعد اكثر من ثلثي سكان العالم.

عرفه أبناء بني غازي عندما ساعدهم في تحقيق حلم تأسيس أول جامعة ليبية تضعهم على طريق النهضة والتقدم.. فقد تنازل الشيخ الجليل الملك الصالح محمد ادريس السنوسي رحمة الله عليه عن قصره في مدينة بني غازي ليكون مقراً لها، لكن ميزانية الدولة الفقيرة الوليدة آنذاك عجزت عن تحقيق الحلم.

وكانت أول هدية من عبدالناصر للمدينة العربية الليبية ان أوفد لها أهم وأقدر دكاترة الجامعات المصرية ليكونوا نواة لأول هيئة تدريس بالجامعة الليبية في بني غازي، يتمتعون بكفاءة عالية تمكنهم من القفز في سنوات قليلة لتصبح من أهم عشر جامعات في الوطن العربـي، ويتقاضون رواتبهم من السفارة المصرية وقنصليتها في بني غازي.. كما أصدر قراراً بإعفاء الطلبة الليبيين من رسوم الدراسة في الجامعات المصرية..

انه جمال عبدالناصر الذي سيصل مدينتهم بعد ايام، وفي توقيت مناسب جداً لاستقباله.. فلم يمض على قيام ثورة الفاتح سوى أقل من أربعة أشهر، لكنها تمكنت من إخلاء القواعد الاميركية والبريطانية وطرد قواتها التي ساندت العدوان على مصر وانحازت للعدو.

سكان بني غازي يريدون ان يقولوا للزعيم ها نحن أحرار بعد ان طهرنا بلدنا من القواعد العسكرية، أحرار لنستقبلك على ارض عربية حرة، كجزء من جماهير رفضت الهزيمة وبايعتك قائداً قومياً لمسيرة شاقة وعسيرة تحتاج الى قيادة استثنائية لا تتوافر إلا في الزعيم الذي وثقت به.

يأتيها ليلتقي معها مباشرة، من الدار البيضاء، والجزائر، وطرابلس، وها هو سيصل الى مدينة بني غازي.

وكان محافظ مدينة بني غازي آنذاك الدكتور عبدالوهاب الزنتاني وكنت مراقباً لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية في المناطق الشرقية.

وكلانا يعرف عبدالناصر شخصياً، ويلتـزم بمشروع النهضة العربية القومية التي يقودها، الامر الذي دعانا للتعاون مع شباب المدينة الوطنية والقومية لاستقبال الزعيم بما يليق بمكانته، ويعبر عن حب وتقدير أهلها، ومبايعته بالمضي معه على طريق النضال والكفاح من اجل كرامة الأمة العربية وحريتها، واتفقنا ان تحشد الجماهير التي عرفت بتأييدها للقضايا القومية والمشاركة الايجابية في الدفاع عنها وتبدأ بالجامعات والمعاهد والنقابات الحزبية والأندية الرياضية والجمعيات النسائية وبقية منظمات المجتمع المدني، ووجدت استجابة وحماساً شديدين من جميع من اتصلنا به.

وفي يوم اللقاء كنا نتابع وصف الإذاعة الليبية لمراسم وداع عبدالناصر من مطار طرابلس متجهاً الى بني غازي والتي سيصلها بعد ساعة واحدة من الاقلاع، وقد صدمنا حين وجدنا شوارع مدينتنا تكاد تكون خالية من المارة، وأسواقها ومتاجرها مغلقة، ومدارسها وجامعاتها وحتى مراكز الشرطة ساكتة لا حراك فيها، وكأن بني غازي تحولت الى مدينة أشباح، فلا أفراح ولا زغاريد ولا هتافات ولا وقفات ترحيب.. وكانت صدمة شديدة ونحن نتابع صوت المذيع يصف نزول عبدالناصر من الطائرة بمطار ((بنينا)) في المدينة وكيف اندفعت الجماهير مجتاحة صف الاستقبال الرسمي وطابور الشرف التقليدي، واحتضنت زعيمها لترافقه الى مقر إقامته في موكب فريد تحيط به الجماهير من كل جانب.

ويقف العملاف يحييها وكأنه وسط بحر من البشر، يتحرك الموكب ببطء شديد كأن المستقبلين لا يريدون وصوله الى مكان يفارقهم فيه. كانت الناس تسير حول موكبه الذي استمر اكثر من ثلاث ساعات في طريق واحد يمكن عبوره خلال دقائق.. وعند الوصول الى قصر الضيافة (قصر ولي العهد) حاصرت الجماهير القصر طوال الليل وحتى صباح اليوم التالي يهتفون للوحدة والكرامة والمقاومة الشجاعة ورمزها عبدالناصر.. وقد استقبل طوال اليوم الوفود الشعبية التي جاءت تبايعه، واستقبل عميد البلدية الأخ عبدالوهاب الزنتاني مع الوفد الرسمي واستقبلني مع وفد المفوضية العامة لحركة الكشافة.

وفي اليوم التالي كان لقاء الزعيم مع جماهير بني غازي في (المدينة الرياضية) لقاء تاريخي مفعم بالحب والتقدير والاحترام والثقة والأمل والإصرار والعزيمة والاستعداد للتضحية وهتافات تصدح بها الجماهير:

((شعب عربـي واحد)) – ((جيش عربـي واحد)) – ((نحن جنودك يا جمال))، وقد تأثر الزعيم الراحل بهذه المشاعر الصادقة، وبدأ خطابه مأخوذاً بصدق الجماهير وحماستهم، معبراً عن تقديره لهذه المدينة وأهلها. وخاطبهم بقوله: ((لا أستطيع ان أعبر عما يجول في نفسي بعد اللقاء الكبير الذي التقينا به بالأمس، عندما وصلت الى مدينتكم العظيمة بني غازي.. لقد كان هذا اللقاء من أروع اللقاءات التي رأيتها في حياتي، وكان لهذا اللقاء معان كبيرة.. لقد رأيت مدينتكم تخرج كلها.. وبعد اللقاء لم يكن لي ما أقول إلا الحمد لله رب العالمين..)) ، وقاطعته الجماهير مراراً بالتصفيق والهتافات العفوية. وعلق على ذلك بقوله ((هذه الهتافات لم تكن ابداً مناسبة شخصية ولكنها كانت تعبر عن الأماني القومية وليست موجهة لجمال عبدالناصر.. ولكنها موجهة للأمة العربية كلها)).

وأضاف بأن ((الأمة العربية قد ازدادت بكم قوة، وقد لمست اثناء الفترة القصيرة التي أمضيتها في ليبيا ان الشعب الليبـي يمتلىء بالقوة والايمان والتصميم)).

ثم نبههم الى الأخطار التي سيتعرضون لها بقوله: ((سيحاول الاستعمار ايها الأخوة، ان يبث الفرقة بين قواتكم المسلحة.. ولكني على ثقة بأن هؤلاء الرجال الذين قاموا بالثورة يستطيعون بعون الله ان يحافظوا على وحدتهم حتى يحموا الثورة)).

واختتم الزعيم الراحل خطابه بمقولة ثبت صحتها: ((ان الأمة العربية قد صممت على ان تسير في طريقها لتحرر ما اغتصب بالقوة.. وأن الأمة العربية تشعر في قرارة نفسها: أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة))..

 

عبدالناصر في بني غازي

عبدالقادر غوقة

خلت شوارع المدينة فصدمنا.. ثم اكتشفنا ان الناس كلها في المطار لاستقبال زعيمها جمال عبدالناصر