2018-07-02 16:04:57

100 عام وما يزال جمال (جمال) !!- بقلم / طارق الشناوي

100 عام وما يزال جمال (جمال) !!- بقلم /  طارق الشناوي

100 عام وما يزال جمال (جمال) !!- بقلم / طارق الشناوي

 -100 عام وما يزال جمال (جمال) !! 

*عبدالناصر حضر العرض الأول لفيلم فريد الأطرش ((عهد الهوى))

*ناصر طلب من أم كلثوم وعبدالوهاب ان يلتقيا فكانت ((انت عمري))

*عبدالحليم غنى ((يا جمال يا حبيب الملايين)) و((يا أهلا بالمعارك وصورة والمسؤولية وقلنا حنبني ودحنا بنينا السد العالي..))

*أم كلثوم غنت: أجمل أعيادنا المصرية برئاستك للجمهورية

*كمال الطويل وصف صلاح جاهين بأنه جبرتي الثورة

*كمال الطويل رفض تقديم لحن لأغنية لـ حافظ الاسد

*حذف دور محمد نجيب الذي قام زكي طليمات بدوره في فيلم ((الله معنا)) عام 1955

*أمر جمال بعرض فيلم ((شيء من الخوف)) قائلاً لوزير الثقافة: ((لسنا عصبة تحكم مصر))

*عبدالناصر أمر نجوم ((أضواء المدينة)) بعدم تقديم أغنيات تمجد به.. لكنهم لم يلتزموا

*ناصر أنقذ فاتن حمامة من مطاردة صلاح نصر لها

 

طارق الشناوي

 

تأملوا هذا الموقف جيداً، فوجئ جمهور سينما ((ديانا)) بوسط مدينة القاهرة وبعد بضعة أشهر من تولي الرئيس جمال عبدالناصر مقاليد الحكم في مصر، وتحديداً في 7 شباط/فبراير 1955، بأنه هو الذي  يستقبلهم ويتواجد في ((البنوار)) المخصص لبطل فيلم ((عهد الهوى)) فريد الأطرش ومعه فريق العمل، ولم يصدقوا أن ناصر يلوح  إليهم قبل وبعد عرض الفيلم!!

والحكاية أن فريد كان يعلم مدى حب جمال عبدالناصر لصوته وأفلامه وهكذا امتلك الشجاعة في أن يوجه له الدعوة لينوب عنه في استقبال جمهوره ليلة الافتتاح بعد ان شعر بأنه غير قادر على استقباله  نظراً لإصابته بذبحة صدرية قبل افتتاح الفيلم بأيام قليلة.

ما الذي من الممكن أن نستخلصه من هذا الموقف سوى أن جمال امتلك قدراً كبيراً من البساطة في التعامل مع المحيطين به، كما أنه صاحب مزاج فني، ولولا أن فريد كان يدرك ذلك ما كان من الممكن أن يفكر في توجيه هذه الدعوة له لينوب عنه في استقبال محبيه.

نعم كلنا نعرف علاقته الوطيدة بأم كلثوم وإيمانه بأهمية القوى الناعمة في تدعيم مبادىء الثورة، بل أن عبد الناصر ذكر أنه تأثر كثيراً برواية ((عودة الروح)) لتوفيق الحكيم، وكتب هو بداية رواية ((في سبيل الحرية))، وهو في بواكير شبابه متأثراً بـ((عودة الوعي)) تلك الرواية التي تم بعد ذلك إقامة مسابقة لإستكمالها ، وفاز الأديب عبد الرحمان فهمي في المسابقة وتم طرحها في كتاب.

الاعلام كان يشكل هدفاً محورياً لرجال الثورة ومنذ البداية، بالطبع تعبير إعلام لم يكن متداولاً في الخمسينيات من القرن الماضي، بل كانوا يمنحونه صفة أخرى وهي ((إرشاد)) وهكذا أقامت مصر في منتصف الخمسينيات وزارة أطلقت عليها ((الثقافة والإرشاد القومي)).

كانت الإذاعة المصرية في صباح يوم 23 تموز/يوليو 1952 هي هدف الثورة الأول وهكذا اقتحم  أنور السادات - باعتباره واحداً من تنظيم الضباط  الأحرار - المبنى الكائن وقتها في شارع الشريفين، الذي تمت محاصرته من قبل رجال القوات المسلحة، في السابعة والنصف صباحاً، والتقى السادات مع المذيع فهمي عمر أمد الله في عمره لإذاعة البيان الأول  للثورة.

كانت الإذاعة  من خلال البرامج والأغاني تُمسك بكل تفاصيل التواصل الجماهيري، ولهذا وبعد ساعات قليلة من قيام الثورة  تم تعيين أحد الضباط في موقع رئيس أركان الإذاعة، لاحظ أن تعبير ((أركان)) له بالطبع مدلوله العسكري الذي يتوافق مع طبيعة المرحلة، فلا يذاع شيء إلا بعد  الحصول على موافقته، ملحوظة التلفزيون المصري بدأ البث عام 1960 ولهذا لم يكن هناك سوى الموجات الإذاعية، فكان أول قرار تم اتخاذه من قبل الضابط المكلف بموقع رئيس أركان الإذاعة، منع  إذاعة أغاني ام كلثوم ومحمد عبدالوهاب على أساس أنهما غنيا بإسم الملك فاروق، فأصبحا محسوبين على العهد الذي كان يوصف بالبائد.

بمجرد ان علم عبدالناصر، بهذا الموقف تدخل وأعاد أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب للإذاعة، وقال  للضابط الذي تصور أنه يُقدم خدمة جليلة للنظام الجديد، لو كان كل من عاش في عهد فاروق نعتبره من العهد البائد إذن عليكم ردم نهر النيل وتدمير الاهرام، لأنهما عاشا أيضاً في زمن الملك فاروق، لم ينس عبدالناصر موقف أم كلثوم من كتيبته التي كان يقودها في حرب 48 ضد إسرائيل اثناء الحصار في الفالوجة عندما عاد للقاهرة فاستقبلتهم في فيللتها استقبال الأبطال وغنت لهم، حيث كان الجنود أثناء الحصار يتابعون حفلها الغنائي الشهري.

بعد أسابيع قليلة من الثورة قرر اللواء محمد نجيب اول رئيس مصري وكان وقتها هو قائد الضباط الأحرار، ولهذا سارع بإصدار بيان توجه به مباشرة للفنانين احتل الجزء الأكبر منه السينمائيون، كان الهدف ليس اكتشاف موقف السينما والسينمائيين مما يجري في مجتمع يعاد صياغة العديد من أفكاره، ولكن لإملاء مطالب السلطة الجديدة، وكان قد سبق هذا الاجتماع وبعد قيام الثورة بأربعين يوماً فقط، بيان أصدره نجيب عنوانه ((الفن الذي نريده)) جاء فيه ((السينما وسيلة من وسائل التثقيف والترفيه وعلينا ان ندرك ذلك لأنه إذا ما أسيء استخدامها فإننا سنهوي بأنفسنا للحضيض وندفع بالشباب للهاوية))، ولم يكتف بهذا القدر بل أصدر بعدها بياناً تحذيرياً آخر جاء فيه ايضاً وبشكل اكثر حدة، مشيراً الى أنه ((لا يوجد فيلم إلا وأقحمت فيه راقصة وهذا كان يليق بالعهود البائدة ولكنه لا يليق بمصر الثورة))، وبدأت لقاءات السلطة مع السينمائيين وحرص أغلبهم على مجاملة رجال الثورة بارتداء زي عسكري ترحيباً او نفاقاً ولم يعترض على رؤية الضباط الاحرار للسينما  سوى  المخرجين احمد بدرخان ومحمد كريم وحسن رمزي حيث  قال الأخير ((نحن شعب مرح وليس معنى الثورة ان ننتج افلاماً حزينة)).

ولا يعلم الكثيرون أن الغناء للرئيس لم يبدأ مع جمال عبدالناصر بل بدأ مع محمد نجيب عندما غنى له إسماعيل ياسين في فيلم ((اللص الشريف)) مونولوج ((20 مليون وزيادة)) ويقول في أحد المقاطع ((الجيش ونجيب/ عملوا ترتيب))، كان مقصوداً برقم 20 مليوناً عدد سكان مصر في ذلك الوقت بينما تعبير ((ترتيب)) تم استخدامه لأن توصيف ثورة لم يكن قد أطلق بعد على 23 تموز/يوليو، ويذكر بعض المراجع أن طه حسين هو أول من أطلق عليها ثورة، بينما وحيد حامد في الجزء الثاني من مسلسل ((الجماعة)) ذكر أن من أطلق عليها ثورة هو سيد قطب، وبالطبع أنا لست مؤرخاً  متخصصاً حتى أجزم بالضبط من هو صاحب تعبير ثورة.

الغناء لجمال عبدالناصر كان يتم عفوياً وهكذا غنى عبد الحليم ((يا جمال يا حبيب الملايين)) وقبله غنت أم كلثوم ((أجمل أعيادنا المصرية/بسلامتك يوم المنشية)) وذلك عام 54 بعد الحادث الشهير، بكلمات بيرم التونسي وتلحين رياض السنباطي وتم تغيير المقطع الأول بعد رئاسة جمال عبدالناصر للجمهورية لتصبح الأغنية ((أجمل أعيادنا الوطنية/ برياستك للجمهورية))، وتبقى طبعاً العلاقة الخاصة والحميمة التي كانت بين الثلاثي عبدالحليم وصلاح جاهين وكمال الطويل وكان يتواجد أيضاً على الساحة في كتابة الأغاني احمد شفيق كامل، أطلق كمال الطويل تعبير جبرتي الثورة على صلاح جاهين، اقتنع هؤلاء الذين كانوا شباباً في مطلع الثورة بجمال عبدالناصر، صحيح كثيراً ما تغنوا بإسم الزعيم ولكنهم لم ينافقوه، والدليل مثلاً أن كمال الطويل كما روي لي طلبوا منه في سورية تقديم أغنية لحافظ الأسد، ولكنه برغم سخاء العرض المادي لم يتحمس، وقال: لم ولن ألحن إلا لإسم جمال عبدالناصر.

تعددت المواقف بين الثورة والمثقفين وأيضاً الفنانين، وجاءت محطة فارقة جداً من خلال دعم الثورة الوليدة لإنتاج أفلام يؤدي بطولتها النجم الكوميدي الأول إسماعيل ياسين في تلك السنوات  منتصف الخمسينيات، وكانت البداية ((إسماعيل ياسين في الجيش)) وكان المقصود هو تقديم دعوة غير مباشرة للشباب لحثهم على الالتحاق بالجيش المصري كمتطوعين، وهكذا تعددت الأسلحة التي يقدم عنها إسماعيل ياسين أفلامه مثل ((الأسطول)) و((الطيران)) و((البوليس الحربي))، بل عند اعلان الوحدة مع سورية قدم اسماعيل فيلماً عنوانه ((إسماعيل ياسين في دمشق)) وغيرها من الأفلام وهو ما لم يدركه  مؤخراً محمد رمضان عندما هاجم إسماعيل ياسين باعتبار أن تلك الأفلام كانت ساذجة أو تُقدم صورة  مضحكة لرجال الجيش، رغم أنها كانت دافعاً للشباب للتطوع للجيش، وهو أحد أهداف الثورة الستة، بناء جيش قوي!! 

ولم تكن الأمور فقط متعلقة بأغانٍ وأفلام، ولكن كانت نقطة فارقة ولاشك عندما أنشأت الدولة في نهاية الخمسينيات، ((أكاديمية الفنون)) لمواكبة العلم، وتعددت المعاهد التي تدرس الفنون بكل أطيافها الموسيقية والغنائية والمسرحية والسينمائية، و بعدها أنشئت ((مؤسسة السينما)) لإحكام السيطرة على الفن وواكب ذلك قرارات التأميم للكثير من أوجه الحياة ومنها الصحافة، وشاهدنا محاولات لتقديم اعمال فنية بإشراف الدولة جزء كبير منها ولا شك حمل إبداعاً ولكن وكالعادة كان هناك أيضاً الفن المنافق، الذي يقدم أفلاماً طبقاً لما تريده الدولة وكانت لدينا مسرحيات رائعة وكتّاب كبار أضاؤوا حياتنا، وهناك من فسر بعض الأعمال باعتبارها تحمل تعريضاً بعبدالناصر مثل ((أنت اللي قتلت الوحش)) لعلي سالم.

والعديد من الأفلام حتى قبل بداية تدخل الدولة في الإنتاج حاولت رصد ثورة تموز/يوليو ولكن كان هناك عدد من المحاذير التي لا يجوز اختراقها منها شخصية محمد نجيب، حيث تم حذفها تماماً من فيلم ((الله معنا)) عام 1955، وكان هذا هو شرط جمال عبدالناصر بعد إزاحة محمد نجيب عن الواجهة وتحديد اقامته، حيث طلب من احسان عبد القدوس مؤلف القصة حذف شخصية محمد نجيب تماماً من الفيلم حتى يتم التصريح بعرضه، برغم أن الأرشيف يحتفظ بصور فو توغرافية للممثل زكي طليمات وهو يرتدي زي محمد نجيب مأخوذة من الفيلم، ورغم ذلك فإننا يجب أن نذكر أن عدداً من الأفلام لم يكن من الممكن رؤيتها لولا أن الرئيس جمال عبدالناصر صرح بها مثل ((شيء من الخوف)) رواية ثروت أباظة التي تخللها هذا النداء الشهير ((زواج عتريس من فؤادة باطل))، حيث قالوا أن عتريس يرمز لعبدالناصر وفؤادة في الاطار نفسه هي مصر، وأن ثروت أباظة يشكك في شرعية الثورة، وبرغم أنني لا أرتاح لهذا التحليل، لأنه لا يمكن في ظل تواجد القبضة الحديدية أن يجرؤ أحد على توجيه نقد مباشر أو غير مباشر لجمال، ولكن في كل الأحوال، رفض جمال مصادرة الفيلم وقال لثروت عكاشة الذي كان يشغل موقع وزير الثقافة في ذلك الوقت ((لسنا عصبة تحكم مصر يا ثروت))، ولعبدالناصر مثلاً مواقف أخرى ربما أقل تداولاً ولكنها أكثر دلالة ، فلقد تحمس لصوت  عفاف راضي عام 1969 وطالب الإذاعة والتلفزيون بتبني صوتها، كما أنه في أعقاب الهزيمة في 67 أراد ألا يزيد من أحزان المصريين وهو الذي طلب من المسؤولين تقديم أعمال ترفيهية ومن هنا قدم فؤاد المهندس المسلسل الإذاعي والذي صار بعدها فيلماً شهيراً ((شنبو في المصيدة)).

كالعادة تحدث مبالغات وكان هناك تسابق غنائي لكي يغني الجميع بإسم جمال عبد الناصر في كل حفل، وزادت الجرعة إلى درجة أن عبدالناصر نفسه كما روى لي الإذاعي جلال معوض وكان قريباً من الرئيس عبدالناصر، حيث طلب منه بصفته المشرف على حفلات ((أضواء المدينة)) بإصدار تعليمات تمنع المطربين من الغناء بإسمه وفي أول الحفل، التزم البعض في البداية وبعدها انفلت  الجميع وغنوا بإسم الزعيم، وجاءت البداية من المطرب محمد الكحلاوي رغم أنه كان متخصصاً في الغناء الديني. كان عبدالناصر محباً للقراءة وسمّيعاً للأغاني بدليل أنه كثيراً ما كان يذهب لحفلات أم كلثوم وكانت أغنيته المفضلة ((أروح لمين وأقول يامين ينصفني منك))، هو الذي طلب من فريد شوقي أن ينتج فيلماً عن بورسعيد، وعندما طارد صلاح نصر فاتن حمامة واضطرت للسفر إلى بيروت هرباً من ملاحقاته لها في محاولة منه لتجنيدها  طالب سعدالدين وهبة الذي يشغل موقع وكيل وزارة بضرورة إعادتها لمصر قائلاً له أنها ثروة قومية!!.

وكما بدأنا بواقعة لفريد دعونا ننهيها أيضاً بفريد وذلك قبل رحيل عبدالناصر بأشهر قلائل وفي عيد الربيع ((شم النسيم)) عندما احتدم الصراع بين عبد الحليم وفريد عام 1970 على من يغني وينقل التلفزيون حفله على الهواء، ولم تكن الإمكانيات وقتها تسمح سوى بنقل حفل وتسجيل الآخر، ولم يستطع وزير الاعلام عبدالقادر حاتم اتخاذ القرار، فرفع الأمر إلى عبدالناصر الذي قرر نقل حفل فريد مباشرة وتسجيل حفل عبدالحليم ليعرض في اليوم التالي. كان جمال عبدالناصر عنواناً لزمن جميل ونبيل، نعم هناك انتصارات وانكسارات ولكن الأهم أنه ترك بصمة على الحياة الثقافية والابداعية لم ولن تمحى!!

طارق الشناوي