2019-07-11 16:14:48

الحضارة لا تعني الانسلاخ عن المبادىء السليمة/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الحضارة لا تعني الانسلاخ عن المبادىء السليمة/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الحضارة لا تعني الانسلاخ عن المبادىء السليمة/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الحضارة لا تعني الانسلاخ عن المبادىء السليمة/ بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 12 تموز 2019 العدد 1908

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((وقل اعملوا فسيرى الله عمَلكم ورسُولهُ والمؤمنون وستُردون إلى عالم الغيب والشهادة فيُنبئكم بما كنتم تعملون)) سورة التوبة.

إن الحضارة بمفهومها الشائع اليوم جزءٌ أساسٌ مما تبنى عليه المجتمعات وتتطور به الشعوب والأمم وغالبًا ما تترك المفاهيم التي ينشأ عليها الفَردُ بصمةً واضحة في بنيان شخصيته وضوابط سلوكه، وكثيرًا ما يتلقَّى بعض الناس في مطلع صباهم مناهج فاسدة وشعاراتٍ رديئةً ما هي في الحقيقة إلا أداة هدمٍ يحتفظ بها أحدهم في صندوق أفكاره السيئة ثم يستعملها إذا اشتد ساعده فيطال ضررُه القريبَ والبعيدَ والعدو والصديق، فمن زُرع في نفسه منذ طفولته مثلاً أن يرتكب أنواع الشر ليبلغ مراده وأن لا يتوانى عن الوصول إلى هدفه ولو ركب الإثم والقبائح تحت عنوان مرفوضٍ اسمه ((الغاية تُبرر الوسيلة)) فإنه لن يجد من نفسه بعد ذلك رادعًا يمنعه من السرقة ولو من مال أقرب الناس إليه، أو دِرعَ عفَّةٍ يحمي به نفسه من سهام إبليس المسمومة، أو حاجزًا يحول بينه وبين قتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق. ولربما امتدت يده بالغدر إلى أبيه أو أمه أو أخيه أو زوجه، وقد حصل مثل هذا في بعض النواحي قديمًا وحديثًا، ناهيك عن السُبل الملتوية والطُرق المشبوهة التي يسلكها لتحصيل غاياته المادية المختلفة.

 

شعاراتٌ مزيّفة

ونرى بعض القيمين على تربية الأجيال الصاعدة يحثونهم على الفساد في الأرض، فهذا يُربِّي ولده على الإيذاء وذاك يزرع في ولده بُذور الحقد والحسد وآخر يغرس في فؤاد ابنه ألفاظ السب والشتم ليُعوِّد لسانه في أول نطقه البذاءة والفُحش بدعوى تعليمه ((الرُّجولة)) وكأن مقوِّمات الرجل العظيم عند هذا المفتون الانحلال من الأخلاق الفاضلة، ورحم الله القاضي ابن الوردي حيث قال:

ليس من يقطع طُرْقًا بطلاً                               إنما من يتقي الله البطل

هذا وقد ساهم في انتشار مثل هذه الرذائل سوءُ استخدام كثيرٍ من أجيالنا لآخر ما توصلت إليه التكنولوجيا في ظل هذا التقدُّم الإلكتروني العجيب الذي ربط الدنيا ببعضها البعض حتى بات التواصل بين الناس في شتى أصقاع الأرض بالصوت والصورة عملاً سهلاً جدًا، وأضحى نقل المفاهيم غير الصحيحة والمعادلات التدميرية والآراء الباطلة والتكفير الشُمولي العشوائي إلى أذهان ونفوس الأبناء يحصل بمجرد لمس آلةٍ قلَّ أن تنفك منها يد شابٍ أو شابَّةٍ. وكم من صدورٍ صارت تحمل في طياتها نوايا خبيثة وكم من عقولٍ انحرفت عن الخير إلى الشر ونفوسٍ خرجت من النور إلى الظلمات حتى بتنا نغرق في كمٍّ هائلٍ من الآفات الاجتماعية كفيلة بأن تُدمِّر المجتمع بل الوطن وتنأى به عن أي شكلٍ من أشكال الرقي، وها نحن نرى الدعوات إلى الانفلات والانسلاخ من المبادئ السامية والأخلاق الراقية بل وترك الشريعة والخروج من التمسك بتعاليم النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم التي فتح بها منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة قُلوبًا غُلفًا وأعينًا عُميًا وآذانًا صُمًا، وسار عليها أصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ فحملوا للدنيا مشاعل النور ونشروا العدل وضربوا للأمم أروع الأمثلة في المبادىء والقواعد التي تبنى عليها المجتمعات وتستقر بها الشعوب؛ وتلك الدعوات تحت عناوين مزيَّفة وتسمياتٍ متنوعة ((كالتحرر)) و((الموضة)) و((مواكبة العصر)) ويقول قائلٌ: صرنا في القرن الواحد والعشرين. يريدون بذلك الدعوة إلى التخلِّي عن الفضائل، ومن قال بأن المبادئ السليمة سلعةٌ تبلى بمضي الزمن؟! ومن أجاز اجتراح السيئات واقتراف الفواحش لمجرد تطاول القرون وتتابع السنين؟!

 

بين الحضارة والحقارة

ألا فليُعلم أن الأخلاق الحسنة لا تنقلب سيئة بمجرد انتقال الناس من عامٍ إلى عام، وما كان بِرًّا ومعروفًا منذ ألف سنة ما يزال بِرٍّا ومعروفًا إلى قيام الساعة. فشتان ما بين الحضارة والحقارة وبين أن يُزرع في نفوس الأبناء منذ الصغر حبُّ الخير للغير والتعاون على ما فيه المنفعة للناس عملاً بقول الله تعالى: ((وتعاونوا على البِرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)) سورة المائدة، وبين أن يُقال لهم: ((الغاية تبرر الوسيلة)) فينشأ الولد لا همّ له سوى تحقيق مآربه بأي وسيلةٍ يراها ولو بطريق الفجور وركوب الفواحش بعيدًا عن المعتقد السليم الذي يجب أن يكون عاقدًا قلبه عليه، وينشأ متجردًا من مكارم الأخلاق التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) رواه البيهقي عن أبي هريرة.

ويمكننا تلخيص حسن الخُلق بثلاث خصال: كفُّ الأذى عن الناس، الصبر على أذى الناس، بذل المعروف مع من يعرفه لك ومن لا يعرفه.

ولو أردنا أن نعمل مقارنةً بسيطةً بين الواقع الذي نعيشه اليوم وما نراه من كثيرٍ من الناس من سوءِ حالٍ وهبوطٍ في المستوى الأخلاقي والعلمي، بالرغم من كل الوسائل التي ينبغي أن تكون سلَّمًا للحضارة إلا أنهم صرفوها لأغراضٍ رخيصةٍ، وبين تاريخنا الماضي لرأينا العجب بكل معنى الكلمة وذلك أن السلف الصالح كانوا أكثر علمًا وتقدُّمًا وهدىً وهيبةً في صدور الناس، بل بلغوا ذُرى قمم المجد وأضاءت مبادئهم السامية طُرقَ التقدم لمن رام يترقَّى بها في مراتب الكمال بالرغم من كل الفوارق التي اكتنفت زماننا وزمانهم، وأكثر أبناء الأمة اليوم على خلاف الأمل المنشود ودون المسؤولية التي ينبغي أن ينهضوا بها.

وخلاصة القول إن تاريخنا الإسلامي المجيد شهد حضارة ما زالت معالمها شاهقةً للناظرين وهي التي ورثنا مبادئها عن عُظمائنا الذين اهتدوا بالنور المحمدي الذي انبلج ببعثة خير الخلق محمدٍ صلى الله عليه وسلم الذي قال: ((أحبُّ الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس)) رواه الطبراني عن ابن عمر.

فما أحوجنا للاستقامة بعيدًا عن الترَّهات والعناوين المزيَّفة وأن نسعى لننهل من معين النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته وتابعيهم الذين تركوا لنا مفاتيح التقدم وكنوز العلم النافع في الدارين فإنه لا خير في خُلقٍ على خلاف هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

والحمد لله أولاً وآخراً.