2019-07-18 18:00:17

قراءة في أوضاع السودان للخبير فؤاد مطر: السودان الخائر.. الثائر.. الحائر في انتظار أي الزولين ((البرهان وحميدتي)).. أيهما محمد نجيب وأيهما عبدالناصر؟

قراءة في أوضاع السودان للخبير فؤاد مطر: السودان الخائر.. الثائر.. الحائر في انتظار أي الزولين ((البرهان وحميدتي)).. أيهما محمد نجيب وأيهما عبدالناصر؟

قراءة في أوضاع السودان للخبير فؤاد مطر: السودان الخائر.. الثائر.. الحائر في انتظار أي الزولين ((البرهان وحميدتي)).. أيهما محمد نجيب وأيهما عبدالناصر؟

قراءة في أوضاع السودان للخبير فؤاد مطر: السودان الخائر.. الثائر.. الحائر

في انتظار أي الزولين ((البرهان وحميدتي)).. أيهما محمد نجيب وأيهما عبدالناصر؟

مجلة الشراع 19 تموز 2019 العدد 1909

 

سألت ((الشراع)) الزميل فؤاد مطر بحُكْم خبرته العريقة في الشأن السوداني ماضياً وحاضراً قراءته للوضع المستجد وما هو حاصل بين السودان المدني والسودان العسكري وفي أي محطة سيرسو الصراع بين الجانبيْن. فكانت هذه المقالة البحثية التحليلية التي تحمل عنوان كتاب جديد للزميل قيد الإعداد. وقد وردت الأجوبة على الشكل الآتي:

من حق السودانيين كما سائر بني الأمتيْن المنتسبين إلى العالم الثالث المحتاج للغذاء والسلاح من دول كبرى، أن يغضبوا إذا شعروا عوَجاً في حكامهم، وأن يرتفع منسوب الغضب إذا تركهم هؤلاء الحكام يواجهون أزمات في الحد الأدنى من المطالب وبالذات الرغيف والبنزين والدواء، وأن ينزلوا إلى الشوارع شاهرين حناجرهم إذا هم شعروا أن حاكمهم ساهٍ عنهم منزعج من غضبهم.

ومن حق المجتمع السياسي السوداني العريق أن يسجل وقفات إزاء التفرُّد في الحُكْم عندما لا يأخذ الحاكم في الإعتبار التنوع الحزبي الراسخة جذور أطيافه من إسلاميين وليبراليين ومن يمينيين ويساريين، فيقرر هؤلاء تعبئة محازبيهم بعدما لم تُحقق التصريحات والمشاورات داخل السودان بتحفظ وخارج السودان بأعلى الصوت النتائج المرجوة.

وهذا الذي حدث مع بداية العام 2019 وكيف أن تعامُل الحاكم مع الأزمة والإستهانة بالمطالب والثقة المفرطة في النفس، وعدم الإقتناع بأن الصدر السوداني ضاق من طول بقاء حاكمه في سدة الرئاسة يجددها مرة وثانية وثالثة، ورابعة وخامسة إذا تمكَّن على أساس أنه ما دام التجديد الأول هو الصعب ولقد حدث فإن أي تجديد يليه يأخذ منحى التسليم بالأمر الواقع.

يوماً بعد يوم كان الغضب العفوي يتزايد. وبات المشهد قريب الشبه بالذي حدث قبل ذلك في ميدان التحرير في القاهرة ويتزامن مع مثيل له يحدث في الجزائر. حراك عفوي لا قيادة له وإنما رؤوس كثيرة. وأما الهدف فإنه لا خلاف عليه: الحرية والتغيير.

هناك طرف آخر من واجبه أن يدلي بدلوه إلى جانب الذين يحق لهم فِعْل ما فعلوه غضباً ثم حراكاً شعبياً بقي على درجة عالية من الإبهار إلى أن دخل الإرتباك في مرحلة قطْف الثمار. هذا الطرف هو قلمي يحبِّر ما يرى صاحبه أن من واجبه ككاتب تشكِّل هموم السودان حيزاً من إهتماماته ومشاعره، أن يعكس على الورق إنطباعاته وتمنياته التي تجيزها حيثيات علاقته بالشأن السوداني على مدى نصف قرن عايش في معظم هذه السنوات الحلو والمر في المسيرة السياسية للسودان من شماله إلى جنوبه ومن خلال صداقات ربطتْه بالأنصاريين كما بالختميين والشيوعيين كما بالإسلاميين وبالبعثيين كما بالناصريين. وكانت ثرية ورحبة جلسات النقاش مع إسماعيل الأزهري، محمد أحمد محجوب، الصادق المهدي، الدكتور حسن الترابي، الشريف حسين الهندي، عبدالخالق محجوب، الشيخ علي عبدالرحمان، السيدة فاطمة إبراهيم، الشفيع أحمد الشيخ، الرئيس جعفر نميري، الفريق أول عبدالرحمان سوار الذهب وعشرات القياديين المدنيين والعسكريين ورموز العمل الدبلوماسي والإعلامي. وإلى ذلك كانت حصة الإهتمامات السودانية من جانبي ثلاثة مؤلفات حتى الآن لعل أهمها ((الحزب الشيوعي السوداني نحروه أم إنتحر)) ثم ((سنوات نميري بحلوها ومرها)) فثالث المؤلفات ((المصالحة الوطنية الثانية في السودان. إنتكسوها أم إنتكست)) .. وذلك في إنتظار الكتاب الرابع الذي هو بعنوان ((السودان الخائر.. الثائر.. الحائر)). مؤلفات تعكس في مضامينها أحوال السودان الخائر ثم الثائر وصولاً إلى السودان الحائر على نحو ما هو حاصل بعد إختلاط الحابل المدني بالنابل العسكري فبات المشهد أقرب إلى شباك الصيادين التي يحتاج فك عُقدها إلى نصحاء مخلصين حادبين على السودان الذي هو في أشد الحاجة إلى إبراء جرَّاء سهام تكسرت نصال على نصال في كيانه الذي أنهكتْه الحساسيات في الخمسينيات فبقي خائراً، ثم إقتحم الميدان عام 1964 رؤساء الأحزاب في إنتفاضة بيضاء سال فيها عن غير قصْد دم طالب واحد، وعندما باتوا في مواقع السلطة تبهر الناظرين وقفتهم التذكارية الصادق المهدي الأول إلى اليمين وعبدالخالق محجوب الأول إلى اليسار وبينهما الشيخ علي عبد الرحمان، محمد أحمد محجوب، إسماعيل الأزهري، حسن الترابي وفاطمة إبراهيم، لكنهم ما لبثوا أن خيَّبوا بصراعاتهم، كما توأم الحال في لبنان راهناً، الأطياف المتطلعة إلى نعيم استنشاق نسائم الحرية والتعبير التي قلص مساحتها المجلس العسكري الذي قاده الجنرال إبراهيم عبود مع مشاركة مدنية خجولة. وهذه الخيبة إنحسرت بعض الشيء مع مجموعة من الضباط الرواد يتقدمهم عقيد مسكونين بحلم إقتباس تجربة ثورة 23 تموز/ يوليو في مصر من دون التأمل بعمق في بعض سلبيات السنوات الست عشرة من تلك الثورة.

ثم كانت الصدمة الأُولى المتمثلة بمحاولة إنقلاب من جانب عبدالخالق محجوب وبعض الضباط الذين بدورهم لم يتعظوا مع أنهم لو تأملوا في أكثر من عبرة لكانوا اعتبروا ولكانت تجربة ((25 أيار/مايو 1969)) لم تزهق أرواح عبدالخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ ومجموعة من الضباط الذين لو استحضروا حقبة السودان الخائر في زمن إبراهيم عبود وجنرالاته لكانوا آثروا التبصر بالأمور على الإندفاعة الإنقلابية ولم تُرق على أعتاب المؤسسة العسكرية دماء سُفحت بموجب محاكمة صيغت أحكامها من قبْل أن تبدأ.. تماماً على نحو المحاكمة التي ارتبطت بالفريق عمر حسن البشير الذي ما أن إنقضت بضعة أشهر على إنهائه بعمل إنقلابي بطبعة ترابية أفضل صيغة مدنية ديمقراطية للسودان برئاسة الأوكسفوردي الصادق المهدي في مثل هذه الأيام من العام 1989، حتى إرتأى إبلاغ العساكر والمدنيين على حد سواء رسالة حجَّاجية وذلك بتنفيذ حُكْم الإعدام رمياً بالرصاص يوم الثلاثاء 24 أبريل/ نيسان 1990 بثمانية وعشرين من خيرة ضباط السودان بينهم ثلاثة بالمعاش برتبة لواء وعميد بالمعاش وعقيدان أركان حرب وعقيدان وأربعة برتبة مقدم وأربعة برتبة رائد وعقيد بالمعاش ومقدم بالمعاش ورائد طيار ورائدان بالمعاش ونقيب طيار ونقيب.

يومها لاحظتُ وجوماً على وجوه إخواننا السودانيين لم يسبق أن كان بهذا الأسى. ربما أراد البشير بفعله المبغوض هذا ضد زملاء السلاح إبلاغ العسكر والسياسيين بأن عليهم ألاّ يفكروا بالعمل ضد سلطانه وبأن مَن يخالف الإنضباط والقوانين العسكرية ويعمل ضد النظام الذي يترأسه سيلقى المصير نفسه وكان في ذلك يخالف واقع حاله ذلك أنه شخصياً فعل ما أقدم عليه الثمانية والعشرون ضابطاً مع فارق أن هؤلاء إنكشف أمرهم، أو ربما ليس إلى جانبهم عقل مخطِّط من نوع عقل الشيخ حسن الترابي الذي رسم للبشير سيناريو القضاء على الحُكْم المدني الذي يترأسه الصادق المهدي نسيب الترابي، على أن يصبح الشيخ هو رئيس السلطة كما الصيغة الإيرانية والبشير حاميها يمارس بالجيش دور الحرس الثوري. ومن هنا فإن الترابي يتقاسم وزر هذه التصفية المريعة لثمانية وعشرين ضابطاً سودانياً حاولوا القيام بإنقلاب على منقلب على الشرعية. وأستحضر لهذه المناسبة كلاماً قلته بصيغة ملطفة لبعض المحيطين ﺑـ((الثنائي الإنقاذي)) البشير والترابي ثم نشرْته في مقالة في مجلة ((التضامن)) بعنوان ((لم يعْدُل عمر.. كيف سيحكم عمر)) ولكنه حَكَم وبقي في السدة بمجموع سنوات رؤساء العهود الأربعة الذين حكموا من قبْل ولم يكونوا في المحصلة النهائية عند حُسْن المأمول منهم بدليل تدرُّج السودان من إخفاق إلى إخفاق. كيف وهو كما الترابي من الجماعات الإسلامية الإخوانية لم يأخذ بقول الرسول (ص) ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة مَن أشركه الله في سلطانه فجار في حُكْمه)).

6 ملاحظات في انتظار أي الزوليْن  (البرهان وحميدتي) أيهما محمد نجيب وأيهما عبدالناصر
 

وتبقى وأنا أتابع وأتأمل وأقرأ ما يصرحون به منذ خمسة أشهر ست ملاحظات يشكِّل مضمونها ما هو واجب مني قوله ككاتب عرف السودان وطناً والسوداني معدناً.

الملاحظة الأُولى: كان من مصلحة الجميع لمجرد أن تم الإعلان رسمياً عن ((إقتلاع)) الرئيس البشير وهي مفردة غير مسبوقة الإستعمال وأخف إيلاماً من ((الخلْع)) وإيداعه في ملاذ آمن، إعتبار صفحة الشخص قد طويت وبالتالي عدم تضييع الوقت في حراك منقوص الرؤية، وترْك القادة العسكريين يتبادلون الأفكار ثم يتشاورون بهدوء وبمسؤولية ومن دون شروط صعبة من هنا وشروط أكثر تعقيداً من طرف أو أطراف أُخرى مع رموز المجتمع السياسي المدني.

الملاحظة الثانية: الأخذ في الإعتبار أن القيادات العسكرية هي التي حسمت الأمر وبالتالي فإن الإمعان في مطلب تسليم السلطة وأن يكون القرار في أيدي حكومة مدنية هو نوع من القفز غير المحسوب فوق الواقع، فضلاً عن أنه يشكِّل نوعاً من التحفيز لهذه القيادات على أن تزداد ثباتاً على رؤيتها. وثمة مسألة نفسية من المهم أخذْها في الإعتبار وهي أن هذه القيادات من العائلة السودانية الكبيرة بمعنى أن الجميع سودانيون، عساكر ومحتجون، كما أن الجانبيْن إنصهرا في لحظة الخطر فبات القادة العسكريون كما الجمع المدني بتنوع أطيافه قوة ضغط ترجمها العسكريون أهدأ ترجمة من خلال أعقل تصرُّف وبحيث لم تأخذ شكل إنقلاب على السلطة وإنما إزاحتها بالحسنى وبأقل الأضرار وذلك لأن رأس الهرم في السلطة هو إبن المؤسسة العسكرية وبالتالي فهنالك أصول يؤخذ بها في ساعات الشدة من جانب القائد العسكري الثابت في حق القائد العسكري التي أوجبت المعادلة الإحتجاجية المدنية - العسكرية إنهاء عهده، فضلاً عن الأمر الأهم وهو أن الرئيس عمر البشير ليس فقط إبن المؤسسة العسكرية وإنما هو إبن قاعدة شعبية وحزبية عريضة في السودان. وفي حال هدأت الأمور وأُجريت انتخابات فإن الطيف الحزبي والإسلامي الذي حكم الرئيس البشير تحت مظلته، كما الرئيس الراحل حافظ الأسد تحت المظلة البعثية، سيكون له حضوره النوعي ربما في الطبعة الجديدة من الحياة السياسية في السودان الحائر.

الملاحظة الثالثة: يا ليت تم طي الهتافات الثورية والتلويحات العصيانية. فالذي جرى مجرد إنتفاضة لكثرة من الموجوعين وقلة من الجائعين وجمهور عريض من الذين لا عمل لهم وبذلك باتت مزيجاً من الجدية والحراك الفولكلوري. وهؤلاء شكَّلوا خير فرصة لقيادات حزبية قديمة ولنخبة من المثقفين وأصحاب الإختصاص يتطلعون إلى فرص في المدار القيادي، يضخون الميادين بأفكار وهتافات، ثم عندما تبدأ جولة من التشاور يتصرفون على النحو غير الموضوعي. بعضهم يريد تهميش المجتمع الحزبي السياسي والديني التقليدي وبعضهم يلوِّح بشروط تستهدف التقليل من دور القادة العسكريين الذين حسموا أمر الرهان غير الدقيق للرئيس البشير على أن الجيش معه، وذلك بإنحياز محسوب ومتدرج وعقلاني إلى جانب الغاضبين في الميادين. ومِثْل هذا التلويح بالشروط وذلك السعي للتهميش لن يتحقق لأسباب موضوعية. فالمجتمع الحزبي الفاعل في السودان جذوره راسخة، أنصارية كانت هذه الجذور أو ختمية أو إخوانية. وهذه الجذور كانت عصية على قطْعها من جانب الجنرال إبراهيم عبود رئيس السودان الخائر ثم من جانب رئيس السودان الثائر بطبعتيْه النميرية والبشيرية. وإذا كانت حدثت بعض الإختراقات فإنها كانت عابرة. وحده الفريق عبد الرحمن سوار الذهب قرأ عمق الحقيقة فرأى أنه إذا بقي في سدة الرئاسة فإنه سيحكم بطبيعة الحال كعسكري وسيتصرف مع المجتمع الحزبي المشار إليه كما تصرُّف رفيقيْ السلاح من قبْل عبود ونميري، لذا إرتأى الإنصراف بكامل إرادته وصفاء بصيرته وترْك الأحزاب تتخبط وتسجل مرة أُخرى إخفاقاً سببه أن هذه الأحزاب تتعايش ما دامت في موقع الإعتراض لكنها تتصارع إذا باتت في الحُكْم. وهذا ما سبق حدوثه في الإنتفاضة الشعبية الأُولى التي عُرفت ﺑـ((ثورة أكتوبر 1964)) وكانت ممارسات الغاضبين فيها أكثر تعقلاً من الإنتفاضة الراهنة التي بدأت حراكاً متقطعاً وبأعداد قليلة ضد عزْم البشير على تجديد رئاسته، ثم باتت تجمعات هائلة تملأ الجو صراخاً ودخاناً من إطارات مطاطية أحرقوها ضد مجلس عسكري له نصف الفضل في إزاحة الرئيس المغضوب عليه، إقتلاعاً كان ذلك أو إستضافة في حمى القيادة العسكرية الأُولى، وربما تأثراً بالصيغة التي سبق إعتمادها في مصر مع الرئيس حسني مبارك الذي جرى الأخذ في الإعتبار بعد إنصرافه طوعاً أنه لم يغادر البلاد كما على سبيل المثال جنرال تونس زين العابدين بن علي الذي إنتزع السلطة من الرئيس الحبيب بورقيبة كما إنتزاع الجنرال عمر البشير السلطة من الصادق المهدي وتشيتت شمله وقواعده. ثم إن حسني مبارك ، وهذا هو الأهم، إبن المؤسسة العسكرية وأحد رموز النصر النوعي الذي حققتْه مصر الساداتية في حرب أكتوبر 1973 حيث أنه كان قائد سرب الطائرات التي وجهت الضربة الصاعقة والمفاجئة للجيش الإسرائيلي. مثل هذا الدور لم يُكتب للبشير دور مماثل في سجله العسكري.

الملاحظة الرابعة: في حال الأخذ بإنتقال رموز الحراك الشعبي من الإعتراض وفرْض الشروط راهناً إلى كراسي السلطة من خلال تشكيل حكومة، فإن المجتمع الدولي سينتظر طويلاً لكي يتقبل الوضع المستجد ويتعاون معه. وأما دول الإقتدار العربي فإنها ستتريث كثيراً في حال كانت الحكومة ستكون خلطة تضم ممثلي الأحزاب التقليدية ومعهم بطبيعة الحال ممثل الحزب الشيوعي الذي نشط كثيراً في ميادين الإعتراض وحزب ((البعث)) والطيف الناصري وبعض غير الحزبيين من النخبة. وقياساً بظروف العلاقة ماضياً فإن الإنسجام بين هذه الدول وقادة الأحزاب المشار إليها إما مفقود وإما فاتر، في حين أن دول الإقتدار وبالذات المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات ما أن ألمَّت بالسودان الظروف العاصفة حتى سارعت إلى إتخاذ وقفة مساندة نوعية ورأت في الممسكين بالقيادة أنهم الطرف الذي يمكن إحاطته بالمساندة والكلام معه على أساس أنه يمثِّل سلطة متماسكة هي الجيش السوداني فيما جماعة الحراك متنوعو الإنتماءات والأهداف والعلاقات ومن المبكر إعتبارهم السلطة المأمولة. وبعد فترة إستقرار يأخذ الشريك المدني دوره المأمول.

الملاحظة الخامسة: هنالك علو في الأصوات وغلو في الرؤى من جانب أطراف تنادي بالويل والثبور لعهد مضى وإنزال عقوبة الإلغاء في العهد الآتي وغير المنظورة معالمه حتى إشعار آخر. إن إسطوانة الإلغاء وبأصوات صارخة كما التهميش صدحت في زمن السودان الخائر ثم السودان الثائر بحقبتيْه ((المايوية)) و((الإنقاذية)) وكان عائدها متاعب وعدم إستقرار وأحياناً جولات من البغضاء على حساب الوحدة الوطنية. من هنا فإن الإلغاء ليس حلاً بل إنه عداوة شأنه شأن الإجتثاث الذي ما زال قضية أساسية في نفوس البعض من رموز العمل السياسي والحزبي في العراق. فكما الدم يستسقي الدم فإن الإلغاء يجر إلى إلغاء والإجتثاث يفرز ما هو أشد إيذاءً من الإجتثاث كما أن الإنقلاب يعقبه إنقلاب فإنقلابات، إلى أن يأخذ الوعي والسلوك الديمقراطي مكانهما في النفوس. على هذا الأساس إن البديل هو التعايش وتبادُل الإعتذار وبدء الكتابة في صفحة جديدة.

وتبقى سادسة الملاحظات وفي إنتظار الحسم النهائي في شأن أصحاب الأدوار الحاسمة بمعنى مَن هو محمد نجيب ومن هو عبد الناصر في المجلس العسكري وإن كانت الملامح بدأت تتكون في الأفق، هي أن ما كان المرء يتمنى حدوثه ومن قبْل أن يدخل المحادد الأثيوبي على خط الوساطة بين أهل البلد الواحد خلافاً للمألوف بأن الوساطات تتم بين طرفيْن كل في وطن، هو أن يشكِّل رموز حراك الميادين والمجلس العسكري وفداً منهم يزور القاهرة طالباً من الأمين العام للجامعة العربية بذْل مسعى يكون مدعوماً بطبيعة الحال من الحُكْم المصري والطرف السعودي- الإمارتي المبادر إلى المساندة، وبذلك تتقدم اللهفة العربية على اللهفة الأثيوبية. أما وان الجار الافريقي حقق للمصاب العربي – الافريقي ما كان مأمولاً من الأخ العربي تحقيقه، فإن الشكر واجب للذي توسط وأنجز عن جدارة صيغة تسوية أكد فيها أنه ((أخو أخوان)) بالفعل.

خالص الدعاء لأولي الأمر في السودان الحائر بعدما أخذت الصحوة حقها بتقاسم السلطة وعلى قاعدة المدني أخو إخوان العسكري يتفهم الأول واقع الحال ويحمي الثاني الوطن وأبناءه من عاديات الزمن. والله المعين.

هوامش:

(*)  في تلك المقالة التي أستحضرها بعد 29 سنة على نشْرها (الإثنين 7.5.1990) جاء الآتي:

((منذ أن تسلَّم الفريق عمر البشير ورفاقه الحُكْم وهم يسجلون المواقف الحازمة وبالذات ضد تجار العملة الذين جرى إعدام بعضهم. لكن لم نتصور أن يصل الحزْم إلى حد إعدام هذا العدد الكبير من الضباط. وهو تصرُّف قد يعني أن الحُكْم إختار نهائياً أسلوب القبضة الحديدية وأنه لن يتخلى إطلاقاً عن هذا الأسلوب الذي قد يحقق لمَن يعتمده حُكْماً أطول، إلاَّ أن سوء حظ الذين يحكمون في السودان أنهم إختاروا أسلوباً في زمن ينْفض العالم يديه من هذا الأسلوب وتتجه الأنظمة نحو الحوار والمرونة، وتفادي أي نقطة دم. وإلى ذلك إنه على رغم أن المسألة هي بين أهل المؤسسة الواحدة، وهي المؤسسة العسكرية، وإنها مسألة داخلية، إلاَّ أن ذلك لا يعني أنها لم تشكِّل بعض الحَرَج للحُكميْن المصري والليبي اللذيْن هما شريكا الحُكْم السواني في تكتل ما زال طري العود.

ويبقى أن الأسلوب الذي إعتمده الفريق عمر البشير قد يحجب عنه المغامرين وذلك خشية أن يصيب الواحد منهم ما أصاب رفاقهم الذين إنكشف أمْرهم وتم إعدامهم، إلاّ أن ذلك لم يستمر طويلاً وسيبقى هنالك مغامرون يحاولون الإستيلاء على السُلطة، ما دامت هنالك مشاكل مستعصية الحل في السودان. يبقى أيضاً أن الخشية إزاء السودان مشروعة بعد الآن أكثر من قبْل. الخشية أن يتحول الحزْم إلى شعار يساء تطبيقه بحيث تختلط الأوراق وتتم تصفيات كثيرة يكون الدافع إليها هو الرغبة في تحقيق الاستقرار، لكن النتيجة تكون المزيد من الفوضى.

والخشية من أن يتم الإقدام على قرارات تتجاوز بكثير القوانين الإسلامية التي كانت في الماضي السبب - أو فلنقل الحُجة- في ما واجهه السودان بعد ذلك وما زال يواجهه. والخشية من أن تمارس الجبهة الإسلامية من أجْل وضْع اليد على السُلطة ما من شأنه أن يقود إلى مواجهة من نوع المواجهة التي حدثت قبْل عشرين سنة بين حُكْم الرئيس الأسبق نميري والشيوعيين. والخشية من أن يحدُث فصْل للجنوب بدل أن ينفصل الجنوب.

خشية مشروعة لا يبددها سوى الحل الوسط الذي يتطلب بعض نكران الذات والكثير من التواضع والتخفيف من الإعتداد بالنفس والكثير الكثير من التضحية. التضحية بالمكاسب الشخصية وليس التضحية بالوحدة الوطنية، وهذا ما برع بعض إخواننا السودانيين فيه عندما ينتقلون إلى الحُكْم.

وتكراراً إن عُمَرَ السوداني... أي الفريق عمر البشير، لم يعْدل ولذا لا ندري كيف سيحكم، ثم كيف سينام قرير العين، ثم كيف سيصمد. وهل حقاً سيردع النفوس الأمّارة بالحُكْم بحيث لا تغامر. هذا مع الأخذ في الإعتبار أننا لا ندري ماذا في الحُكْم السوداني من المشوِّقات لكي تتكرر المحاولات الإنقلابية ويكون هنالك في إستمرار مَن يرغب في الوصول إلى الحُكْم سيراً على الأقدام كما حدث مع إخواننا المدنيين وعلى ظهر دبابة كما يفعل إخواننا العسكريون)).

كان الله في عون السودان.