2019-06-20 17:01:45

 الثورة السودانية تواجه خطر التدويل / بقلم: محمد خليفة

 الثورة السودانية تواجه خطر التدويل / بقلم: محمد خليفة

 الثورة السودانية تواجه خطر التدويل / بقلم: محمد خليفة


 الثورة السودانية تواجه خطر التدويل / بقلم: محمد خليفة

مجلة الشراع 21 حزيران 2019 العدد 1905

 

*مجزرة 1 حزيران/ يونيو: فتحت الأبواب للتدخل الخارجي المكثف

*واشنطن تمنع الدور العربي.. وتشجع الأفريقي

*روسيا وضعت خطة لتشويه ((الثورة)) لم يطبقها البشير

*امبراطورية البشير الاعلامية: 18 محطة فضائية وعشرات الصحف!

 

بقلم: محمد خليفة

  بصدور هذا العدد من ((الشراع)) تكمل الانتفاضة السودانية ستة شهور من عمرها بدون نتائج حاسمة, وتبدأ مرحلة جديدة من نضالها لنقل البلاد الى عهد جديد متحرر من حكم العسكر والأخوان المسلمين معاً. بل إن علاقات الحراك الثوري والعسكر التي كان الاعتماد عليها لتحقيق العملية اهتزت بعد مجزرة الخرطوم التي وقعت في آخر أيام رمضان, ودخلت مرحلة العداء وفقدان الثقة, وفتحت السودان أمام تدخلات أجنبية متعددة الأقطاب الاقليميين والدوليين.

لم تكن ثقة الحراك المدني الثوري بعسكر بلادهم قوية قبل المجزرة, بدليل أن المفاوضات بينهما للاتفاق على سودان المستقبل استهلكت شهرين بدون نتائج مرضية, بل زادت الأمر سوءاً, وقضت على ما كان متوفراً منها. فساد بدلاً منها عداء معلن بين الطرفين, يصعب التكهن بنتائجه, وتحولت محاولاتهما للتعاون صراعاً مكشوفاً, في ظل عوامل جديدة, أبرزها تدخل القوى الدولية الكبرى في الساحة السودانية.  

فما هي النتائج والآثار التي ترتبت على أحداث ((الاثنين الدامي)) ؟

وما التطورات المرتقبة جراءها؟

وما حسابات وأهداف اللاعبين الأجانب الذين بدأوا التدخل في الساحة السودانية ؟

نتائج المجزرة

 لا شك أن قوى الحراك الثوري المدني تعرضت لطعنة غادرة من العسكر, أفقدتها بعض أوراقها التي استثمرتها في الفترة السابقة, أهمها سيطرتها على ((ساحة الإعتصام)) التي كانت رمزاً للثورة, منذ أن تحولت حصاراً لقيادة الجيش وقصر الرئيس المخلوع. كما أفقدتها ((سلاح)) ((الأنترنت)) الذي برعت في استخدامه, بمواجهة ((سلاح العسكر)) الذي حصد أرواح 118 ناشطاً, وتنقل عبره أنباء الثورة للعالم الخارجي صوتاً وصورة. وتستخدمه للتواصل مع جماهيرها في بلد هائل المساحة. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يرفض المجلس العسكري وساطة رئيس وزراء اثيوبيا آبي أحمد للإفراج عن ((الأنترنت)) بينما قبل الافراج عن بعض قادة المعارضة والحراك الثوري. وأن يصرح المتحدث بإسم المجلس أن ((الأنترنت)) خطر على الأمن القومي ويهدد أمن السودان!

 تعرضت قوى الثورة لاعتقال عدد من أبرز شخصياتها, كما تعرضت لضغوط متعددة الأشكال, كإتهام بعض أطرافها بالخيانة, والضلوع في انقلاب دبرته ((جهة)) تضم مدنيين وعسكريين لم يحددها المجلس العسكري, ولم يسم أحداً منهم, فبقي اتهامه مجرد حجة للتهرب من مسؤولية المجزرة. ورغم اعتقال عشرات العسكريين, لم تصدق غالبية السودانيين رواية الانقلاب, وعززت شكوكهم بنوايا العسكر ووحدت صفوفهم, وهذا مكسب كبير, إذ كان يمكن لخلافاتهم أن تزعزع جبهتهم, وتضعف موقفهم.

أما خسائر المجلس العسكري جراء المجزرة فأكثر وأكبر , وإن كانت غير ملموسة بوضوح كاف, في مقدمتها خسارة آخر أرصدته من ثقة الشعب, والحراك السلمي, وآخر أرصدته من ثقة العالم الخارجي.

 تقول مصادر الحراك الثوري في الخرطوم لـ((الشراع )) إنهم أصبحوا أقوى بينما أصبح العسكر أضعف, وغير شرعيين داخلياً وخارجياً, وبلا  إعتراف من أي دولة , بما فيها الدول العربية التي زاروها أخيراً طلباً للدعم.. وتضيف ((حتى مصر رفضت الاعتراف بهم))!

وتضيف المصادر: لقد منحهم العالم بعض الثقة وبحذر شديد, لحثهم على العمل للتخلص من تركة العهد السابق والانحياز الى قوى الثورة, ولكنهم بدل ذلك قاموا بارتكاب المجزرة, وعملوا على اخماد الثورة فتراجع العالم تضامناً معنا. قوى الحرية والتغيير التي تفاوضت مع المجلس كانت أول من تصدى له, وترجمت موقفها وموقف الشارع بالإعلان عن سحب اعترافها بالمجلس نهائياً. وطالبت بلجنة تحقيق دولي بالمجزرة واشراف دولي للرقابة والاشراف على سير العملية السياسية لإجبار العسكر على الانصياع لإرادة الشعب.

 وتقول المصادر إن المجلس الذي عانى من العزلة على المستوى الدولي منذ سقوط البشير يقبع الآن تحت عزلة أشد. إذ لم تعترف به أي دولة رسمياً, بما فيها الدول العربية التي منحته بعض الدعم الاقتصادي الواقعي, واستقبلت بعض كبار أعضائه مقابل بعض الشروط  وأما الدول الأخرى فكلها لم تعترف به أيضاً بصفة رسمية.

وتقول مصادر ((الشراع)) في الخرطوم أن الشعب السوداني بقواه الثورية والسياسية يتعامل مع العسكر باعتبارهم قوة قهرية واقعية تفرض سطوتها على البلاد والعباد, لا سيما أن القوات العسكرية المسلحة باتت تنتشر في مناطق واسعة من المدن الرئيسية حالياً, وتحاصرها, وتقمع الناشطين.

كما إنها تفرض تعتيماً كثيفاً على مصادر المعلومات, وحصاراً على وسائل الاعلام, ووسائل التواصل الاجتماعي.

 والجدير بالذكر أن نظام البشير كان وما زال يملك ويدير 16 محطة فضائية, وصحف كثيرة, تقوم بغسيل عقول الناس وتشويه الثورة والحراك المدني. وكشف مؤخراً مقال في صحيفة ((تلغراف)) البريطانية كتبه رولاند اوليفانت أن رجل الأعمال الروسي المقرب من بوتين يفغيني بريغوجين مدير منظمة (فاغنر) المتورطة في الحرب الروسية في سورية وضع خطة للبشير وصفة خاصة لتشويه الحراك الثوري باتهام الأسماء البارزة فيها بأنهم مجموعات من المثليين جنسياً والمعادين للاسلام ومن المؤيدين لإسرائيل ولكنه لم يعمل بها كما طلبوا منه! وقال كاتب المقال إن وثيقة سرية تتضمن هذه المعلومات سربها المعارض الروسي ميخائيل خودور كوفسكي وسلمها الى مركز دوساير للابحاث في لندن.

الحراك الثوري طالب القوى والشركات العالمية الكبرى بتزويده بـ ((الانتر نت)) بدون موافقة الحكومة, وقد وافقت شركة ((غوغل)) على الطلب, وتعمل على ذلك عبر الاقمار الاصطناعية وبالتعاون مع الدول المجاورة, مثل اوغندا وكينيا وأفريقيا الوسطى.

 وأكدت مصادر سودانية داخلية لـ ((الشراع)) أن الحراك الثوري استطاع رغم الحصار والضغط والتخويف التفوق على المجلس العسكري بتنفيذ العصيان المدني بنسبة عالية في 14 ولاية ومدينة رئيسية, وامتد الى مئات القرى وطبق بدقة رغم لجوء العسكر لكسر ارادة الناس وإجبارهم على فتح متاجرهم المغلقة, وقتلوا ثمانية من أصحاب المتاجر في قرية دليج / ولاية دارفور, بسبب مشاركتهم في العصيان. وقد تكافل الناس اجتماعياً دعماً للعصيان, فقاموا بالتجاوب مع شعار أعلنته قوى الثورة ((لا تدع جارك جائعاً) فقام الناس بتقاسم المؤن والحاجيات الضرورية.

 وذكرت أن العسكر استماتوا لمنع بعض المرافق الحيوية من الانضمام للعصيان, خصوصاً مطار الخرطوم الدولي وبعض المصارف, للزعم أن الناس رفضوا المشاركة في العصيان, وان هذا قد فشل.

وأكدت المصادر لـ((الشراع)) أن المجلس العسكري لا يحكم ولا سلطة له فعلياً بسبب رفض الناس, واصرارهم على تسليم السلطة لقوى الحرية والتغيير..

التدخل الدولي

  أما أهم وأخطر النتائج التي ترتبت على المجزرة التي ارتكبتها الأجهزة العسكرية بعلم وتواطؤ المجلس العسكري فهو أنها فتحت أبواب البلاد على مصاريعها للتدخل الأجنبي الذي تجسد بسلسلة تطورات ومواقف دولية:              

- أولها الزيارة السريعة لرئيس الحكومة الأثيوبية آبي أحمد علي للخرطوم للتوسط  بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين للعودة للمفاوضات. وذكرت مصادر الحراك الثوري أن الوسيط الأثيوبي تحرك بتفويض من واشنطن, وبالتنسيق مع الاتحاد الافريقي, والاتحاد الاوروبي, لقطع الطريق على أي تدخل عربي محتمل لدعم المجلس العسكري.

 - وتبع ذلك قرار تجميد عضوية السودان في الإتحاد الأفريقي حتى يسلم العسكر السلطة لحكومة مدنية. وكان الاتحاد منح السودان ثلاثة شهور مهلة بعد اسقاط البشير لنقل السلطة للمدنيين, وتراجع عنها بعد المجزرة.  

 - إعلان واشنطن موقفا مؤيداً للانتقال الديموقراطي ومطالبة بسحب ((الميليشيات)) من الشوارع, وهي عبارة تشير الى ((قوات الدعم السريع))! - تعيين دونالد بوث ممثلاً خاصاً لأميركا الى السودان. وإرسال وكيل الخارجية تيبور ناجي الى الخرطوم أيضاً, لتشجيع الأطراف للعودة الى المفاوضات. وذكر مراسل ((بي بي سي)) في واشنطن أن لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ هي التي طالبت الادارة بتعيين ممثل خاص للسودان , ووضعت تشريعاً يلزم الادارة بدعم قوى الثورة, ويطالب بالضغط لاجبار العسكر على تسليم السلطة للمدنيين. وعدم رفع العقوبات السابقة عن السودان قبل انصياع العسكر. وأوضحت المحطة أن اميركا رغم علاقاتها السيئة سابقاً مع البشير ونظامه دفعت خمسة مليارات دولار معونات انسانية لتخفيف معاناة السودانيين في السنين السابقة, ولا تريد استمرار هذه الظروف المكلفة, بل تدعم تغييراً جذرياً في سياسة البلد, وانهاء معاناة شعبه, ووقف القمع والاستهتار بحقوق الانسان فيه.    

- نقل ملف القضية الى مجلس الأمن الدولي.

- الموقف الداعم الذي أعلنه الاتحاد الأوربي دعماً لنقل السلطة لحكومة مدنية بما فيه بريطانيا الذي أدان سفيرها في الخرطوم المجزرة وأعلن تضامنه مع قوى الحرية والتغيير فاستدعته الخارجية السودانية للاحتجاج على موقفه ((والسفير مسلم من أصول باكستانية)) !

- زيارة أمين عام الجامعة العربية احمد ابو الغيط للخرطوم جاءت بتكليف عربي متعدد, وهدفها مواجهة الهجوم الغربي والاثيوبي المتعدد الأطراف لحث الأطراف السودانية كافة على التوصل لحلول وسطى تحصن السودان من نتائج التدخل الأجنبي وتلاعب بمكوناته ومقدراته, على غرار ما حصل في ليبيا وسورية.. مثلاً .    

 

غباء واستغباء!

أمران أثارا سخرية السودانيين من قرارات المجلس العسكري السوداني في مسألة إحالة عمر البشير الى المحاكمة:

الأمر الأول ان الرجل الملاحق من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهمة قتل وتشجيع على القتل والابادة منذ نحو عقد من الزمان، ولا يجرؤ على زيارة أي بلد اوروبي او اميركي او آسيوي غير عربي.. يقدم في بلده للمحاكمة بتهمة تلقي رشى!!

الأمر الثاني هو توقيت المحاكمة ليبدو ملهاة يحاول السذج في المجلس العسكري استغباء السودانيين بإشغالهم عن قضيتهم الأولى وهي إعادة الجيش الى ثكناته بعد 30 سنة من حكمه عبر البشير، وتسليم السلطة الى الشعب السوداني ليختار هو ممثليه وحكامه.