2019-06-20 14:32:05

البيانُ إصابةُ الحق / بقلم الشيخ أسامة السيد

البيانُ إصابةُ الحق / بقلم الشيخ أسامة السيد

البيانُ إصابةُ الحق / بقلم الشيخ أسامة السيد

البيانُ إصابةُ الحق / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 21 حزيران 2019 العدد1905

 

الحمد لله وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً)) سورة الأحزاب.

كثيرًا ما نرى ونسمع من يخطب أحيانًا بالناس الساعة أو أكثر ويُركِّب العبارات ويُزخرف الجُمل ويتفنن في انتقاء غرائب الألفاظ حتى لا يفهم منه السامعون شيئًا،  ويظن ذلك قوةً في الفصاحة والبلاغة وأنه علامة على نجاح الخطيب بينما أكثر الحاضرين من العوامِّ البُسطاء، فيعتقد البعض أن المتكلم علاّمة وإمامًا وأنه لا يُشق له غُبارٌ وذلك لمجرد أنه أتى بعبارةٍ عالية لم يفهم السامعون معناها، وقد حصل مثل هذا مرةً في بعض المناسبات فتكلَّم أحد أدعياء المشيخة وأسهب بكلامٍ غريبٍ فقال أحد السامعين لصاحبه: ما هذا الكلام لم أفهم شيئًا؟ فردَّ صاحبه قائلاً: هكذا كلام العلماء الكبار لا نفهمه نحن العوامّ.

فأعجب كيف صار الميزان الذي يُقاس به عند بعضهم للحكم بالعلم والمشيخة على المتكلم هو أنهم لا يفهمون ولا يفقهون عبارته، وجهلوا أن الحكمة تقتضي أن يُخاطبَ الناس على قدر عقولهم وأن تُبسَّط العبارة ليفهمها السامع ولتعمَّ الفائدة. فما معنى أن تخطب في الناس الساعة والساعتين وأن تُشرِّق في الكلام وتُغرِّب وهم في وادٍ آخر وكأنهم يسمعون لغةً غريبة عن لغتهم، ولو قمتَ فيهم بما يفهمون بعباراتٍ سهلة بما قلَّ ودلَّ لكان أحسن وأولى، ولو انصرف كل واحدٍ إلى البحث عن الكلمات الغريبة وألقى على العوامِّ ما لا يفهمون لينظر الناس إليه بعين الإجلال وينسبونه للإمامة والرياسة العلمية فمن ينبري لتعليم الناس ما يحتاجون إليه بالطريقة المبسَّطة، ومن يتولَّى إرشادهم إلى ما يصلحهم بما يفهمونه على قدر عقولهم؟!!

ما هو البيان

 ليس البيان أن تكثر من الكلام أو أن تنتقي كلامًا لا يفهمه كل أحدٍ أو تتكلَّف الشعر والسجع فحسب، ولكنَّ البيان أن تُصيب الحق وأن تُفهم المخَاطب ما ينبغي أن يفهمه، وما أحوجنا لمراعاة ذلك في زمن كثُر فيه الضجيج ورفع الشعارات وتزيين الكلام حتى لعل الكاتب أو المتكلم لا يفقه في كثيرٍ من الأحيان ما يقول هو فضلاً عن إفهام ذلك لغيره، وليس هذا هو المقصد الأسمى المطلوب من جمع الناس ليقوم فيهم المرء خطيبًا أو مُحاضرًا لا سيما ونحن في زمنٍ قد تفشَّى فيه وباءُ الجهل، ولا شك أن العلاج والحالة هكذا إنما هو بتبسيط العبارة ليفهمها السامع ليعرف دواءَ سقمِه فيبرأ منه وإلا بقي الجاهل متخبطًا في مستنقع الجهالة، وماذا تغني عنه بعد ذلك كل الخطب والمحاضرات والمؤتمرات إن لم تنتشله من أوحال الجهالة؟!!

وإذا ما كانت الغايةُ عند بعض المتمشيخين والمتعالمين الظهورَ على الناس بكلامهم المنمَّق فقط لغرض الشهرة بين الأنام بالعلم أو لغرضٍ آخر رخيص دون النظر إلى كيفية إيصال الإرشاد الذي يحتاجه البشر إليهم بطريقةٍ مفهومةٍ فليعلموا أنهم يُهلكون أنفسهم بمعصية الله ويُهلكون غيرهم بتركهم المهمَّة الأساس التي ينبغي أن يُطلب لأجلها العلم، فيبقى ذاك الجاهل على جهله وبذلك تندثر المبادىء وتنتشر الرذائل وتعلو سَفِلةُ الناس. وقد صرنا نرى كل ذلك في زماننا عيانًا مع الأسف الشديد فما أحوجنا للنظر في أحوال الناس وما يحتاجون للنهوض من تلك الكبوة التي بات فيها أكثرهم، لا سيما وقد صرنا في عصرٍ مدلهمٍ بالفتن إذ كثُرت فيه الآراء وتصارعت فيه الفِرَقُ المتعددة بشتى الأهواء وقد اختلفت غاياتها وتنوعت دعواتها واتخذ كلٌ منها سُبُلاً لا يُراعى فيها شرع الله ولا يتوقَّى الدَجل والخداع، وما زلنا نرى امتدادًا للخوارج الذين يُكفّرون المؤمنَ بمجرد اقتراف الذنب الكبير، ونرى القدريةَ الذين يزعمون أن الشر ليس من خلق الله إنما خلقه العبد وأن العبد يخلق فعله الاختياري كالقيام والقعود والمشي، ونرى المجسّمة الذين يعتقدون والعياذ بالله أن الله تعالى جسمٌ يستقر فوق العرش وأنه ينزل ويطلع ويتنقل كالمخلوقين، وكل هؤلاء تحت مسمَّيات عديدة وعناوين جديدة.

كيفية مخاطبة الناس

 وإزاء هذا الخطر المحدق ينبغي أن يكون المشايخ على قدْر المسؤولية الملقاة على عاتقهم وأن يكون الهدفُ المنشود إنقاذَ الناس وإيضاحَ مبادئ الحق بأساليب سهلة يفهمها من قرأها أو سمعها بعيدًا عن الأساليب الملتوية التي لا يُراد منها إحقاق الحق ولا إبطال الباطل وإنما الغاية منها إظهار براعة المتكلم فحسب وإنما مثلُ من كان هذا حاله كمَثل من يُعطي الكتاب للأعمى ليقرأ فيه وهذا بعيدٌ من الحكمة بُعد المشرق من المغرب وخلاف الحال التي ينبغي أن يكون عليها العالم.

 وقد جاء في ((المجموع)) للنووي أن الإمام الشافعي قال: ((من سام بنفسه فوق ما يُساوي ردَّه الله تعالى إلى قيمته)) ومعناه من أقام نفسه فوق منزلته الحقيقية ردّه الله إلى قيمته وفضحه بين الناس، وبالتالي فإنما يُحفظ الدينُ بالعلماء العاملين الذين لا يسكتون عن منكرٍ ولا يتوانون في الأمر بالمعروف ولا يقصرون في إرشاد الناس وتعليمهم ما لا بد لهم من معرفته من أمور الدين ويُلقون إليهم ذلك بالعبارة التي تليق بحالهم. فقد روى البخاري عن الإمام عليٍ أنه قال: ((حدِّثوا الناس بما يفهمون أتُحبون أن يُكذَّب اللهُ ورسوله)) وذلك أن الشخص إن لم يفهم ما أُلقي إليه من معاني ما جاء في الكتاب والسنة قد يظنه كلامًا مخالفًا للشرع فيرده فيكون قد ردَّ في الحقيقة ما أوحى الله به وما قاله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن قصده ذلك.

وروى مسلم عن عبد الله بن مسعودٍ أنه قال: ((ما أنت بمحدثٍ قومًا حديثًا لا تبلُغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)).

ولو تتبع المرء منا ذلك في أحوال الناس لوجد سوء الفهم المؤدي إلى الوقوع في الفتن بعد سماع خطبةٍ أو محاضرةٍ لم يُراع فيها خطاب الحاضرين على قدر عقولهم كثيرًا وعلى خطورةٍ بالغةٍ فلنتق الله جميعًا فيما نقول.

والحمد لله أولاً وآخراً.