2018-07-02 16:10:15

صمد عبدالناصر.. انتصرت مصر وتحررت الجزائر – بقلم الاخضر الابراهيمي

صمد عبدالناصر.. انتصرت مصر وتحررت الجزائر – بقلم الاخضر الابراهيمي

صمد عبدالناصر.. انتصرت مصر وتحررت الجزائر – بقلم الاخضر الابراهيمي

صمد عبدالناصر.. انتصرت مصر

وتحررت الجزائر 

*كان بن بله يخطط لإبعاد بوتفليقة ومن بعده بومدين

*التقى عبدالناصر بومدين بعد الإطاحة بـ بن بلة وأعجب به

*بومدين زار جريدة ((الأهرام)) وعقد ندوة في الطليعة مع مثقفين وإعلاميين مصريين سألوه هل كان انقلابك على بن بلة بتدبير اميركي او فرنسي؟

*عبدالناصر لم يكن يريد الحرب مع اسرائيل لأنه لم يكن مهيّأً لها.. لكن الضغوط السورية والمزايدات السعودية – الاردنية أرغمته على طلب سحب قوات الطوارىء الدولية

*كان رأي بومدين ان يستمر القتال بعد سقوط سيناء حتى لو وصل العدو الى القاهرة

*طلبت من الرئيس عبدالناصر ان تتعامل مصر مع الجزائر دولة لدولة وليس عن طريق الاستخبارات المصرية التي ظلت تنظر للجزائر كثورة تساعدها الدولة المصرية

 

الأخضر الإبراهيمي

وزير خارجية الجزائر الأسبق

مناضل عربي ووسيط دولي

ومبعوث عربي لحل أزمة لبنان

أول لقاء لي مع جمال عبدالناصر كان يوم تقديم أوراق اعتمادي كسفير لدولة الجزائر المستقلة مطلع آذار/ مارس 1963.. وكنت قبلها ممثلاً لثورة الجزائر في أندونيسيا..

كانت المقابلة كطبيعتها دبلوماسية رسمية جداً بتقديم أوراق الاعتماد.. بعدها بدقائق أخذني بيدي وجلسنا خارج مراسم التشريفات ليستمع إليّ أتحدث ولفته منطقي، وربما كان يتساءل في نفسه عن هذا الشاب القادم من الجزائر وأفكاره..

عرفت بعد سنوات ان عبدالناصر تنبّه لي أنه برغم سن الشباب وقلة الخبرة الدبلوماسية.. أن أفكاري تتقدم بسرعة، خصوصاً في فهم طبيعة العلاقات العربية – الجزائرية.

كانت علاقات مصر مع ثورة الجزائر وبعدها مع دولة الجزائر تتم عن طريق أجهزة الاستخبارات.. وخصوصاً مع الراحلين فتحي الديب وعزت سليمان، واذا كان هذا مفهوماً خلال الثورة، فإنه أصبح يشكل ضيقاً في الجزائر بعد الاستقلال وبداية بناء الدولة في عهد الرئيس احمد بن بله.. ومع كل التقدير والشكر لما قامت به أجهزة الأمن المصرية دعماً لثورة الجزائر وأخص بذلك فتحي الديب وعزت سليمان.. فإن تقديري ان العلاقة بين مصر والجزائر كان يجب ان تمر عبر قنواتها الطبيعية.. فوزير الإعلام المصري يلتقي وزير الاعلام الجزائري، ووزير الزراعة المصري يلتقي وزير الفلاحة الجزائري.. وهكذا.. لكنني أعترف بـأن الرئيس بن بله كان مرتاحاً لطبيعة العلاقة مع الاستخبارات وخصوصاً مع الديب وسليمان.

نقلت تحفظي الى الرئيس عبدالناصر.. وقلت له ان هذا ليس في مصلحة بلدينا، وأنا علاقتي ممتازة مع الإثنين وجماعة الاستخبارات اصحابنا وهناك بُعد عاطفي في العلاقة، ولكن الآن نحن دولة وأنتم دولة فلنبنِ علاقة طبيعية بين دولتين.. وليس علاقة دولة تساعد ثورة.. لأن الثورة أصبحت دولة.. وللحقيقة وللإنصاف فإن عبدالناصر تفهم وجهة نظري وسعى جهده وسريعاً لتحقيق هذا الأمر وساعدنا على ذلك محمد حسنين هيكل.

وعليّ أن أسجل أنه في الوقت الذي كان فيه عبدالناصر يوجه الامور نحو قيام علاقة رسمية بين دولتين، فإن الذي كان يبطىء من هذا التوجه هو الرئيس بن بله نفسه، لأنه كان مرتاحاً لعلاقاته مع الاستخبارات المصرية، فهو كان يثق بها كثيراً وعلاقاته ممتازة مع رجالها، وهو كان يرى ان منطق الدولة يختلف عن منطق الثورة ويريد ان تظل العلاقات ثورة لثورة..

هذا الامر مع ما سبقه من علاقات مع بن بله جعل الأخوة المصريين يصبون كل اهتمامهم عليه وحده من دون اخوته في السلاح والثورة.

لذا

قلت للرئيس جمال عبدالناصر عام 1964.. سيادة الرئيس ان وضع الجزائر مختلف عن وضع مصر، ففي مصر قائد تاريخي له مكانته ومعترف له بدور لا يزاحمه فيه أحد وقلت له مازحاً: في الجزائر كل واحد يعتبر انه هو الذي حرر الجزائر وحده.. وبن بله واحد منا لكن يجب ان تهتموا بالآخرين.. وقلت هذا الكلام ايضاً لـ بن بله..

وعندما حصلت حركة 19/6/1965، وأطيح بـ بن بله.. قابلت الرئيس عبدالناصر.. طلبت منه الحذر في التعامل مع النظام الجديد.. ونقلت له أسباب ما حصل، قلت للرئيس: بلدنا خارج من ثورة وقتال وتشتت قيادات، بعضها في الخارج وبعضها في الجبال وبعضها في السجون، نرجوكم سيادة الرئيس الحذر. كان الرئيس معجباً بطريقة ومنهج شرحي للأمور التي حصلت في الجزائر وصار يدعوني دائماً الى قضاء أسبوع في الاسكندرية في الصيف للإستماع لي حول ما يجري في الجزائر.

بعد الاطاحة بـ بن بله عملت على تنظيم زيارة للرئيس هواري بومدين الى القاهرة.. وافق عبدالناصر وتم اللقاء بين الرئيسين في ت2/ نوفمبر 1965.. وقد التقيا لأول مرة على انفراد وأمضى بومدين عدة ايام في القاهرة.

كان بومدين مستمعاً جيداً ومتحدثاً بلباقة ولا تغيب عنه شاردة.. وهو خريج الأزهر، يتقن الحديث باللغة العربية جيداً.

أثناء وجود بومدين في القاهرة نظّم له هيكل لقاءات مع يساريين مصريين، كـ خالد محيي الدين واسماعيل صبري عبدالله ولطفي الخولي وسعد زهران، وكذلك مع الكاتب القومي احمد بهاء الدين وغيره.. كان الجميع من أصدقاء الثورة ومن المتعاطفين مع احمد بن بله.. وكانت أسئلتهم لـ بومدين أثناء حواره معهم في مجلة ((الطليعة)) الصادرة عن مؤسسة ((الأهرام)) تدور في محور الانقلاب على بن بله.. هل هو انقلاب اميركي – فرنسي.

وأظن ان معظمهم اكتشف ان بومدين خامة سياسية نظيفة ومثقفة ووطنية عربية.. وهو كان غير معروف على مستوى المشرق العربـي لأنه كان كتوماً كثيراً والآخرون لا يعرفون الكثير عنه.

ويجب ألا يغيب عن بالنا وهذا ما أبلغناه للأخوة المصريين ان بن بله كان قليل الخبرة في المسؤولية، شديد الحماس للثورة.. وقد تجاهل اخوانه في قيادة الثورة وهم يعتبرون أنفسهم أصحابها وأنهم هم الذين جاؤوا به الى موقع الرئاسة وأنه أراد الانقلاب عليهم.

لقد علموا ان بن بله أراد إبعاد عبدالعزيز بوتفليقة أولاً ثم إبعاد بومدين نفسه.. والجميع يعلم علاقة بوتفليقة مع بومدين.. فقد كان الرئيس بومدين يثق بـ عبدالعزيز كثيراً.. وكان يستمع الى آراء العالم بهذا الشاب الصغير ابن الـ25 عاماً كيف يدير مفاوضات الجزائر مع الدول الأخرى بكل جدارة، فهو الذي أدار مفاوضات ناجحة مع الفرنسيين حول قواعد عسكرية فرنسية في الجزائر لم تكن قد أخليت بعد ونجح في إخلائها.. كما أدار مفاوضات ناجحة حول أملاك الفرنسيين في الجزائر.. كانوا هربوا وتركوا منازلهم وأراضيهم ومعداتهم فيها.

المهم

ان الاخوة في مصر راحوا يتعرفون من جديد على الجزائر بعد الثورة وبعد بن بله.. جزائر الدولة الساعية الى البناء والنهوض والإلتزام بالقضية الفلسطينية.

يمكن أن أقول مطمئناً إلى ان عبدالناصر أعجب بشخصية بومدين بعد لقائه به وقد سمعت هذا من الرئيس نفسه.

لكن الأمور لم تجر هكذا بسلاسة فقد تورطت الاستخبارات المصرية بمحاولة تنظيم انقلاب ضد بومدين لحساب بن بله.. علمت السلطات الجزائرية وأبلغتني بالأمر فتحدثت إلى الرئيس عبدالناصر.. وطلبت منه عدم تورط الاستخبارات المصرية.. لأن التدخل المصري في الجزائر هو أمر لا فائدة منه، وسيلحق الأضرار بنا وبكم.

لكن هل هذا يعني ان الحركة ضد بن بله جاءت بناء على دور الاستخبارات المصرية سابقاً في الجزائر؟ أبداً.. كان دور الاستخبارات المصرية في الجزائر بعد الثورة وقيام الدولة ثانوياً وليس جذرياً.

لقد كانت هناك خلافات عميقة بين بن بله وبومدين وبين يوسف بن خدة وفرحات عباس كبورجوازية صغيرة قبل الثورة، أنجزت الكثير منها ملحمة معركة الجزائر العاصمة التي قادها طلاب وطالبات في العشرينيات وشباب العمال وبعض العاطلين عن العمل في الجزائر.

لكن الأمور اختلفت أيضاً بين بن بله وبومدين، كان غياب بن بله في الجزائر ووضعه في إقامة جبرية طيلة سنوات صدمة في المشرق العربي لأن أهل المشرق لم يكونوا مطلعين على أوضاعنا في الجزائر بما يكفي.. كان بين بن بله وبومدين خلافات جذرية حول كيفية إدارة الأمور في البلاد.. أرادها بن بله ثورة مستمرة، وأرادها بومدين دولة مستقرة.. كان الخلاف بين الاثنين خلافاً بين نهجين غير متجانسين.

نقلت هذا كله للرئيس عبدالناصر.. وكان بدأ ينظر بطريقة أخرى إلى الجزائر بعد استتباب الأمور للدولة فيها إلى أن حصلت نكسة 1967.

ومن موقعي كصديق يعرف مصر جيداً أقول ان جمال لم يكن يريد الحرب مع إسرائيل في ذلك الوقت.. لأن مصر لم تكن جاهزة لها لكنه لم يدرك ان سحب قوات الطوارىء الدولية من سيناء سيعني ان إسرائيل ستجدها فرصة لشن العدوان.. وأظنه كان يواجه ضغوطاً سورية بأن إسرائيل ستحتل دمشق فضلاً عن المزايدات السعودية والاردنية ضده بأنه يحمي إسرائيل بقوات الطوارىء فلما سحبها تحت ضغوط هذه المزايدات كان يعطي الفرصة لإسرائيل لشن العدوان الذي لا أظن انها كانت ستقدم عليه لولا ثقتها بأنها ستربح هذه الحرب لكن المفاجأة الصادمة ان هذه الحرب استمرت عدة ساعات فقط وانتهت بهزيمة عسكرية كاملة.

هزم عبدالناصر وكان يشعر بهذه الهزيمة.. قابلته وكان يعيش صدمة كبيرة جداً، وكان يشعر بمسؤوليته خصوصاً وانه هو المسؤول ونتيجة لهذا الشعور استقال بقرار حاسم منه لا رجعة عنه.. لكن ردود الفعل التي ظهرت عند الناس في مصر أولاً ثم في بقية البلاد العربية وكانت ضخمة جداً وأكبر من أن يرفضها الرئيس عبدالناصر أرغمته على البقاء ليتابع دوره ومسؤولياته الوطنية والقومية الضخمة..

لقد جاء إليه الرئيس بومدين بعد النكسة وجلس معه طويلاً وتعززت العلاقات الشخصية والسياسية بينهما..

أما عن الكلام عن ان بومدين كان يرى ان تستمر مصر في القتال حتى لو احتلت إسرائيل القاهرة فقد كانت وجهة نظر الجزائر ان الحرب بدأت ودعوها تتحول إلى كر وفر لاستنـزاف إسرائيل وإغراقها في البحر البشري المصري.. وفي رأي بومدين ان الاسرائيليين لا يستطيعون البقاء في مصر أبداً.. فلتحتل القاهرة ولتبدأ المقاومة المسلحة ضدها.. ولتستمر المعركة حتى تحرير مصر كلها من العدوان الصهيوني.. انها وجهة نظر تتوقعها من ناس حاربوا جيشاً من نصف مليون فرنسي في بلدهم حتى انتصروا. وقدموا تضحيات كبيرة وأظن ان الرئيس جمال عبدالناصر هو الذي أطلق على ثورة الجزائر إسم ثورة المليون شهيد.

والرئيس جمال هو الذي دعم هذه الثورة وهو تحمل عبء وغضب الفرنسيين الذين شاركوا في العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 عقاباً لمصر على دعمها للثورة الجزائرية.

كان الفرنسيون يظنون ان ضرب مصر عبدالناصر سينهي ثورة الجزائر لكن جمال صمد فانتصرت مصر وبعدها نجحت ثورة الجزائر.. فكان هذا النجاح لجمال ونهجه العروبي وثورة الجزائر.

 

عبدالناصر مستقبلاً الاخضر الابراهيمي أول سفير لدولة الجزائر في مصر

أحمد بن بله: كان مقتنعاً عاطفياً برجال الاستخبارات المصرية ولم يكن يريد الخروج من منطق الثورة

بومدين: مستمع جيد ومتحدث لبق ويتقن العربية من دراسة في الأزهر

بوتفليقة أصغر وزير خارجية في العالم وتمكن في سن الـ25 من عقد أنجح مفاوضات مع فرنسا