2019-06-27 18:40:30

المرأة المطلَّقة ونظرة المجتمع / بقلم الشيخ أسامة السيد

المرأة المطلَّقة ونظرة المجتمع / بقلم الشيخ أسامة السيد

المرأة المطلَّقة ونظرة المجتمع / بقلم الشيخ أسامة السيد

المرأة المطلَّقة ونظرة المجتمع / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 28 حزيران 2019 العدد 1906

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى: ((فاستجاب لهم ربهم أني لا أُضيع عمل عاملٍ منكم من ذكرٍ أو أنثى بعضكم من بعض)) الآية سورة آل عمران.

تُحاصر المرأةَ المطلقة وأحيانًا الأرملة في مجتمعاتنا الإشاعاتُ والأقاويل والنظرات المتباينة فتارةً نظرة شفقةٍ وتارةً نظرة شماتةٍ وتارةً نظرة اتهامٍ، أما نظرة الإنصاف فتكاد تكون نادرة في معظم المجتمعات التي غالبًا ما تنظر إلى الأمور نظرةً مُغايرة. والسؤال الملحُّ هو: لماذا تُحاط المرأة المطلَّقة بالاشاعات؟ ولماذا تُشير إليها الأصابع بالاتهام وتُحمِّلها غالبًا مسؤولية خراب البيت؟ علمًا أن كلمتي مطلقة أو أرملة ليستا متضمنتين معنى العار وليست أيٌ من الكلمتين تحملان سمة نقصٍ لصاحبتيهما، ولنا نحن المؤمنين خير قدوةٍ برسول الله محمدٍ صلى الله عليه وسلم حيث تزوَّج في الخامسة والعشرين من عمره الشريف وكان عَزَبًا مع ما خصَّه الله به من النسب الرفيع والمقام العالي والجمال الباهر من السيدة خديجة بنت خويلد وكانت أرملة سبق أن تزوجت من رجلين وهي يومها في الأربعين من عمرها ولها ولدان من بعلها السابق.

الودُّ العظيم

 وقد حظيت رضي الله عنها بمحبته صلى الله عليه وسلم وشملتها رحمته وعطفه ووُلِد له منها كلُ أولاده الذكور والإناث إلا إبراهيم، ولم يتزوَّج عليها حتى ماتت بل كان يحفظ لها الودَّ بعد موتها فعن أم المؤمنين عائشة قالت: ((ما غِرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة وإني لم أدركها. قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة فيقول: أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة. قالت: فأغضبته يومًا، فقلت: خديجة ((أي قالت شيئًا لا ينبغي فغضب وليس المعنى أنها انتقصت رسول الله صلى الله عليه وسلم)) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني رُزِقتُ حبَّها)) رواه مسلم. 

وروى مسلم عن عائشة أيضًا قالت: ((لم يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم على خديجة حتى ماتت)). قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)): ((وفيه دليلٌ على عِظَم قدرها عنده وعلى مزيد فضلها لأنها أغنته عن غيرها واختصت به بقَدر ما اشترك فيه غيرها مرتين لأنه صلى الله عليه وسلم عاش بعد أن تزوَّجها ثمانية وثلاثين عامًا انفردت خديجة منها بخمسةٍ وعشرين عامًا وهي نحو الثلثين)).

ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تتمناه بعلاً أجمل الفتيات وأشرفهن في زمانه إلا أنه لم يتزوج بكرًا إلا عائشة أما بقية أزواجه صلى الله عليه وسلم فكنَّ أرامل أو مطلقات.

وهنا نقول: ينبغي الالتفات إلى قضية الطلاق في مجتمعنا والكتابة عنها فإن مواجهة المشكلة ومحاولة حلِّها أفضل من تجاهلها ولا نُبالغ لو قلنا إن فشل الكثيرين في حياتهم الزوجية أضحى من سِمات حياتنا المعاصرة ولم يكن الأمر كذلك قبل بضعة عقودٍ من الزمن.

الطلاق أبغض الحلال

فقد كان أغلب الناس يتهيبون اللجوء إلى الطلاق فإن الطلاق وإن كان حلالاً لكنه أبغض الحلال إلى الله، فقد روى ابن ماجه في سننه وغيره عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق)) أي هو مكروهٌ إن كان لغير سبب معتبرٍ شرعًا. 

ولذلك لا ينبغي أن يكون الطلاقُ أولَ خِيارٍ في حياة الزوجين عند حصول الخصومات، وأيُّ بيوت الناس اليوم لا تخلو من خلافاتٍ ومشاكسات؟ لكن حين يصبح من الصعب جدًا التعايش بين الزوجين وبعد استنفاذ كل محاولات الإصلاح يأتي خِيار الطلاق لوضع حدّ لرابط الزواج الذي لم تتوفر له عوامل الاستمرار، فالزواج هو ارتباطٌ بين شخصين فإذا ساد الحب والتفاهم والانسجام بينهما وحققا السكينة المطلوبة كان الزواج ناجحًا، أما إن ساد الشِقاق والكراهية وضاع الانسجام بينهما كثرت المشاكل واهتز كيان البيت فيكون الطلاق. ونرى أحيانًا أن المرأة كثيرًا ما تكون هي سببًا للطلاق، فكثيرًا ما تجحد نساء إحسانَ البعل إليهن ويرغبن بالتسلُّط عليه وإنفاذ كلمتهن وتُبذِّرن ماله في الحرام وتحاصرنه بسوء الظن وكثرة المشاجرات والصُراخ في مشاكل يطول ذكرها تُفضي في نهاية الأمر إلى الفراق.

وفي مُقابل ذلك نرى كثيرًا من البعول لا يُراعون احتياجات بيوتهم وجلُّ همِّهم الخروج مع أصحابهم لقضاء السهرات إلى الفجر تاركين هموم البيت وتدبير شؤون المنزل ورعاية الأولاد وراء ظهورهم، فترتبك الزوج وتغرق في مشاكل لا تجد لها فيها سندًا وعونًا بل يزيدها البعل المهمل عبئًا فوق عبئها فيكون الطلاق نتيجة سوء معاملته وعدم قيامه بالحقوق المنوطة به على وجهها.

فلنقتدِ بالنبي صلى الله عليه وسلم

 ولكن تلاحق الزوج المسكينة بعد ذلك صفة المطلقة فيُعرض أغلب الشباب عن الزواج منها ولو رضي أحدهم بالاقتران بها يرفضها أهله، وحتى لو ارتبط أعزبٌ بمطلقة أو أرملة فكثيرًا ما يحصل من البعض أن يُعيِّرها ويُذكِّرها بأنه كان المنقذَ لها وأنه أمَّن لها مكانةً بين الناس بعد أن نفر منها القريب والبعيد، بل يصل الأمر ببعض النساء إلى عدم التعاطي مع المطلقة خوفًا من غضب أزواجهن عليهن، وقلَّ من الناس من يتقي الله في المطلقات أو الأرامل، ولو تأسى هؤلاء برسول الله صلى الله عليه وسلم لكان خيرًا لهم فقد أوصى صلى الله عليه وسلم بالنساء في أحاديث يطول الكلام في سردها وشرحها هنا فمن ذلك ما جاء عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم إني أُحرِّج حقّ الضعيفين اليتيم والمرأة)) رواه أحمد.

وقوله ((أُحَرِّج)) أي أُضيق وأشدد في ذلك أي أُحرِّم ظلمهما، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحسن إلى نسائه ولا يُعيِّر المطلَّقة منهن فما أحوجنا إلى الاقتداء به في ذلك، فكم من مطلقةٍ لا حيلة لها فيما كان من طلاقها وكم من بعول فاسدين خسروا بالطلاق أزواجاً هنَّ أغلى من الذهب، ولذلك لا ينبغي التسرُّع في الحكم على المطلقة لمجرد أنها مطلقة فلقد قيل:

لا تأخذنَّ من الأمور بظاهرٍ                     إن الظواهر تخدع الرائينا

والحمد لله أولاً وآخراً.