2019-06-14 13:59:55

هذا ما وقع في الخرطوم يوم الاثنين الدامي:محاولة انقلاب نفذتها الجنجويد والاستخبارات بتواطؤ الجيش تدخل أميركي سريع أوقف الشق السياسي من ((الإنقلاب)) / بقلم : محمد خليفة

هذا ما وقع في الخرطوم يوم الاثنين الدامي:محاولة انقلاب نفذتها الجنجويد والاستخبارات بتواطؤ الجيش تدخل أميركي سريع أوقف الشق السياسي من ((الإنقلاب)) / بقلم : محمد خليفة

هذا ما وقع في الخرطوم يوم الاثنين الدامي:محاولة انقلاب نفذتها الجنجويد والاستخبارات بتواطؤ الجيش تدخل أميركي سريع أوقف الشق السياسي من ((الإنقلاب)) / بقلم : محمد خليفة

هذا ما وقع في الخرطوم يوم الاثنين الدامي:محاولة انقلاب نفذتها الجنجويد والاستخبارات بتواطؤ الجيش

تدخل أميركي سريع أوقف الشق السياسي من ((الإنقلاب)) / بقلم : محمد خليفة

مجلة الشراع 14 حزيران 2019 العدد 1904

 

حسب تصريحات قادة المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير, كانت مفاوضات الطرفين طوال شهرين تتقدم في اتجاه صحيح, وتبشر باتفاق على نقل السودان الى عهد جديد, عبر مرحلة انتقالية مدتها ثلاثة أعوام وإدارة البلاد بواسطة مجلس سيادي مشترك من الطرفين, وحكومة مدنية, وهيئة تشريعية بالتعيين. ورغم بعض المشككين بنوايا العسكر واستمرار الخلافات على بعض المسائل, وخصوصاً رئاسة المجلس السيادي, تبادل السودانيون التهاني تفاؤلاً بالتوصل لاتفاق, يضاعف فرحة عيد الفطر, ولكن ما حدث في آخر أيام رمضان قلب الفرح حداداً عم البلاد من شمالها الى جنوبها.

مجزرة دموية موصوفة حصدت أرواح أكثر من مائة من المعتصمين برصاص العسكر, أعادت السودان الى ما قبل 11 نيسان/ أبريل الماضي, فماذا جرى ذلك اليوم المشهود؟

لن نكرر ما تناقلته وسائل الاعلام عن الحادث, ومن تسبب به, وأهدافه, لأن التقارير التي بثتها معظم القنوات العربية لا يعكس الحقيقة,  ويخدم محاور عربية ودولية , لها مصلحة في تغطية القوى الفاعلة.

لذلك سنلقي الضوء على الجريمة بموضوعية أكبر, ونوزع المسؤولية الجنائية والسياسية على القوى التي نفذت, والتي تواطأت معها, بالعدل, كما يفعل القضاة, لا كما يفعل رجال السياسة معتمدين على مصادر قريبة جداً من ميدان الأحداث.

مجزرة مدبرة:

ما حدث يوم 29 رمضان يوحي بأنه مرتب مسبقاً ليخدم تصعيداً مبرمجاً, مما يدحض الزعم بأنه وقع بالصدفة. إذ أعقب تمسك قوى الحرية والتغيير بمواقفها من المسائل الخلافية مع المجلس العسكري, وتمسكت بالإعتصام بالشارع, وتهديدها بالإضراب والعصيان. وسبقت الحادث هجمات تصاعدية على المتظاهرين في ساحة الإعتصام من قوات نظامية, أو شبه نظامية, تتبع نظام البشير.

 فيوم الاثنين 13 أيار/ ما يو أطلق مسلحون النار على المعتصمين فقتلوا خمسة أشخاص وجرحوا عشرات. وقال شهود لمراسل ((بي بي سي)) (إن الفاعلين جنود من ((قوات الدعم السريع)) استخدموا جرافات لرفع حواجز ومتاريس حول مقر الاعتصام. ولم يتدخل الجيش لحماية المدنيين. وأصدر المجلس العسكري بيانا اتهم ((مسلحين مجهولين)) .

ويوم السبت غرة حزيران/ يونيو تكرر الهجوم فقتل شخص وجرح عشرة. واتهمت ((قوى الحرية والتغيير)) القوات الأمنية والعسكرية باستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين العزل في محيط الاعتصام.

وذكر بيان لتجمع المهنيين: ((لدينا ما يحمل على الاعتقاد بأن المجلس العسكري يخطط بصورة منهجية لفض الاعتصام السلمي بالقوة والعنف المفرطين)). وأضاف ((نتابع استباحة شارع النيل بمحيط الاعتصام بواسطة عسكريين يطلقون الرصاص الحي بكثافة, وفي كل وقت, دون انضباط أو مسؤولية، ما أدى لاستشهاد وجرح عدد من المواطنات والمواطنين في الأيام الماضية)). واعتبر ما حدث ((تمهيداً لارتكاب ((مجزرة))  لفض الاعتصام)) ! .

بعد 48 ساعة فقط من بيان تجمع المهنيين وقعت المجزرة فعلاً, وقتل  فيها 108 أشخاص, على الأقل حسب نقابة الأطباء التابعة لتجمع المهنيين، و46 فقط حسب وزارة الصحة التابعة للحكومة, مع أن الجثث المنتشلة من النيل وحدها بلغت 40 جثة, ما يكذب بيان الوزارة. وروى شهود أن كثيراً من الجثث ألقيت في النيل مربوطة بحجارة, لكيلا تطفو, وبعض الجثث أحرقت, ولم يبق منها أثر.

وأظهرت فيديوهات التقطها معتصمون قافلة تضم مئات حاملات الجند وصلت ساحة الاعتصام قبيل فجر 3 حزيران/ يونيو, حاملة مئات المقاتلين المدججين بالسلاح والهراوات والسلاسل والحبال.

كان المعتصمون نائمين في الخيام, مطمئنين الى حماية الجيش لهم, ولكن قوات الجيش بدأت فجأة تطلق النار العشوائي على المعتصمين وتطردهم من باحة القيادة الى الخارج , حيث كان المسلحون الذين وصلوا بانتظارهم وفتحوا النار عليهم بغزارة, وأخذ بعضهم يهاجم الخيام ويضرم النار بها, ومن يحاول الهرب يطلق الرصاص عليه, أو يضرب بالعصي والسلاسل, أو يعتقل. وكان واضحاً أن العملية تستهدف فض الاعتصام بالقوة.

مصادر ((الشراع )) أكدت أن الأطراف المشاركة في المجزرة ثلاثة, على الشكل التالي:

- الجيش واقتصر دوره على طرد المعتصمين من باحة القيادة ليكونوا هدفاً للمسلحين في الخارج.

- قوات الدعم السريع ((الجنجويد)), وهي قوات غير نظامية أنشأها البشير لتحمي نظامه, وهي المتهمة بارتكاب مجازر دارفور عبر سنوات طويلة والتي ذهب ضحيتها بين مليون ومليوني سوداني, وفق مصادر دولية  أبرزها محكمة الجنايات الدولية .

- جهاز الاستخبارات الذي ارتدى عناصره وقت المجزرة لباس الشرطة المدنية.         

   وجدير بالذكر أن قائد (الجنجويد) هو الفريق اول محمد حمدان دقلو ((حميدتي))  الذي يحتل المركز الثاني في المجلس العسكري مع أنه لا يحمل أي مؤهلات عسكرية. تلقى تعليماً دينياً في الكتاب فقط, وعمل تاجراً, وبعد انقلاب 1989 انخرط في ميليشيات النظام, ثم اختاره البشير لقيادة الجنجويد ومنحه رتبة عالية!

وحاول البشير قبل سنوات ضم الجنجويد للجيش النظامي فرفضت هيئة الأركان بالإجماع, لأنها ((قوات غير مؤهلة ولا منضبطة وسمعتها تسيء للجيش))  فتراجع البشير. وما زالت الجنجويد مخلصة للنظام المنهار, وتتبنى عقيدته وتدافع عن رئيسه المعزول, وانتشرت في الأسابيع الأخيرة في مواقع حساسة من الخرطوم وأم درمان, بهدف محاصرتهما والسيطرة على الجسور, رداً على محاصرة الثوار لقيادة الجيش وإحكام سيطرتهم على الجسور والشوارع الرئيسية ومحطات القطار. وما زالت تسيطر على العاصمة, لا الجيش, وقائدها هو الاقوى داخل المجلس العسكري, وهذا ما يقلق الثوار ويثير شكوكهم بنوايا العسكر, فضلاً عن مؤشرات على أن الجيش أيضاً غير مطمئن أيضاً لدورها, ويخشى أن ترتكب مجازر كبيرة.

محاولة تهريب البشير!

لم تقتصر أحداث الاثنين الدامي على المجزرة فقط, بل ثمة فصلان آخران من فصول ما وقع:

الأول: محاولة مخططة لتهريب الرئيس السابق عمر البشير من سجن ((كوبر)). وقد اعترفت مصادر رسمية أنه في ليلة المجزرة هاجم مائة مسلح على الأقل سجن ((كوبر)) حيث يحتجز الطاغية المعزول وحاولوا اقتحامه وتهريب عشرات المسؤولين السابقين, وعلى رأسهم البشير , ولكن حراس السجن تمكنوا من إفشال المحاولة !

الثاني: حملة منظمة لاعتقال قادة من ((قوى الحرية والتغيير)) وشخصيات  معارضة رئيسية كياسر عرمان القيادي في الحركة الشعبية. والطرف المتهم بالمسؤولية عن هذه الحملة فهو جهاز الاستخبارات الذي يرأسه الآن الفريق أول أبو بكر حسن مصطفى دمبلاب. وهذا الجهاز يتقاسم سوء السمعة مع الجنجويد, ويقول المطلعون إن نظام البشير أعاد بناء الجهاز بعد 1989 ليكون مؤسسة قمعية فوق القانون, لا تعرف الرحمة, تضم عتاة المتطرفين من جماعة الترابي والأخوان. وكان رئيسه السابق صلاح قوش يعتبر الشخص الثاني في الدولة, ومسؤول عن كثير من الانتهاكات السياسية, وجرائم الفساد.

 ورغم ذلك لم يعتقل قوش حتى الآن, واكتفى المجلس العسكري باستبداله  بالفريق دمبلاب. وعندما ذهبت قوة من الجيش لاعتقاله من منزله قبل أيام من المجزرة تصدت لها القوة الخاصة التي تحمي منزل قوش وردتها على اعقابها مدحورة, ولم يفعل المجلس العسكري شيئاً!

وما زال الجهاز يواصل حملة الاعتقالات التي تطال العديد من أعضاء ((قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين)). ولكن المجلس العسكري من ناحية أخرى قام فوراً بإجراء تغييرات هيكلية كبيرة بين المسؤولين الكبار في الجهاز. ورغم أن المجلس قال إنها عمليات روتينية, فإن المراقبين أكدوا أن قيادة الجيش غير مطمئنة لدور الجهاز حالياً, وتحاول إحكام السيطرة عليه, الأمر الذي يعكس صراعاً بين أجنحة السلطة في نظر مراقبين آخرين.

محاولة انقلاب..؟!

ترجح مصادر سودانية مطلعة أن ما جرى في ليلة 29 رمضان  3 حزيران/ يونيو لم يكن مجرد حادث عابر أو هجوم عسكري على المعتصمين في باحة مقر القيادة العسكرية فقط, بل انقلاب عسكري - سياسي كبير, له أهداف عديدة:

أما الشق السياسي من انقلاب 3 حزيران/ يونيو فقد اتضحت معالمه في الأيام التالية, إذ استغل رئيس المجلس العسكري  عبدالفتاح البرهان اعلان ((قوى الحرية والتغيير)) وتجمع المهنيين وقف التفاوض معهم وتحميلهم المسؤولية عن المجزرة, ومطالبتهم بتشكيل لجنة تحقيق دولية فيها, وبتدخل طرف دولي يكون شاهداً وضامناً لأي تفاهمات مع الجيش في المستقبل. ليعلن - رئيس المجلس - سلسلة من الخطوات السياسية تدعم اتهامات الثوار للعسكر وشكوكهم بنواياهم:

وذكرت مصادر سودانية أن قرارات الفريق أول عبدالفتاح البرهان لم تكن بنت لحظتها, ولا رد فعل على مواقف الطرف الآخر, بل خطة مبيتة من المجلس العسكري لاستلام السلطة وادارة البلاد, واجهاض الثورة. كما أكدت أن واشنطن تدخلت بسرعة وطالبت عبر وسطاء عرب وأفارقة بتراجع العسكر عن هذا الاتجاه, وبالعودة فوراً الى المفاوضات مع ((قوى الحرية والتغيير)). وقالت إن زيارة رئيس الحكومة الأثيوبية السريعة الى الخرطوم تمت بناء على تكليف أميركي سريع, لإقناع الطرفين بالعودة الى المفاوضات, لأن البديل أخطار كثيرة قد تتجاوز حسابات الطرفين المحليين, وقد يهدد وحدة البلاد, أو بنشوب نزاعات مسلحة جهوية في العديد من مناطق البلاد, وكان لافتاً أن يتحدث الوسيط الأثيوبي عن أهمية وحدة السودان بالنسبة لبلاده. فضلاً عن مخاوف جدية من انقسامات داخل الجيش, أو صراع بين الفصائل العسكرية والأمنية بسبب تباين مواقفها. فالجيش أكثر اعتدالاً وعقلانية من الجنجويد والاستخبارات, وبعض الأطراف التي ترغب باستخدام القمع ضد المعتصمين وضد قوى الثورة, والتوسع في الاعتقالات.

وتتحدث أطراف عديدة عن دخول أطراف عربية ودولية عديدة على خط الأحداث السودانية, فالمجزرة حفزت الدول الغربية لنقل القضية الى مجلس الأمن الدولي, إلا أن روسيا والصين تصدتا لها, وعطلتا تحركها التدويلي. إلا أن الدول الغربية تملك وسائل نفوذ وتأثير متعددة. ويأتي قرار الاتحاد الأفريقي السريع بتجميد عضوية السودان حتى يسلم العسكر السلطة للمدنيين ضمن هذه الوسائل .

ومن المبكر الحديث عن الاحتمالات واتجاه الاحداث القادمة, إلا أن ما لا شك فيه هو أن مجزرة الاثنين الدامي أدخلت السودان في منزلق خطير, ومسار مختلف, ووضعته على حافة هاوية سحيقة, قد لا تهدده وحده, بل قد تكون لها انعكاسات وامتدادات على سائر دول المنطقة العربية والافريقية.