2019-06-20 17:16:37

عبدالباسط وصحبه: رسل الثورة السورية! / بقلم: محمد خليفة

عبدالباسط وصحبه: رسل الثورة السورية! / بقلم: محمد خليفة

عبدالباسط وصحبه: رسل الثورة السورية! / بقلم: محمد خليفة

عبدالباسط وصحبه: رسل الثورة السورية! / بقلم: محمد خليفة

مجلة الشراع 21 حزيران 2019 العدد 1905

 

للثورة السورية أبناء ورجال هي وحدها التي كونتهم, ودربتهم , وهيأتهم ليمثلوها, ويحملوا رايتها, فتميزوا بالصدق والطهر والبطولة والعفوية, الى درجة المثالية. برزوا في ميادين القتال, والاعلام, والفن. ارتبط ذكرهم وارثهم بها, وحملت وجوههم ملامحها, حتى غدوا أيقونات خالدة ورموزاً لها، وصارت أسماؤهم أسماء غير مستعارة للثورة, ولا يذكرون إلا مقرونين بها.

من منا سينسى إبراهيم قاشوش أول فنان ثوري أنجبته الحاضنة الشعبية للثورة في إحدى أبرز قلاع التمرد على نظام البعث- الأسد منذ بدايته؟!

 شاب مغمور لا يعرفه أحد قبل أن تطلقه الثورة في بواكيرها, فأصبح فجأة فناناً ذائع الصيت يصدح بلسان السوريين ((يالله ارحل يا بشار)) هذه الاغنية التي أمست لازمة دائمة في كل تظاهرة للسوريين, وغدا القاشوش من أسماء الثورة, ورمزاً من رموز مدينة العاصي العصية على الإسكات والاخضاع.

انتقم منه الأوباش بسرعة ذبحوه وانتزعوا حنجرته الصادحة الجريئة, لأن أغنياته أوجعتهم أكثر من البنادق والقنابل, ولكنه رغم ذلك لم يخرسوا صوته ولن يطمسوا أغانيه الثورية. سيظل صوته خالداً مهما تقادم الزمن, يذكر مقروناً بالثورة.

من منا سينسى الفنانين رائد الفارس وحمود الجنيد..؟!

الثنائي الفريد اللذان شكلا ظاهرة فنية فريدة, بالكلمة والريشة والصورة. إبنا كفرنبل الباران الجميلان الجريئان اللذان حملا إسمها الى أرجاء العالم القصية منافساين لأسماء مدن المال والبورصات والجذب السياحي, وترجما بإبداعهما العبقري روح الثورة, وخلجات السوريين الى لوحات ولافتات معبرة وتعليقات لاذعة, بلغات متعددة, اجتاحت الفضاء المادي والعنكبوتي اللا محدود في الزمان والمكان.

الثورة هي التي صنعت رائد وحمود, وخرجتهما من مدرستها, ليكونا رسولين لها الى العالم. قبل الثورة لم نسمع نحن في سورية, ولا غيرنا في أي مكان بإسميهما, ولم نر شيئاً من أعمالهما الفنية المميزة المقترنة نصاً وروحاً بالثورة, حصراً. ولولاها بقيت موهبتهما حبيسة جدران الخوف والقمع وصمت القبور المفروض على السوريين. 

من منا سينسى الإعلاميين البارزين هادي العبدالله وخالد العيسى؟!

الثنائي الإعلامي اللذان خرجا من رحم الثورة, وتحولا في غضون فترة وجيزة لسانين للشعب السوري المقاوم المطالب بالحرية ينقلان للعالم عبر الفضاء آلام الأطفال والنساء والشيوخ في أحياء حمص المحاصرة, بابا عمرو والخالدية والبياضة, كانت رسائلهما حارة ومؤثرة جداً, وغير تقليدية, مخضبة بالدموع الحية والساخنة.

وعلى هذا المنوال من منا سينسى عبدالباسط الساروت، الفتى الغر الذي استقطب إعجاب السوريين واستوطن قلوبهم, والأرجح أنه حجز إقامة دائمة في ذاكرتهم الجماعية ووعيهم الوطني, جنباً الى جنب مع الرموز والأسماء السابقة؟!

هذا الفتى الصغير لم يزد على تسعة عشر ربيعاً حين أشعل أطفال درعا عود كبريت الثورة في مدن القش والخشب والموت المقنع, فتحول بسرعة  من نجم لكرة القدم, الى نجم لأناشيد وأغاني الثورة وهتافاتها وخطبها البليغة, ثم الى بطل من أبطال القتال والنضال بالسلاح, يحمل في وجهه وهج الثورة, وفي صوته أمل النصر, وفي عوده الغض حيوية الشعب الثائر في تمرده وقوته.

لقد حلت روح الثورة في قلوب السوريين بدرجات متفاوتة, كالإيمان بالله, بعضهم وصل الى درجة اليقين والتجرد, وبعضهم أقل, ثم أقل وهكذا.

عبدالباسط واحد من هذه القلة المتميزة, أو الفصيلة النادرة, هؤلاء الذين تلبستهم روح الثورة, واستولت على قلوبهم وعقولهم, وعلى كل خلجة من خلجاتهم, فغيرت حياتهم وسلوكهم. غدت أجسادهم أجساداً للثورة تمشي على الأرض, وأرواحهم أرواحاً لها تحلق في سماء الوطن, وأصواتهم أصواتاً لها, وعيونهم عيوناً لها, وأسماؤهم عناوين لها.

من يتأمل كيف تحولت حياة عبدالباسط وحياة أقرانه - الذين ضربناهم مثلاً - بعد الثورة سيكتشف عمق إيمانه بها وصدقه وإخلاصه وتجرده. هؤلاء رسل الثورة السورية الذين حملوا رسالتها وعبروا عن مظلومية الشعب المنكوب الى القاصي والداني, بتفان استثنائي. 

كان لكل واحد منهم مسار آخر في الحياة, هادي العبدالله درس التمريض, وعبدالباسط هيأ نفسه ليكون لاعب كرة عالمياً, وعمل إبراهيم قاشوش رجل اطفاء, وكان رائد الفارس ناشطاً حقوقياً.. إلخ ولكن الثورة أعادت تصنيعهم, رسمت لهم مسارات بديلة, اصطفتهم ليكونوا ابناءها البررة, ورسلها المخلصين. سكنتهم وتلبستهم حتى أصبحوا وجوها لها, وألسنة ينطقون بإسمها وبإسم شعبهم, وضمائر متصلة بها. منهم قضى نحبه ومنهم من ينتظر, وما بدلوا تبديلا.

رحمهم الله, والبقاء للأمة التي أنجبتهم وجادت بهم. الشعب السوري أمة عظيمة, غنية بأبنائها, وكانت ثروتها الكبرى دائماً هي الإنسان الذي لا يلين ولا يستكين ولا يقبل الهوان والذل والعبودية, والثورة هي خصيصة من خصائصه الثابتة, وعنصر من عناصر جيناته وكرياته البيض والحمر وغدده الموروثة والمورثة. 

 م . خ