2019-07-11 16:45:35

بري - جنبلاط: ((الاعدقاء)) - بقلم: أحمد خالد

بري - جنبلاط: ((الاعدقاء)) - بقلم: أحمد خالد

بري - جنبلاط: ((الاعدقاء)) - بقلم: أحمد خالد

بري - جنبلاط: ((الاعدقاء)) - بقلم: أحمد خالد

مجلة الشراع 12 تموز 2019 العدد 1908

 

*ما يجمع زعيمي ((أمل)) والاشتراكي هو فكرة عدم عودة المارونية السياسية

*بري حسب المختارة صمام أمان لجنبلاط في معادلة الطائف

*مشتركات عديدة موجودة بين الزعيمين ليست موجودة بين بري ونصرالله وجنبلاط وارسلان

*التوصيف السائد لعون وباسيل هو انهما رجلا الحنين لجمهورية الـ 43

*المس بهذه الثنائية تضرب دور بري الشيعي عربياً ودور جنبلاط الدرزي اسلامياً

 

  كانت حرب العلمين التي جرت أواخر أيام الحرب الأهلية وعلى مرمى حجر من العودة الثانية للسوريين الى لبنان، هي آخر حروب حركة ((أمل)) والحزب التقدمي الاشتراكي..

وكان سبقها صداقة بين ((أستاذ)) الحركة الشيعية  و((بيك)) الحزب التقدمي الدرزي، وجولات من التحالف العسكري والسياسي، خصوصاً لدى اسقاط اتفاق السابع عشر من ايار/ مايو.

 وبين علاقة اخوة السلاح وعداوة السلاح، نمت علاقة الرجلين لتصبح شبه دائمة. وفي المختارة يقولون ان بري صمَام أمان جنبلاط داخل معادلة الطائف، وفي عين التينة يقولون ان جنبلاط صمَام أمان إبقاء الدروز عند خط عدم تجاوز السلم الأهلي. غير ان بين البيك الدرزي والأستاذ الشيعي، ثمة مشتركات غير موجودة حتى بين الاستاذ وسيد حارة حريك، وغير موجودة حتى بين البيك الجنبلاطي والمير الارسلاني. وأبرز هذه المشتركات هي التالية: 

اولاً - بري كما جنبلاط، اي ان أستاذ ((بربور)) خلال الحرب الأهلية، كما سيد المختارة خلال الحرب وبعدها، تعمقت لديهما فكرة راسخة وهي عدم السماح للمارونية السياسية التي حكمت لبنان طوال عهد الجمهورية الاولى ((من العام 1943 حتى أواخر ثمانينيات القرن الماضي)) بالظهور مرة جديدة. فالتقدمي الاشتراكي كما ((أمل)) قاتلا خلال الحرب الأهلية تحت شعار تبديل النظام في لبنان من رئاسي ماروني مطلق الصلاحيات الى نظام سياسي يتساوى فيه المسلم مع المسيحي في حكم البلد. وعليه فهما يعتبران ان الحفاظ على لبنان من دون مارونية سياسية متحكمة هو أهم أهدافهما. وهذا الهدف غير موجود في ذاكرة لا حزب الله شقيق ((امل)) ولا في ذاكرة الحزب الديموقراطي الارسلاني شقيق التقدمي الاشتراكي في زمن الطائف وحليف حزب الأحرار الشمعوني ضد المختارة في جمهورية المارونية السياسية. والواقع انه أكثر  من طبيعي ان يجد بري نفسه في خندق واحد مع وليد جنبلاط، حينما يكون  الأخير في موقع من يتصدى لشبهة ((المارونية السياسية))  المتسمة بها سلوكية جبران باسيل السياسية. وطبيعي جداً ان يصطف وليد جنبلاط الى جانب بري حينما يكون الأخير في موقف يتصل بالحفاظ على توازن الطائف حينما يتعرض هذا التوازن لامتحان بين ذاكرتين هما: ذاكرة الطائف وذاكرة العام 43.

.. ومن المهم في هذه النقطة الأخيرة الاشارة الى ان الطبقة السياسية اللبنانية التي أنتجتها مرحلة ((الطائف)) هي فئتان او نوعيتان او مدرستان سياسيتان: 

المدرسة الاولى تنتمي لذاكرة استقلال الـ 43 وتوازناته ودروسه وعبره. 

والمدرسة الثانية مقطوعة الصِّلة بذاكرة الـ43، فهي ليست فقط لم تعشه، بل أيضاً ان كل تجربتها بدأت مع الطائف وتتلمذت في مختبر توازنات الطائف الذي شكل ((لبنان الجمهورية الثانية)). 

وأبرز رموز ((مدرسة ذاكرة الـ 43)) هما بالتساوي بري وجنبلاط.. فهذان الزعيمان عاشا على مجد انهما شاركا في هزيمة المارونية السياسية وأسقطا حكمها بالسيف، ومن ثم  شاركا لا بل صنعا إعادة انتاج النظام السياسي في لبنان عبر تسوية تاريخية جديدة وبديلة للجمهورية الأولى. 

.. واذا كان وليد جنبلاط ربح مرة واحدة ضد المارونية السياسية وذلك عبر انهاء حكم رئيس الجمهورية الماروني مطلق الصلاحيات، فإن بري فاز مرتين اثنتين ضدها: مرة حينما أسقط زعامة ال الاسعد واقطاعيتها داخل الشيعة، وكانت هذه الأخيرة من أعمدة نظام الجمهورية الاولى، ومرة حينما ذهبت صلاحيات رئاسة الجمهورية لتتوزع على مجلس الوزراء مجتمعاً. وحتى الرئيس ميشال عون فهو يعد من مدرسة ما تزال ذاكرة 43 عالقة بتفكيرها، ولعل التوصيف الأدق هو القول ان كلاً من الرئيس عون والوزير باسيل هما من مدرسة الحنين للجمهورية  الاولى. والواقع ان  البيئة الاسلامية والمسيحية المحسوبة على مدرسة ذاكرة جمهورية الـ 43 منقسمة لفئتين اثنتين: 

فئة لديها حنين لهذه الجمهورية وباسيل أبرز ممثليها. 

وفئة لديها خشية دائمة من عودة  هذه الجمهورية وجنبلاط وبري أبرز من يمثلها. 

وخلال الفتنة الصغيرة التي شهدتها بلدة قبرشمون قبل اسبوعين، خرج الاصطفاف السياسي في لبنان عن اطار ما كان يحدث من اصطفافات عهدتها احداث جمهورية الطائف، وعاد البلد لاجواء صراعات أواخر عهد جمهورية الـ43 وعليه، وضمن هذا التوصيف لاشتباك قبرشمون، فإنه كان يمكن لوليد جنبلاط، وهو يشاهد التحالف السياسي على خلفية زيارة باسيل للشوف، بين فخامة الرئيس القوي والمير طلال ارسلان ضد المختارة، ان يتذكر جولات تحالف الرئيس الماروني كميل شمعون في الجمهورية الاولى مع المير مجيد ارسلان ضد كمال جنبلاط. كما ان فخامة الرئيس القوي وصهره باسيل، كان يمكنهما حينما رأوا اجتماع الزعماء المسلمين الثلاثة في عين التينة ((بري - جنبلاط والحريري)) على خلفية حادثة قبرشمون، ان يتذكرا ((لقاءات عرمون)) خلال الجمهورية الاولى التي كانت تجمع الزعماء المسلمين لتوحيد موقفهم من خلاف ناشب مع اطراف المارونية السياسية الأقوياء ((الكتائب والاحرار)). 

المشترك الثاني بين بري وجنبلاط الذي تظهره الاحداث من فترة لأخرى، هو ان أبا مصطفى وأبا تيمور يعيشان خلال جمهورية الطائف سواء على أيام التواجد السوري او بعد خروج دمشق، ضمن دائرة الادوار السياسية الوازنة. بمعنى آخر فإن بري يمارس سياسة الدور المفقود بين حزب الله والعالم العربي.. وهو دور وازن بمعنى انه يجسد وظيفة منع تحول الصدام بين العرب والحزب الى صدام بين شيعة لبنان  والعرب.. وفي زمن عدم الحوار بين حزب الله والعرب، فإن وجود بري يشكل معنى عن بقاء باب الحوار مفتوحاً حتى لو كان هذا الباب لا يستعمل. ولجنبلاط وظيفة في زمن الطائف تكاد تكون مشابهة ولكن ضمن بيئات اخرى. فالمختارة كانت تؤدي دور بيضة القبان قبل ان يصاب سيدها بساعة ((تخلي)). وبعد خسارته هذه الوظيفة ظل جنبلاط هو الدرزي اللبناني الوحيد في المشرق الذي يمكنه الحديث مع كل التحولات السياسية التي عاشها السنة في المشرق، من الطيف الممثل للثورة السورية قبل ان تتعسكر، ومن ثم جبهة النصرة بعد ان تعسكرت ((وتأسلمت)). فجنبلاط حاجة درزية لبنانية في المشرق، تؤدي دور انها مكملة للبعد السني العربي . ولا شك ان ثلاثة ارباع معاناة جنبلاط السياسية في هذه المرحلة ناتجة عن معادلة التوازنات الخارجية وليست الداخلية وهي التي اعتلت وارتبكت، وتكاد تكون غير موجودة. ولذلك تجد المختارة نفسها  تتوه في صحراء اقليمية وان صوتها من قمة جبل لبنان فقد صداه. والمختارة لا يمكنها ان تتفاعل بوزن داخل لبنان من دون صداها الاقليمي. 

ويحاول بري ان يعوض المختارة داخلياً، اختلال توازنها الاقليمي، رغم خطورة هذا النوع من المساعدة، خصوصاً في وقت لا يمكن التكهن فيه متى يكون الشأن الداخلي على صلة بالشأن الاقليمي. 

خلاصة القول في هذا المجال ان الامور ذاهبة باتجاه من اثنين الأول هو البقاء على التوازنات التي حكمت مرحلة ما قبل انتخاب عون رئيساً للجمهورية والثاني هو تصدي بري وجنبلاط لكل محاولات ضرب هذه التوازنات للعودة الى مرحلة الجمهورية الأولى والتي تتخذ عناوين عديدة اليوم بينها العهد القوي وما شابه, علماً انه يبقى للاطراف الوازنة الأخرى وعلى رأسها حزب الله وتيار المستقبل دورها في تحديد مسارات ما قد يحصل على غير صعيد ومجال ولا سيما على مستوى ادارة الدولة والبلاد.

احمد خالد