2019-07-05 12:55:01

السودان أمام استعادة جنوبه او تفتيت أطرافه /بقلم محمد خليفة

السودان أمام استعادة جنوبه او تفتيت أطرافه /بقلم محمد خليفة

السودان أمام استعادة جنوبه او تفتيت أطرافه /بقلم محمد خليفة

السودان أمام استعادة جنوبه او تفتيت أطرافه /بقلم محمد خليفة

مجلة الشراع 5 تموز 2019 العدد 1907

 

*التدخل الخارجي في السودان بين مؤامرات التفتيت وحماية وحدته

 *ضمانات بقاء السودان: العدالة والمساواة والديموقراطية

 *نظام البشير حول الجيش من مؤسسة قومية الى قوة حرب داخلية

 

بقلم : محمد خليفة

   يستطيع مراقب الحالة السودانية منذ سقوط رئيس النظام عمر البشير أن يلمح في ثنايا تطوراتها السياسية انتقالها من أزمة الى أخرى, وعبورها للمطبات الخطيرة مطباً بعد مطب, دون أن يبلغ السودان بر الأمان حتى الآن, مما يجعل الجميع في الداخل والخارج يتشاركون الشعور بالخوف والقلق من امكانية حدوث مزيد من الانشطارات والتمزقات في دولة عملاقة جغرافيا, وتحتوي على تعدد اثني وافر, وتستبطن عوامل انفجار وصراع عرقية وقبلية, فضلاً عن سياسية, أوفر.

 الشاهد الحي على هذه الميكانيكية في سيرورة الحالة السودانية يتمثل في أن ((خطر التدويل)) لم يعد احتمالا أو فرضية, بل واقعاً ملموساً ومرئياً. وبات التدخل الأجنبي يشمل القريب من الدول والبعيد, كما لو أن السودان مفتوح لكل من يريد الاصطياد.

 وقياساً على ما أحدثه التدخل الأجنبي في ليبيا وسورية واليمن بعد ثورات 2011 يمكن القول إن الخطر يهدد أفريقيا والدول العربية, لا السودان وحسب.

 ويلاحظ المراقبون المحليون والأجانب أن خطر التدويل قد يمهد لخطر أكبر, هو خطر التفتيت أو التفكيك جغرافياً وعرقياً, في بلد تبلغ مساحته  مليوني كم2, وفيه  600 قبيلة كبيرة, لبعضها حكومات وجيوش خاصة, ذات امتدادات عرقية في القارة الافريقية, مما يسهل تدخل الدول المجاورة في شؤونه, كما حدث أثناء الصراع المسلح بين جنوب السودان وحكومته المركزية, وتكرر في دارفور.

والواقع أن التدخل الخارجي ليس واحداً, فبعض القوى الدولية تعمل منذ القديم على تفتيته, وبعض القوى المجاورة تتدخل لحماية وحدته لأن تمزقه سينعكس سلباً على وحدتها هي أيضاً.

كيف يبقى السودان موحداً؟

  ومع أن قادة المجلس العسكري الحالي وقوى الحرية والتغيير يتجنبون الحديث عن هذا الخطر علانية, إلا أن السودانيين سياسيين ومثقفين يتداولونه في أحاديثهم الخاصة, ويلمحون له في تحليلاتهم بصورة غير مباشرة, حين يقولون ((إن السودان القديم انتهى, وستخلق الثورة سوداناً مختلفاً تماماً عن الحالي والسابق)) . وكان الباحث السوداني المعروف حيدر ابراهيم علي طرح منذ عقدين على الأقل احتمالية تفكك السودان ((أو تفكيكه عمداً)), إذا استمر حكم الاخوان المسلمين, وبقي استبداد عمر البشير وسياسته العنصرية, لا سيما في دار فور, وشرق السودان وشماله, تكراراً لما آل اليه (الجنوب) نتيجة الحرب الدينية التي شنها نظاما النميري والبشير الاسلاميان ومرشدهما حسن الترابي على الاقليم ذي الغالبية المسيحية, رغم أن حركات التمرد وعلى رأسها الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق لم تناد بالانفصال, وتمسكت بسودان ديموقراطي موحد, تسوده المساواة.

الجدير بالذكر أن قطاعاً كبيراً من سودانيي الجنوب لم يتكيفوا مع كيانهم الجديد بعد الانفصال ولم يسعدهم الاستقلال عن السودان التاريخي. ويوحي اسم الدولة الجديدة ذاته ((دولة جنوب السودان)) بعدم وجود هوية وطنية مختلفة عن هوية الشمال. وابتهجوا بسقوط البشير الذي دفعهم للانفصال, وظهرت مؤشرات على حنينهم لوطنهم الكبير, دعمتها مطالبات بالعودة الى حضن الوطن الأصلي بعد زوال سبب الانفصال!.

بيد أن تحقيق هذه العودة مرهونة بشروط  موضوعية ((غير تعجيزية)) كإحلال الديموقراطية, والعدالة, والمساواة بين كافة المكونات التي تشتكي من هيمنة الشماليين العرب على الدولة. وللعلم فهي شروط ثوار دارفور أيضاً, والمناطق الأخرى لا شروط الجنوبيين وحدهم.

ولا بد من الاعتراف بأن الصراع الراهن بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير يقطع الطريق على هذا المسار الإيجابي, ويقلق المكونات المتمردة في مناطق مختلفة من البلاد. وتزداد خطورة الأمر بالتدخل الخارجي الذي يفتح الباب للقوى الطامعة في ثروات السودان الهائلة, لتنفيذ مخططاتها وتمزيق السودان. وهي بالطبع قوى دولية كثيرة, لم تبدأ خطواتها نحو أهدافها اليوم, بل بدأت منذ أربعينيات القرن العشرين على تفتيت السودان الى خمس دول على الأقل, تسهيلاً لسيطرتها على الثروات الطائلة في جوف السودان ((النفط, واليورانيوم, والذهب, والماء, والصمغ العربي, والزراعة)).

ويستند المجلس العسكري على إرث طويل للجيش في حماية الدولة والبلد من التفتت, فقد كان دائماً المؤسسة القومية الشرعية الوحيدة الضامنة للوحدة, بفضل تكوينه الممثل لجميع المكونات, حتى وإن كانت مختلة نسبياً. إلا أن المؤسسة تعرضت لتغييرات بنيوية خطيرة في عهد النظام الاخواني, أفقدتها طابعها القومي وجعلتها طرفاً في الصراعات السياسية والعرقية, فانعشت العصبيات القبلية والعرقية والجهوية والايديولوجية, وأشعلت حروباً طاحنة, حاول نظام البشير إخمادها بمزيد من العسكرة والحرب, فاستعرت بدل أن تخمد, وأمست مشكلة مستدامة. ولكن ممثلي الفصائل المقاتلة, وخصوصاً في دارفور انضموا لقوى الثورة وتحالف الحرية والتغيير, ما يعني تغليبهم للنزعة القومية, بدل الانفصالية بشرط التخلص من تركة البشير وعصابته. وهو ما يبدو أن المجلس العسكري الحالي ((الذي يمثل امتدادا للبشير)) يتجاهله ويعارضه, مضيفاً الى قائمة المشاكل الخلافية مع قوى الثورة مشكلة معقدة تهدد وحدة الدولة والبلاد معاً, ولا حل لها بدون الحوار والتغيير الجذري للعلاقة بين المركز والأطراف, وتعميق خطوات بناء الثقة بين الجانبين, وهو ما يركز عليه الباحثون والأكاديميون قبل السياسيين, أمثال د. الواثق كامير, وشريف حرير المنحدر من دارفور, ويرون أنه بلا استئصال تركة البشير والاخوان وتحقيق الديموقراطية, فلا أمل بعودة السودان موحداً ومستقراً. ويرون أيضاً أن المحاولة التي تقودها ((قوى الحرية والتغيير)) التي تمثل أكبر تحالف سياسي واجتماعي في تاريخ السودان منذ تأسيسه هي آخر فرصة للاحتفاظ بوحدته, وإذا فشلت فإن مصير السودان سيكون مهدداً حتماً, لأن القوى المتمردة لن تقبل للعودة للصيغ والنظم السابقة.        

ولا يقتصر الخوف من تفكك السودان على القوى المحلية, بل ربما كان في الجوار العربي والافريقي أقوى منه في الداخل, وهذا ما يفسر اهتمامهما الكبير باستقرار البلد الذي يضم مئات القبائل الكبيرة والعناصر المليونية المتعددة, لأن أي تفكك فيه ستترتب عليه ارتدادات اقليمية واسعة.

 وتشير بعض المصادر السودانية الى أن ممثل الولايات المتحدة الجديد دونالد بوث ركز في محادثاته مع القوى السودانية والدول المجاورة التي زارها على خطورة الانقسامات والتمزقات التي قد تحدث, وكيفية محاصرتها لكي لا تتحول زلزالاً يضرب أفريقيا والدول العربية بما فيها مصر والسعودية اللتان عبرتا في مناسبات متفرقة عن قلقهما الأكبر من هذا الكابوس المرعب, وهذا ما يفسر ويبرر تدخل أهم منظمتين إقليميتين ((الاتحاد الافريقي والجامعة العربية)) لمساعدة السودانيين على اعادة الاستقرار لبلدهم.