2018-07-02 16:14:07

ولد ناصر في مصر.. أما ((الناصرية)) فولدت في سورية / بقلم: محمد خليفة

ولد ناصر في مصر.. أما ((الناصرية)) فولدت في سورية / بقلم: محمد خليفة

ولد ناصر في مصر.. أما ((الناصرية)) فولدت في سورية / بقلم: محمد خليفة

ولد ناصر في مصر.. أما ((الناصرية)) فولدت في سورية

 

علاقة حب وتكامل تاريخية بين سورية ومصر جسدها ناصر

*قاتل السوريون في حرب 1956 فدافع ناصر عنهم في 1958 و1967  

*تجربة ((الوحدة)) أعظم تجليات العلاقة بين مصر وسورية

*استقبال السوريين لناصر ووداعه ظاهرة غرائبية وأسطورية !

*أول تنظيم سياسي يتبنى الناصرية نشأ في سورية 1961

*ناصر حقق الوحدة والاندماج القومي بين العرب

 

بقلم: محمد خليفة  

 

ولد جمال عبدالناصر في مصر عام 1918.. وفي سورية ولدت ((الناصرية)) عام 1958!

وبينما فك عبدالناصر علاقة مصر بالسودان عام 1957.. شيد أول وحدة عربية معاصرة مع سورية عام 1958 .

في 28 ايلول/سبتمبر 1961 وقعت جريمة الانفصال, وفي 28 ايلول/سبتمبر 1970 انتقل الى رحمة الله.

وما من حرب خاضتها مصر ضد اسرائيل إلا وكانت سورية طرفاً فيها.

 أربعة أمثلة على أن ثمة علاقة خاصة وفريدة نشأت بين قائد ثورة تموز/يوليو المصرية منذ شهورها الاولى عام 1952 وسورية بلداً وشعباً. علاقة تختلف عن مثيلاتها بين جمال عبدالناصر وأقطار الوطن العربي الأخرى كافة, متجاوزة القواعد السياسية والاستراتيجية, الى حالة استثنائية من الحميمية والعاطفية من الطرفين تجاه بعضهما بعضاً, لا مثيل لها في علاقاته مع الأقطار الاخرى بما فيها السودان الذي يرتبط بمصر بعلاقات استثنائية بحكم الارتباط العضوي والتاريخي, ولكون ناصر القومي الوحدوي هو الذي منح السودان حق الانفصال عن مصر بعد مائة سنة من الارتباط.

عندما حدثت ثورة تموز/يوليو 1952 كان السوريون ينظرون بشك وريبة للإنقلابات العسكرية عموماً جراء تجاربهم المريرة مع الانقلابات التي نفذها عساكرهم بعد الاستقلال عام 1945 وقوضت ديموقراطيتهم الوليدة, فأسقطوا على ثورة 1952 الشك والريبة نفسيهما, ولكن هذه النظرة المسبقة ما لبثت أن تبددت بسرعة, وحل محلها إعجاب بالضباط الاحرار وانجازاتهم المتلاحقة, فالتقطوا بحسهم وحدسهم القوميين اتجاهات ثوار تموز/يوليو القومية, وخصوصاً الحرب الشاملة التي أعلنوها على الاستعمارين البريطاني والفرنسي في المنطقة, وطرحهم خطاباً عربياً ناضجاً لم تعرفه مصر من قبل, وترجمته الى دعم سريع وتبن كامل لثوار الجزائر والمغرب وتونس, وتبنٍ للقضية الفلسطينية في المشرق, ومد جسور مع حركة القوميين العرب في المشرق ونخب أخرى.

 

مصر وسورية علاقة استثنائية

 أما العلاقات الحية فبدأت باتصالات متبادلة بين الجانبين, وانفتاح على قوى وشخصيات قومية بارزة, وكان من اللافت لقاء مبكر لعبدالناصر مع المفكر القومي ساطع الحصري. وشهدت هذه العلاقة وتيرة مطردة من التطور بلغت أوجها في أثناء معركة تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي, إذ اخذ السوريون  مواقف داعمة ومؤيدة لمصر تجاوزت الخطب والبيانات الى مشاركات فعلية وفعالة. أهمها مشاركتان بارزتان:

 الأولى: عندما وقع العدوان الثلاثي على مصر كانت دفعة من ضباط البحرية السوريين يتلقون دورة خاصة في الأكاديمية البحرية المصرية على زوارق حربية حديثة, وعندما هاجمت القوات البريطانية والفرنسية  مصر, كان على رأسها المدمرة الفرنسية ((جان  دارك)) اقوى وأحدث مدمرة في العالم, وكانت تتحرك نحو بور سعيد لقصفها  فاستأذن الضابط السوري جول جمال قائده المصري بمهاجمة ((جان  دارك)) لمنعها من  بلوغ هدفها, وعرض عليه خطة محكمة لمهاجمتها, فوافق عليها قائده. قاد جول عدة طوربيدات مليئة بالمتفجرات, وتظاهر بالهجوم على المدمرة من مقدمتها لإشغال طاقمها, ولكنه التف بسرعة حولها وهاجمها من وسطها, وهي النقطة الأضعف في جسدها  فاخترقها وفجر نفسه فيها, محدثاً انفجاراً هائلاً, فغرقت خلال دقائق بما فيها من جنود وتجهيزات وأسلحة, وأصبح الشهيد البطل جول جمال نجم أبطال حرب 1956, وأحدث استشهاده والعملية التي قام بها موجة عارمة من التفاعل الشعبي القومي بين الشعبين المصري والسوري. 

الثانية: في هذا المناخ المفعم بالمشاعر القومية قام ضباط المكتب الثاني السوري (الاستخبارات العسكرية ) بقيادة العقيد عبدالحميد السراج بعملية كبيرة أخرى في سورية دفاعاً عن مصر, تمثلت في نسف أنابيب النفط العابرة من العراق للساحل السوري في طريقه الى بريطانيا وفرنسا وأوروبا, فانفجرت الانابيب وتوقف تصدير النفط, وأحدثت العملية تأثيراً هائلاً على المستويين العربي والدولي, الشعبي والرسمي, وكان لها أثر قوي في دفع الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة لردع الدول المعتدية الثلاث وفرض وقف فوري للحرب, فخرجت مصر منتصرة, وخرج ناصر زعيماً عربياً وعالمياً وبطلاً تحررياً, واستردت مصر سيادتها على قناة السويس. 

انعكست الاحداث السابقة على المشرق العربي كله, وبلغ المد القومي أوجه ولا سيما في سورية ومصر, وأحيت قصة جول جمال قصة سليمان الحلبي السوري الذي اغتال الجنرال كليبر قائد الحملة الفرنسية  على مصر في مطلع القرن التاسع عشر. 

 

تجربة الوحدة 1958 - 1961

كان الشعب السوري يعيش في ذلك الوقت انقساماً وصراعاً سياسياً خطيراً بين القوميين والشيوعيين, والموالين للنظام العراقي الرجعي وأتباع البريطانيين والفرنسيين.

كانت سورية مهددة بالغزو من العراق وتركيا ومن ورائهما بريطانيا وأميركا وايران, ومع بروز مصر وجمال عبدالناصر قائداً للتحرر والتوجه القومي وجد بعض الضباط السوريين الكبار المخرج في الوحدة مع مصر, فتوجهوا الى القاهرة من دون علم القيادة السياسية, وطالبوا عبدالناصر بالوحدة إنقاذاً لسورية من الانقسام الداخلي والغزو الخارجي, فوافق مدفوعاً بمشاعر خلقتها تجربة 1956 وعوامل جغرافية سياسية تاريخية حكمت علاقات مصر والشام على مر العصور, منذ عصور الفراعنة, والفتوحات الاسلامية, والغزو المغولي, والحروب الصليبية, وأخيراً عصر النهضة الحديث الذي بدأ مع محمد علي وأبنائه. ففي كل هذه العصور كانت مصر والشام تتحالفان أو تتحدان لحماية المنطقة ودحر الغزاة, حتى أصبح أمن المنطقة مرهوناً بوحدة الدولتين, وأصبحتا بمثابة جناحين للأمة العربية. 

كان جمال عبدالناصر قبل الثورة مدرساً لعلم الاستراتيجيا في الاكاديمية العسكرية, ولذلك فقد كان مدركاً بحكم ثقافته لأهمية العلاقات الخاصة مع الشام, وأن حدود الأمن الوطني والقومي لمصر تمتد شرقاً الى سورية, وتمتد جنوباً الى مضيق باب المندب, وغرباً الى مضيق جبل طارق والمغرب الاقصى, وعليه, فمصير سورية شأن مصري, كما هو مصير مصر شأن سوري. 

اقتنع عبدالناصر عام 1957 بضرورة العمل لانتشال سورية من الأخطار التي تحاصرها من الخارج وتهددها من الداخل فوافق على مبادرة الضباط السوريين المدعومة من الشارع السوري الذي كان يموج لإنجاز الوحدة فوراً, ولم تكن القيادة الدستورية السياسية رافضة لها, وخصوصاً  رئيس الجمهورية شكري القوتلي. 

وافق عبدالناصر على الوحدة وانهمك في العمل على بنائها, وإرسال قوات مصرية الى حدود سورية الشمالية لردع الجيش التركي الذي كان يهدد بغزوها بأوامر من حلف شمال الاطلسي رداً على انفتاح سورية على الاتحاد السوفياتي.

تم اعلان الوحدة السورية - المصرية في 22 شباط/فبراير 1958 ولم يكن ذلك حدثاً عادياً أبداً, بل كان حدثاً استراتيجياً وتاريخياً، فهو أول تجربة وحدوية بين الاقطار العربية التي مزقها الاستعمار البريطاني - الفرنسي قبل اربعين عاماً محطماً مشروع الوحدة العربية عام 1920.

 نالت الوحدة الجديدة تأييد الغالبية الكاسحة من الشعبين, وتحولت الفرحة بها عرساً جماهيرياً حماسياً وعاطفياً, احتفلت به كل الشعوب العربية  لأنه أحيا مشروع ((الوحدة العربية)) الذي بدأ العمل له في تاريخ العرب الحديث مع عصر النهضة في عهد محمد علي وابنه ابراهيم الذي فتح سورية وحكمها في ثلاثينيات القرن 19 وتدخلت الدول الاوروبية لاسقاطه بالقوة عام 1842, ثم تجدد السعي له مع ((الثورة العربية)) بعيد الاستقلال عن السلطنة العثمانية, ولكن الاستعمار الاوروبي ضربه للمرة الثانية عبر اتفاق التقسيم الشهير سايكس - بيكو بين فرنسا وبريطانيا.  

إذن فوحدة سورية ومصر 1958 التي فرضتها جماهير سورية أولاً ولم يطرحها القادة السياسيون ليست بدعة ابتدعها ضباط متحمسون في الجيش السوري للقفز الى السلطة ولا حلماً من أحلام التوسع المصري, ولا رغبة شخصية لعبدالناصر كما قال أعداؤه وأعداؤها, ولكنها فكرة تاريخية بالغة الاصالة في وعي الشعبين, ووعي النخب السياسية والأمنية والشعبية, وتحتل المرتبة الأولى في سلم الأولويات القومية للعرب جميعاً. وقد أدرك الضباط الاحرار في مصر وزملاؤهم القوميون في سورية ومن ورائهم الشارع السوري والمصري والعربي في تلك اللحظة التاريخية أن ثمة فرصة مواتية لإنجاز هذا الهدف القومي  الاستراتيجي لا ينبغي إضاعتها, وتوفرت شروط الوحدة الموضوعية الثلاثة, ثورة تموز/يوليو, زعامة عبدالناصر والزخم الشعبي المنقطع النظير.

في غمرة هذا التحول العظيم عارضت بعض الشراذم الحزبية الوحدة, كالشيوعيين البكداشيين, والاخوان المسلمين الذين كانوا يعادون ناصر في مصر قبل سورية , فضلاً عن بعض الاقطاعيين والبورجوازيين والطفيليين في الداخل السوري. وعلى الصعيد العربي اصطفت الأنظمة الرجعية المرتبطة بالاستعمار في وجه الوحدة خوفاً على أنظمتها وعروشها من الانهيار ودعمت الشراذم السابقة, وأجهزة الدولة العميقة والأحزاب والصحف الممولة من السفارات الغربية وشركات النفط البريطانية والاميركية, وشكلت  محوراً قوياً لإسقاط الوحدة بأي ثمن.

ولعل أهم المفارقات هنا أن هذا التحالف المعادي لناصر وللوحدة يعود الفضل له في صك وترويج تعبير ((الناصري)) أو ((الناصريون)) للمرة الأولى للإشارة الى مؤيدي الوحدة والزعيم العربي. وتلقفت الصحف اللبنانية ومحطات الراديو الاجنبية التعبير لوصف المؤيدين لناصر وتمييزهم. ثم ظهر تعبير ((الناصرية))  للدلالة على التوجهات القومية والتحررية لنظام ثورة تموز/يوليو بقيادة جمال عبدالناصر. 

لقد ظهر التعبير في سورية أولاً, ثم ظهر المفهوم ثانياً, ثم ظهر التنظيم الحركي والسياسي ثالثاً بعد طعن الوحدة في انقلاب 1961 الذي مولته شركات النفط البريطانية, وقاده حفنة من ضباط البورجوازية  الذين فقدت عائلاتهم امتيازاتها بموجب قوانين تموز/يوليو الاشتراكية من العام نفسه, ودعمته بعض الاحزاب والزعماء المحليين الذين خسروا امتيازاتهم بوجود ناصر, وصاروا يسعون للتخلص منه بأي ثمن.

بعد أيام من حدوث الانفصال انقسم السوريون واللبنانيون والعرب جميعاً الى ناصريين وانفصاليين, أي مؤيدين لناصر والوحدة, ومعادين لهما. وتأسس في سورية أول تنظيم سياسي يتبنى ((الناصرية)) كإيديولوجية وطنية وقومية, هو ((حركة الوحدويين الاشتراكيين)) بقيادة فايز اسماعيل ومعه سامي صوفان وأدهم مصطفى وآخرون. وقادت ((الحركة)) المقاومة الشعبية اليومية ضد النظام الانفصالي الجديد مطالبة بعودة الوحدة. وغطى شعارها الشهير ((ناصر وحدة متحدة)) 80% من مباني ومنشآت وشوارع سورية. والى جانب حركة الوحدويين الاشتراكيين ظهرت مجموعات ناصرية كثيرة في المدن السورية الرئيسية, كجماعة أديب النحوي وجماعة عبد الرحمان عطبة في حلب, وجماعة أدهم مصطفى في دمشق, وجماعة محمد الجراح في ريف دمشق, اضافة لجماعات اخرى في حماة.. إلخ. وقد حرضت هذه التنظيمات الشعبية الضباط الوحدويين ((الناصريين والبعثيين)) في الجيش ودفعتهم للتكتل معاً لإسقاط حكم الانفصاليين بعد اقل من سنتين وإعادة الوحدة فوراً مع مصر, ولكن ضباط البعث السوريين انقلبوا على الناصريين ورفضوا الوحدة, وعاد الصراع بينهما وتكررت محاولات الانقلاب.   

وفي عام 1964 التقى قادة المجموعات والتظيمات الناصرية السورية في بيروت لتوحيد قواهم وأسسوا ((الاتحاد الاشتراكي العربي)) بقيادة د. جمال الاتاسي, جاسم علوان, فايز اسماعيل, اديب النحوي,  عصمت هنانو, ظافر خير الله وعبدالرحمان عطبة.. إلخ. ولكن التنظيم الجديد ما لبث أن انقسم وخرجت منه حركة الوحدويين الاشتراكيين, وانقسم الباقون بين تنظيم يغلب عليه الطابع اليساري بقيادة الاتاسي وتنظيم ينحو منحى إسلامياً بقيادة محمد الجراح وعطبة, ولكن التنظيم الاخير تلاشى في غضون عشرين عاماً واندثر, أما التنظيم الاول فحافظ على موقعه حتى اليوم, كأكبر تنظيم سياسي على الساحة السورية معارض لنظام البعث ثم نظام الاسد منذ تأسيسه, وهو الذي طرح بعد هزيمة 1967 المبادرة لإنهاء حكم الحزب الواحد وبناء جبهة وطنية تقدمية لإدارة البلاد ومواجهة اسرائيل ولكن النظام رفضها واعتقل أكثر من الف عضو للإتحاد. وفي السبعينيات قاد تحرك النقابات العمالية ضد النظام, وفي الثمانينيات شارك مع حزب الشعب جبهة المجتمع المدني, وفي عام 2000 بعد وفاة الاسد قاد الحراك الذي عرف بإسم ربيع دمشق. وما زال الاتحاد الاشتراكي حتى اليوم يقود أكبر تجمع سياسي معارض بإسم ((هيئة التنسيق الوطني)) الذي تشكل بعد ثورة 2011. 

 

ظاهرة غرائبية

في سنوات الوحدة 1958 - 1961 شهدت سورية تغييرات اجتماعية وسياسية جذرية, وخاصة بعد التأميمات (قوانين تموز/يوليو الاشتراكية عام 1961 ) وضربت القوى الاقطاعية والرأسمالية الكبيرة, ورغم قصر الفترة تحققت انجازات اقتصادية واجتماعية على صعيد البنى التحتية والأساسية ما تزال حتى اليوم من أعظم ما تحقق في سورية بعد الاستقلال عن فرنسا, وخاصة في مجالات التعليم والصحة والاصلاح الزراعي والتصنيع. 

وفي تلك السنوات الثلاث حافظ ناصر على علاقته الحميمة بالجماهير السورية, وحرص على زيارتها سنوياً في ذكرى الوحدة سنوياً, وكان يطوف في المدن حتى أنه زار المحافظات كافة عدة مرات في ثلاث سنوات بينما حكم حافظ الاسد سورية 30 سنة ولم يزر سوى حلب وحماة وحمص وادلب مرة واحدة لعدة ساعات, ولم يزر المدن الشرقية والجنوبية ابداً, واقتصرت حركته بين دمشق واللاذقية حصراً.

وفي سنوات الوحدة كانت لقاءات ناصر والجماهير السورية ظاهرة غير بروتوكولية, ولا عادية, ولا نمطية, بل ظاهرة غرائبية مدهشة, لما تكتسبه من حفاوة اللقاءات, وحرارة العواطف, وعمق الثقة بين الشعب والزعيم الملهم, وكان فلاحو الريف البعيد يزحفون للمدن الرئيسية للقائه فتحتشد الملايين أمام  مقر اقامته وتنتظر 24 أو 48 ساعة حتى يطل عليها من الشرفة ويلقي خطاباته التي كانت تتسم بالاطالة, وتستغرق عدة ساعات دون توقف, ويشرح فيها بعفوية محاور سياسته وتوجهاته ومشاريعه. وكثيراً ما كانت الجماهير تقتحم حواجز الامن والمتاريس لتعانقه وتصافحه, أو لتذبح الخراف والنعاج تكريماً له.

وفي عدة مرات حملت الجماهير السورية بأيديها سيارة عبد الناصر (الثقيلة جداً) وهو فيها مع مرافقيه,  في مشهد غير معتاد ولا يمكن فهمه خارج نطاق العلاقة الحميمية بين ناصر والشعب السوري.

وقد فاضت هذه العلاقة المميزة الى جوارها اللبناني أيضاً, فكان اللبنانيون ينتقلون بعشرات الآلاف الى سورية للمشاركة في هذه الطقوس الغرائبية القومية المفعمة بالحرارة والحماسة والحميمية الصادقة التي لا يحركها أحد, ولا يسيطر عليها أحد أو تنظمها جهة تنظيمية أو أمنية, كما حدث في عهود الرؤساء والحكام الآخرين الذين كانت اجهزة الامن تنظم لهم الاستقبالات والاحتفالات والتظاهرات المفبركة لكي يقال إنهم يحظون بشيء من زعامة ناصر الكاريزمية!. إذ لا شك أن كل الرؤساء والقادة العرب أصيبوا بعقدة ناصر نتيجة الغيرة الشديدة! من القذافي الى حافظ الاسد, ومن بومدين الى النميري, وصالح.  

اللبنانيون والسوريون في ((عهد الوحدة)) حطموا حدود سايكس - بيكو وعادوا شعباً واحداً في لقائهم بزعيم العروبة القادم من مصر. وبلغ الانصهار القومي درجة عالية, وللمرة الأولى سمى شيعة لبنان أبناءهم بخالد تيمناً واسوة بالزعيم ((أبو خالد))!

وكان ناصر طوال حياته يحرص على قراءة صحف بيروت صباح كل يوم قبل أن يبدأ عمله الطويل, وكانت هناك طائرة خاصة مكلفة أن تغادر مصر ليلاً قاصدة بيروت لتحمل صحفها اليه بمجرد خروجها من المطابع, فهي بالنسبة له البارومتر الذي يقيس اتجاهات الرأي العام العربي, ويقرأ ما يكتبه المعلقون اللبنانيون ليرصد رياح العالم العربي. وظل ناصر على صلة وثيقة بزعماء لبنان بدون استثناء, من جنبلاط الى كرامي وسلام والصلح ومن محسن ابراهيم الى صبري حماده.

ولا بد من الاشارة هنا الى أن وفاة ناصر في 28 ايلول/سبتمبر 1970 في الذكرى السنوية التاسعة للإنفصال قد فجرت عواطف السوريين ومشاعرهم كما كانت في زمن الوحدة, فخرجت الملايين بصورة عفوية  بمجرد اعلان نبأ وفاته, وندبوه بحرارة وصدق رجالاً ونساء, كباراً وصغاراً. بل الأغرب من هذا أن خصومه من السوريين الذين كانوا يهاجمونه بعنف ويتهمونه بأقسى الاتهامات, بكوه في ذلك اليوم كما بكاه المحبون والمؤيدون في آن واحد بكاء مراً في حالة نادرة تعبر عن حب دفين وعميق له لم يبرأ منه أحد! وتعطلت الدراسة في الجامعات والمدارس, وأذنت مآذن المساجد له, وصلى عليه المؤمنون صلاة الغائب في جميع المساجد, وقرعت أجراس الكنائس حزناً, وخرجت النساء المحجبات وهن سافرات الى الشوارع يندبن الزعيم الخالد, ووقعت عشرات حوادث المرور المؤسفة جراء الصدمة والذهول والحزن التي أصابت مثقفين ومواطنين عاديين, يساريين وقوميين ومحافظين عرباً وكرداً وسرياناً, مسلمين ومسيحيين ودروزاً وعلويين.

ويمكن القول أن جمال عبدالناصر لم يخفق في صنع الوحدة العربية, بل حققها على صعيد الاندماج المجتمعي الوطني والقومي, وصعيد توحيد الجماهير العربية كافة خلف تطلعات وغايات وأهداف واحدة. فالوحدة تحققت في عهد ناصر فعلياً على صعيد الشارع والفكر والتطلعات, بعد ان كانت غالبية النخب في مصر نفسها قبل 1952 تتصارع حول هوية مصر فمنها من كان يراها افريقية, ومنها من كان يراها اوروبية, ومنها من كان يراها عربية اللسان فقط.. أو بالصدفة!.

الغريب أيضاً أن حدس الجماهير تنبأ مبكراً بالكوارث التي ستحل بالأمة بعد غياب قائدها الذي كان يرسم للعرب استراتيجيات النهوض والتحرير والتنمية ويجسد طموحاتهم ويحفظ مكانتهم على المسرح الدولي, فقد كان الجميع خصومه ومؤيدوه يعرفون أن العرب سيخسرون القائد الذي كانوا يعتمدون على قوته حتى وهم يهاجمونه, وكثير منهم كانوا يهاجمونه لأنهم يريدون منه جرأة اكبر, ومعارك أكثر, ضد الاعداء لا لأنهم يختلفون مع منهجه الثوري أو القومي.

وقد لا يعرف الناس خارج سورية أن صورة جمال عبدالناصر ما زالت تحتفظ بمكانها في صالونات بيوت السوريين, ومكاتبهم حتى يومنا هذا كما لو أنه ما زال حياً, وما زال زعيماً لهم, تعبيراً عن علاقة حب أصيل ووفاء لا تنال منه السنون والعقود. وما يدعم هذه الحقيقة أن الأحزاب الناصرية التي سبقت الى تدشين الحركة الناصرية على الصعيد العربي وبلورت الايديولوجيا الناصرية ما زالت الى الآن الأقوى والأبرز في الساحة السياسية مقارنة بكل الاحزاب اليسارية والوطنية, وما زالت قيادة التحالفات والتجمعات والجبهات معقودة بشكل ثابت للناصريين, حتى أن حافظ الاسد يوم انقلب على رفاقه البعثيين في 16 ت2/نوفمبر 1970 كان اول ما قام به اتصاله هاتفياً بالمرحوم جمال الاتاسي الأمين العام لحزب المعارضة الاكبر الاتحاد الاشتراكي العربي وقال له: ألم تدعونا لبناء الجبهة الوطنية التقدمية كحل بديل للحزب الواحد وتوحيد الجبهة الداخلية بعد نكسة 1967؟ رد الأتاسي: نعم وما زلنا متمسكين بمبادرتنا لتقوية الوطن, فقال الاسد: أنا اعلن موافقتي على مبادرتكم وأفوضك شخصياً بإجراء الاتصالات مع بقية الاحزاب ووضع صيغة للجبهة الوطنية بين البعث وبقية الاحزاب وأؤكد لكم أني موافق سلفاً على ما تتفقون عليه!

وقد قام الاتاسي بالمهمة واتصل بالاحزاب ورحبت هذه بتجاوب الاسد وأحسنت الظن به, وعملت عاماً كاملاً على بلورة الجبهة, وعندما حملوها للأسد رفضها وأصر على تعديلها بحيث يبقى حزب البعث مسيطراً على النظام والدولة, وتكون الاحزاب الشريكة ديكوراً.. لا أكثر, وأدركت الاحزاب التي تحترم نفسها وعلى رأسها الاتحاد الاشتراكي أن الأسد قام بمناورة ماكرة ونجح في خداعها حتى أمسك السلطة وقضى على خصومه البعثيين واستعاد زمام المبادرة وتنكر لوعوده وانقلب على المعارضة, فانسحب الاتحاد الاشتراكي من ((الجبهة الوطنية التقدمية)) بعد سنة واحدة منها وقاد المعارضة الحقيقية خارج الجبهة, وخصوصاً مع حزب الشعب.