2019-06-20 17:08:43

 الحراك الجزائري في لحظة خطر وأمام خيارات متناقضة/ بقلم: محمد خليفة

 الحراك الجزائري في لحظة خطر وأمام خيارات متناقضة/ بقلم: محمد خليفة

 الحراك الجزائري في لحظة خطر وأمام خيارات متناقضة/ بقلم: محمد خليفة

 الحراك الجزائري في لحظة خطر وأمام خيارات متناقضة/ بقلم: محمد خليفة

مجلة الشراع 21 حزيران 2019 العدد 1905

 

*للمرة الأولى في العالم العربي حبس400 مسؤول بجرائم فساد!

مسلسل المحاكمات يدغدغ مشاعر الجزائريين.. ولا يحقق مطالبهم

 

بقلم: محمد خليفة

تجاوز عدد المحالين الى القضاء في الجزائر للمحاسبة عن جرائم الفساد من رجال الدولة السابقين وأعوانهم من رجال المال والاعمال الأربعمائة رجل, بينهم عدد غير قليل من الوزراء والمسؤولين السابقين بمن فيهم سعيد بوتفليقة, شقيق رئيس الدولة المقال, وانضم اليهم في سجن الحراش أخيراً أبرز رئيسين للوزراء في العقدين السابقين أحمد بن أويحيى, وعبد المالك سلال, وهناك إجماع بين المراقبين والمحللين في الجزائر على أن الأول كان حوت الفساد الأكبر, وضالع في كل أنواع الرشى والعمولات وتبييض المال الحرام خلال سنوات حكمه الطويلة منذ 1995حيث تولى رئاسة الحكومة أربع مرات بفضل علاقته الخاصة بأركان الدولة الأمنية  العميقة السابقة, وكان مثلهم استئصالياً متطرفاً في عدائه للمعارضة أياً كانت هويتها إذا هددت سلطته وصلاحيته. وكل الصفات السابقة تنطبق أيضاً على عبد المالك سلال الذي يتهمه الجزائريون بمحاربة الاسلام, واستيراد الخمور, والتستر على تهريب المخدرات. ومن المتوقع أن يدين القضاء الجزائري للمرة الأولى في تاريخه المذكورين بالجرائم المنسوبة لهما بعقوبات قد تصل مدتها الى عشرين سنة.

هذه الملاحقات والمحاكمات أصبحت مسلسل قصص مثيرة تدغدغ مشاعر الجزائريين وتشبع رغباتهم بمحاسبة (العصابة) التي مارست كافة أنواع الجرائم السوداء بما فيها النهب والقتل, ومارست كل التسلط والطغيان السياسي بما فيها الاستئصال والاستبداد. ولكن الجزائريين رغم سعادتهم البالغة ورضاهم عن محاسبة المسؤولين السابقين وشركائهم من رجال الاعمال الفاسدين أخذوا في الفترة الأخيرة يتساءلون عن أهداف المسلسل, وكيف سينتهي..؟ .

يتركز الحراك الشعبي على الضغط على القيادة الفعلية للدولة ممثلة بقائد الجيش لإقالة بقايا النظام السابق, وخصوصاً عبدالقادر بن صالح, ونور الدين بدوي, ولكن قايد أحمد صالح يرفض حتى الآن هذا المطلب بينما يستجيب لمطالب أخرى ينادي بها المتظاهرون اسبوعياً, بل إن قايد صالح, والرئيس المؤقت قاما بخطوات تصعيدية في مواجهة الحراك في الأسابيع الأخيرة مما استفز الشارع, ودفع الحراك بعد 18 أسبوعاً من التظاهرات المليونية لمهاجمة قائد الجيش بصراحة ورفع لافتات مكتوبة وهتافات صريحة تندد به وتطالبه بالرحيل أو بالاستجابة لمطالب الشعب, الأمر الذي رأى فيه المحللون نوعاً من الافتراق بين الحراك الثوري, والقيادة العسكرية التي تقود فعلياً البلاد, ممثلة بقائد الجيش. فما هي مطالب الشارع التي ترفضها قيادة الجيش..؟ وهل هي مستحيلة..؟  

تبلورت مطالب الشارع منذ بداية الحراك في شباط/ فبراير الماضي, بحل سياسي جذري للأزمة الوطنية الحالية يتدرج عبر الأولويات التالية:

- حل سياسي عبر تطبيق المادتين 7 و8 من الدستور, أي إعادة السلطة الى الشعب باعتباره مصدر الشرعية, ورفض تطبيق المادة 102 التي تعالج الأزمة الحالية باعتبارها ناشئة عن شغور منصب الرئيس فقط.

- حتمية الاعتراف بأن ما يجري في البلاد ثورة شعبية, لا بد من احترامها وتلبية مطالب الشعب كاملة .

- إقالة ومحاسبة كل رموز (العصابة) السياسية السابقة بما فيها الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح , ورئيس الوزراء نورالدين بدوي.

- تحديد فترة انتقالية، تستهدف تهيئة البلاد للانتقال الى عهد ونظام ديموقراطيين جديدين.

-  تنظيم حوار سياسي جاد بين السلطة الفعلية الحالية, أي قيادة الجيش, والحراك الشعبي, والقوى السياسية كافة بدون إقصاء أي منها.  

ولكن قايد صالح ومعه الرئيس المؤقت ورئيس الوزراء يرفضون أيا من هذه المطالب ويصرون على الذهاب لانتخابات رئاسية فقط خلال فترة وجيزة, وهو ما رأى فيه الشارع اصراراً على بقاء النظام, ونصف حل لا يلبي كافة المطالب ولا يهيىء البلاد لانتقال ديموقراطي عميق, وعلى ضوء هذه الحقيقة يرى الجزائريون أن ما يجري من محاكمات ومحاسبات قضائية أقرب ما تكون الى صراع بين أجنحة النظام, تتوقف عند الجانب الاقتصادي فقط, ولا تتناول الجانب السياسي من الأزمة, وهو الأهم من الأول, وهي مهما اتسعت لن تحقق الانتقال السياسي المنشود.

نتيجة ذلك يمكن القول إن الجزائر تمر في حالة مخاض عسير, لأن الشارع لا يظهر أي استعداد للتراجع عن مطالبه, كما أن مؤسسات النظام ورموزه المتبقية تبدي عناداً شديداً وتحاول التصعيد لإفهام الشارع أنها لن تقبل بحل سياسي جذري. ومن الطبيعي أن هذا الاستعصاء خطير, ويمر في لحظة حاسمة, وينطوي على احتمال حصول صدام عنيف, كما حصل في السودان مؤخراً. لأن المؤسسة العسكرية هنا ما زالت تقف في مستوى متأخر عن المستوى الذي بلغته السودان, ودول عربية عديدة في السنوات الفائتة .

 الجدير بالاشارة أن هناك قلة من المراقبين والمحللين الجزائريين ما زالوا يراهنون على استجابة قايد صالح لمطالب الشعب, ولذلك يناشدونه تجنيب الجزائر الانزلاق الى العنف او استسهاله.. فأي الخيارات ستسلك الجزائر..؟؟